قوبل خطاب رئيس حكومة اليمين بنيامين نتنياهو الذي القاه يوم الاثنين الماضي،الرابع عشر من شهر حزيران الجاري، في جامعة "بارايلان" بتل ابيب، بردود فعل مختلفة ومتفاوتة في وزنها النوعي للتقييم .فهناك من بالغ في التقييم ايجابا معتبرا اقرار نتنياهو بحل الدولتين، باقامة دولة فلسطينية الى جانب اسرائيل "انقلابا ثوريا" في موقف اليمين الاسرائيلي المتطرف ينسجم مع رؤية ادارة اوباما الامريكية بحل الدولتين.وهناك من اعتبر اقرار نتنياهو وموافقته على حل الدولتين خطوة ايجابية هامة ولكن غير كافية – مثل بعض دول الاتحاد الاوروبي – اما الانظمة العربية "المعتدلة" فبعضها وخاصة النظام المصري والنظام الاردني، اعتبر ما جاء في الخطاب انه يعرقل التقدم في العملية السياسية وغير مقبول ،وخاصة اشتراط اعتراف الفلسطينيين والعرب بيهودية الدولة كدولة الوطن القومي اليهودي الصهيوني وبالقدس الموحدة عاصمة اسرائيل، أي الموافقة على تهويد القدس الشرقية وضمها الى اسرائيل! وموقف السلطة الوطنية الفلسطينية والرئيس محمود عباس ومختلف الفصائل الفلسطينية بما في ذلك حماس والجهاد الاسلامي التي اكدت بان الخطاب يتنكر لثوابت الحقوق الوطنية الفلسطينية ولا يمكن ان يؤلف منطلقا لمفاوضات الحل الدائم للصراع الاسرائيلي – الفلسطيني- العربي.
ما نود تأكيده في هذا السياق ان تباين الوزن النوعي لتقييم المواقف التي تضمنها خطاب بنيامين نتنياهو ووجهات النظر المختلفة يعكس الى حد كبير- حسب رأينا – الموازنة القائمة في الظرف الراهن على الساحة الدولية والشرق اوسطية والرأي العام العالمي في تحديد الموقف من طابع تسوية الصراع الاسرائيلي – العربي، الخلفية الحقيقية لبروز المواقف المختلفة والمتناقضة احيانا في كفتي موازنة الصراع- فمن جهة اولى اثبتت المعطيات الصارخة لمسيرة التطور والصراع خلال اكثر من ستة عقود مضت منذ النكبة الفلسطينية في الثمانية والاربعين واكثر من اربعة عقود مضت على الاحتلال الاسرائيلي للضفة الغربية وقطاع غزة ان الطاغوت العدواني الاسرائيلي – الامبريالي وتواطؤ بعض الانظمة العربية معهما قد فشل في حسم المعركة عسكريا مع الشعب العربي الفلسطيني بالرغم من حيازته على اكثر الاسلحة العصرية الامريكية قدرة على القتل والتدمير ولجوئه الى ارتكاب ابشع المجازر الدموية وجرائم الحرب الهمجية ضد الشعب العربي الفلسطيني المسلح بعدالة قضيته الوطنية.فمنهج القوة والحسم العسكري فشل في كسر شوكة مقاومة الشعب العربي الفلسطيني او تثبيط عزائمه النضالية واستعداده لتقديم اغلى التضحيات على مذبح نضاله الوطني من اجل الحرية والاستقلال الوطني. فبسالة الشعب الفلسطيني المتمسك بثوابت حقوقه الوطنية الشرعية واستعداده للتضحية دفاعا عن هذه الثوابت وعدم خنوعه واستسلامه لجرائم المعتدي الاسرائيلي قد اثبت للعالم اجمع ولديناصورات المحاور الامبريالية المساندة والداعمة للعدوانية الاسرائيلية، كما اثبت للرأي العام داخل اسرائيل انه بدون حل سياسي عادل للصراع الاسرائيلي –العربي الذي في مركزه حل عادل لحق الشعب العربي الفلسطيني في الدولة والقدس والعودة، بدون ذلك لا يمكن ضمان الامن والاستقرار والسلام في ربوع الشرق الاوسط برمته، وانه لا يمكن توفير الامن والاستقراروالسلام لاسرائيل في ظل مواصلة الاحتلال الاستيطاني ومصادرة الحق الوطني الفلسطيني بالحرية والسيادة والامن والاستقرار.
