والخيرُ باقٍ

single

كنّا أطفالاً يجمعنا رمضان قبيل الغروب في ساحة المسجد منتظرين الصّوت الإنسانيّ ينطلقُ من على المئذنة فإذا ما سمعناه جرينا عائدين إلى بيوتنا فرحين مردّدين "أذّنَ..أذّنَ" وأمّا اليوم فمكبّرات الصّوت سرقت فرح الأطفال وشوّهت الصّوت الإنسانيّ.
كان رمضان يزورنا متواضعاً خفيفاً لطيفاً بلا تقتير وبلا تبذير فنجتمع حول طبليّة الإفطار وأطباقها الصّحيّة البسيطة فلا نشكو تخمةً ولا سمنةً، ولمّا تعصرنّا صرنا نتفاخر بالتّرف والتّبذير وبألوان الطّعام فلا نرحم معدنا ولا نبالي بنذائر السّكريّ وضغط الدّمّ العاليّ والدّهنيّات، ونرمي الكثير من الطّبيخ والحلوى في حاويات القمامة ولا نفكّر بالمحرومين وبالجياع. وكانت التّحلاية فيها بساطة القرية ورحيق الطّبيعة، فلا تتعدّى ثمرة قُطّيْن أو هلال بطّيخ أو قطيفة في الشّتاء من يديّ الأمّ يسيل عسلها فيثير لعابنا، وأمّا اليوم فنقف طوابير أمام حوانيت الحلوى ونعود إلى بيوتنا قبيل الإفطار حاملين أسفاط الكنافة والقطايف والفطائر والحلوى الشّاميّة والحلبيّة والنّابلسيّة، ونقضي الوقت من الإفطار حتّى السّحور نمضغ ونبلع ولا نقنع ولا نشبع.
وكان صديقنا المسحّراتيّ يطوف الحارة ويقف لحظة أمام كلّ بيت منادياً: يا نايمْ وحّد الدّايمْ، ويضرب بعصاه على طبله فلمّا ولجت التّكنولوجيا حياتنا جرحت السّحر والفجر واغتالت المسحّراتيّ.
وكان الشّيخ إمام المسجد وخطيبه يرغّب ولا يرهّب. يلقي مواعظه الدّافئة الموجزة بصوته الإنسانيّ الهادئ فتدخل العقل والقلب. لا مكبّر صوت في داخل المسجد أو في خارجه فلا يزعج مريضاً أو طفلاً أو مسنّاً أو طالباً. وكان الشّيخ لا يشتم الكافر طه حسين، نصير الثّقافة الغربيّة الذي يدّعي بأنّ المرأة الفرنسيّة تحظى بحقوق تفوق حقوق المرأة المسلمة، ولا يلعن المرتد رفاعة الطّهطاويّ المعجب بالحضارة الفرنسيّة، ولا يدعو بالويل على السّيسيّ، صنيعة أمريكا وإسرائيل كما يؤكّد فضيلة الشّيخ القرضاويّ وقناة الجزيرة، وإذا قالت الدّوحة فصدّقوها فإنّ القول ما يقوله الدّولار، وكان فضيلته لا يبكي ولا يلطم وجهه حزناً على غياب سيدنا ومولانا محمد مرسي الذي بعثه الله رحمة للعالمين وسيعود قريباً برفقة أخيه المهديّ، وكان لا يسبّ الصّليبيّين الذين استباحوا بلاد المسلمين فلا احتلال في الدّنيا إلا احتلال أفغانستان، ولا أطماع في نفط أو غاز، ولا امبرياليّة لأنّ كلمة امبرياليّة كلمة غربيّة غريبة على قاموسنا الإسلاميّ.
وكانت المساجد يومئذٍ لله وللمسلمين، جميع المسلمين، ولم تكن لحزب أو حركة أو جماعة.
وعلى الرّغم هذا وذاك لا يحول الحرّ ولا القرّ ولا العصرنة بيننا وبين التّرحيب بك يا رمضان الخير فالدّنيا لا تخلو من الخير، والخير باقٍ دائم في أمّة الضّاد وأمّة إقرأ!!                         

قد يهمّكم أيضا..
featured

يَصْقُلُ الانْتِمَاءُ الطَّبَقِيُّ عَقْلَ الإنْسَانِ

featured

عنف المستوطنين في الضفة لا يتوقف للحظة

featured

أهل الحرب سعداء

featured

هل يخنع النظام التركي لضغوطات التدجين الامبريالية؟؟

featured

عندما تغيب الحرية

featured

أهكذا نكرّم المرأة الفلسطينية؟!

featured

أُمّةٌ بلا ربيع