فبروز هذه الحقيقة في موازنة التطور والصراع دفعت وكانت عاملا اساسيا في لجوء التحالف الامبريالي- الاسرائيلي الى محاولة بلورة حلول سياسية سمية تخدم المصالح الاستراتيجية الامبريالية في هذه المنطقة الجغراسياسية الهامة والغنية باحتياطها النفطي الهائل وبسوق الاسلحة الواسع .ففي اعقاب الانتفاضة الفلسطينية الاولى الباسلة ضد الاحتلال عقد مؤتمر مدريد للسلام في العام 1991 وبمشاركة جميع اطراف الصراع وبرئاسة امريكية او رئاسة بوش الاب والاتحاد السوفييتي الذي اقر مبادئ التسوية العادلة على اساس مبدأ الارض مقابل السلام، الانسحاب الاسرائيلي من جميع المناطق المحتلة في السبعة والستين، حل على اساس قرارات الشرعية الدولية، واعقب ذلك اتفاقات اوسلو المرحلية واقامة السلطة الوطنية الفلسطينية، واتفاقية "واي بلانتيشين" "وانا بوليس" باختصار الرأي العام العالمي اصبح مهيئا ومقتنعا انه لايمكن اخماد انفاس الصراع في الشرق الاوسط بدون ايجاد حل للقضية الفلسطينية. حتى ارباب استراتيجية الهيمنة الامريكية في المنطقة في عهد الرئيس جورج دبليو بوش واليمين المحافظ ودوائر حلف الناتو الاطلسي، خططوا لتسوية سياسية تنتقص من الحقوق الوطنية الفلسطينية ولكنها ضرورية لاقامة الشرق الاوسط الجديد"المدجن امريكياً.
وفي هذا المناخ الدولي الذي لم تستطع حرب الابادة والمجازر والتدمير الاسرائيلية الوحشية ضد الشعب الفلسطيني في قطاع غزة المحاصر بانياب التجويع والعقوبات الجماعية، في هذا المناخ ازدادت قناعة الرأي العام العالمي باهمية انهاء الاحتلال الاسرئيلي وضمان حق السيادة والتحرر في اطار دولة مستقلة. وهذا ما يعكس حقيقة الخلفية السياسية لاصرار ادارة اوباما على حل الدولتين" وبالشكل الضبابي الذي يطرحه.
اما في الكفة الثانية من موازنة الصراع فالسؤال الذي يطرح نفسه هو هل يرتفع الموقف الفلسطيني والعربي الى مستوى متطلبات المرحلة الراهنة التي من ابرز معالمها انفضاح الوجه الاجرامي الهمجي للمحتل الاسرائيلي وإدانة جرائمه الوحشية ضد الشعب العربي الفلسطيني والانسانية وتزايد التضامن العالمي مع الحق الفلسطيني المشروع! للاسف الشديد فان الوضع على الساحة الفلسطينية مأساوي،فالانقسام في صف الوحدة الوطنية ووجود ما يشبه السلطتين السياسيتين الاقليميتين "واحدة شرعية في رام الله برئاسة الرئيس محمود عباس واخرى في قطاع غزة برئاسة حماس واسماعيل هنية رئيس الحكومة المقالة، هذا الواقع بمثابة خنجر سام في خاصرة وقلب الكفاح الوطني الفلسطيني العادل من اجل التحرر والاستقلال الوطني.انقسام لايستفيد منه سوى الاحتلال الاسرائيلي الذي يستثمره لتضليل الرأي العام العالمي كسلاح لتبرير رفضه لاقامة دولة فلسطينية مستقلة وتقمص دور النعجة الضحية لتبرئة مجازره الدموية تحت يافطة"محاربة الارهاب الفلسطيني" وكأنه لاوجود لاحتلال ولقطعان مستوطنين فاشية عنصرية سائبة او استغلال الانقسام لابتزاز تنازلات من الطرف الفلسطيني تصادر عمليا العديد من الثوابت الوطنية الفلسطينية وتحت ستار المراهنة الاسرائيلية – الامبريالية ان سلطة ابو مازن ضعيفة،وتلطيخ سمعة السلطة الوطنية الفلسطينية برئاسة محمود عباس وكانها عميلة للاحتلال والامريكان وتنسق معهما في اطار تحالف لضرب حماس والجهاد الاسلامي.ادعاءات كاذبة لاتستهدف سوى زرع الشك والفرقة بين الفلسطينيين لتعميق جرح الانقسام الكارثي النازي دوما.
ان ما جاء في خطاب نتنياهو من مواقف اساسية مدلولها السياسي المركزي عرقلة ورفض اقامة دولة فلسطينية مستقلة قابلة للحياة والتطور،والاستعاضة عنها باقامة كيان مسخ مقطع الاوصال ليس اكثر من محمية استعمارية اسرائيلية تعيش تحت رحمة المحثل وعصابات مستوطنيه اقتصاديا وامنيا وسياسيا .ما جاء من مواقف تصادر الحق الفلسطيني في السيادة السياسية على القدس الشرقية المحتلة وتتنكر لحق العودة للاجئين الفلسطينيين وتطالب الشعب الفلسطيني ان يعترف بان لا حق له بالوطن ففلسطين التاريخية دولة الوطن القومي لليهود والرضوخ لما تمن عليه الصهيوينة من فتات مائدتها ككيان يسجد ويسبح حمد خليفة الله من بني صهيون على الارض!! هذه المواقف التي وردت في خطاب نتنياهو وفي هذا الظرف المصيري من الصراع تتطلب واكثر من اي وقت مضى تجاوز الانقسامات والخلافات الفلسطينية واتمام الحوار لاعادة اللحمة والوحدة الوطنيه والاقليمية الى الساحة الفلسطينية وبذل الجهود للاسهام بالتوصل الى وفاق وطني وحكومة وفاق وطني متمسكة بثوابت الحقوق الوطنية ،وبالحرية والدولة والقدس والعودة،وبمنظمة التحرير الفلسطينية كممثل وحيد وشرعي للشعب العربي الفلسطيني والعنوان السياسي والمرجعي للتفاوض حول الحل الدائم .
ان وحدة الموقف الفلسطيني الوطني الكفاحي يتطلب ان يعكس عبر خطاب حكيم للرأي العام العالمي والاسرائيلي التمسك بالثوابت الاساسية للحقوق الوطنية الشرعية الفلسطينية غير القابلة للتصرف،للحق في الدولة السيادية وفي القدس الشرقية عاصمة لها وضمان حق العودة للاجئين الفلسطينيين، دولة في حدود الرابع من حزيران 1967. اننا نؤكد على اهمية التمسك بالوحدة العضوية لهذه الثوابت الاساسية لانه تجري محاولات اسرائيلية ودولية وحتى عربية للضغط على الفلسطينيين ان يدفعوا ثمن تسوية سياسية بالتنازل عن بعض ثوابت حقوقهم الوطنية ! الرئيس الامريكي باراك اوباما بارك لنتنياهو على خطابه واعتبره "خطوة هامة الى الامام لاعترافه بذكر الدولتين! وكيف يمكن اعتبار ذلك خطوة هامة على طريق التسوية السياسية للحل النهائي ياحضرة الرئيس اذا كان نتنياهو قد تجاهل موقفكم بوقف الاستيطان وحتى لم يذكر زالة البؤر الاستيطانية الهشة واكد على ان القدس الموحدة عاصمة لاسرائيل يعني من حيث المدلول السياسي فانه وفق حسابات المحتل الاسرائيلي فان اكثر من خمسين في المئة من الارض المحتلة في الضفة الغربية لن تكون خاضعة للتفاوض الاسرائيلي – الفلسطيني حول الدولة الفلسطينية المرتقبة، هذا الى جانب تنكر الاجماع الصهيوني لحق العودة للاجئين الفلسطينيين .
ان الموقف من حق العودة للاجئين الفلسطينيين ، احد الثوابت الاساسية للحقوق الوطنية الفلسطينية يبقى القضية الاساسية في اطار الرفض الصهيوني الاجماعي بما في ذلك الموقف الرفضي لقوى اليسار الصهيوني. فعلى سبيل المثال فان الاديب المشهور أ.ب. يهوشع المعدود على اليسار الصهيوني يلجأ الى تزوير الحقائق ويبرر الرفض المطلق لحق العودة. ففي مقالة له في صحيفة يديعوت احرونوت " يوم 17/6/2009 حول "رؤيا الدولتين" يؤكد في البداية انه خلال 42 سنة ومنذ حرب الايام الستة فان مجموعة قليلة جدا من الاسرائيليين، ليست من معسكر اليسار ،رفعت علم الاعتراف بتقسيم اراض اسرائيل الى دولتين – اسرائيلية وفلسطينية كحل ضروري وحتمي للصراع الاسرائيلي- العربي ان هذه المجموعة ليست الا الحزب الشيوعي الاسرائيلي يا يهوشع وهو يحمل هذا الموقف منذ النكبة في الثمانية والاربعين عندما اغتصب الحق القومي الفلسطيني. المهم في هذه المقالة ان يهوشع يؤيد شرط نتنياهو في حق العودة للاجئين الى داخل وطنهم ، الى اسرائيل اذ يؤكد يهوشع " ان شرط عدم توطين اللاجئين داخل دولة اسرائيل مقبول ومنطقي وعادل" فاي منطق واية عدالة في حرمان اكثر من اربعة ملايين فلسطيني شردوا قسرا من وطنهم من حق العودة ! ان على اسرائيل الرسمية الاعتراف بمسؤوليتها التاريخية السياسية والاخلاقية عن انفجار جروح النكبة واللجوء القسري،هذا الاعتراف يفتح الابواب للتفاوض حول تجسيد حل عادل لقضية اللاجئين، وبدون حل عادل لهذه القضية فلن يكون اي سلام او امن او استقرار في المنطقة.
ويبقي السؤال الموجه للانظمة العربية "المعتدلة مطروحا ماهو موقفكم واية اجراءات ستتخذون بعد سماعكم لمواقف نتنياهو التي تنسف ثوابت الحقوق الشرعية الفلسطينية ،اما بالنسبة لقوى السلام العادل في بلادنا اليهودية – العربية فان خطاب نتنياهو المعادي للتسوية العادلة يعزز القناعة والاهمية لما يطرحه الحزب الشيوعي الاسرائيلي والجبهة باهمية اقامة اوسع وحدة صف كفاحية يهودية عربية للاسراع في اسقاط حكومة الاحتلال والاستيطان والعدوان اليمينية.
