هل يخنع النظام التركي لضغوطات التدجين الامبريالية؟؟

single

يواجه النظام التركي برئاسة حزب العدالة والتنمية وزعيمه رئيس الحكومة الطيب اردوغان في الآونة الاخيرة ضغوطات شرسة، خارجية وداخلية، من الولايات المتحدة الامريكية وبعض الدول الاوروبية والمنظمة الصهيونية العالمية والحلف الاطلسي لضمان بقاء تركيا قاعدة مدجنة في اطار استراتيجية التحالف الامبريالي وحلف الناتو واعادة تعزيز العلاقات الاستراتيجية متعددة الجوانب مع اسرائيل العدوان. فهذه القوى لم يعد يرضيها المواقف المستقلة نسبيا للنظام التركي بالتقارب وتحسين العلاقة مع سوريا وايران والبلدان العربية وتأييد الحقوق الوطنية الفلسطينية وادانة جرائم الاحتلال الاستيطاني الاسرائيلي. مواقف مستقلة نسبيا توخت من ورائها تركبا ان يكون لها النفوذ والوزن النوعي السياسي المؤثر في الشرق الاوسط. ان تكون لاعبا نشيطا في تطور احداث المنطقة دون تخطي حدود، بل خدمة المصالح الاستراتيجية الامبريالية الامريكية والاطلسية ومخططاتها المرسومة. ولكن حدثت متغيرات ومستجدات على ساحة التطور والصراع اخذت تثير قلق الادارة الامريكية ودوائر حلف الناتو وحكومة الاحتلال الاسرائيلي وتثير مخاوفها من هرولة تركية باتجاه ايران وسوريا بشكل يغير ميزان القوى في المنطقة في غير صالح المخططات العدوانية الامبريالية الاسرائيلية. ولهذا بدأت محاولات الضغط وزرد الرسن حول حول رقبة نظام اردوغان بهدف عودته الى حظيرة التدجين المطلق. فمن اهم العوامل لتفعيل مكابس الضفط على النظام التركي من جراء المتغيرات يمكن التركيز على ما يلي:
اولا: فشل ادارة اوباما في دفع عملية مفاوضات التسوية الاسرائيلية – الفلسطينية بسبب سياسة الرفض الاسرائيلية المدعومة امريكيا، الامر الذي ادى الى انخفاض اسهم ادارة اوباما في نظر الفلسطينيين والعرب والعالم ، واصبح يهدد بانفجار مأساوي في المنطقة قد يصل أذاه الى ضرب المصالح الامبريالية في المنطقة ويزيد من عزلة اسرائيل عالميا.
ثانيا: فشل النظام التركي في محاولة دق الاسافين بين سوريا وايران بابعاد سوريا عن ايران وتدجينها امريكيا.
ثالثا: توقيع النظام السوري على اتفاقية دفاع استراتيجية مع ايران وتوثيق العلاقات السورية – الايرانية في شتى المجالات السياسية والاقتصادية والثقلفية.
رابعا: لم تسقط الانظمة الامبريالية واسرائيل الخيار العسكري بالعدوان على ايران لتدمير منشآتها النووية وضرب نفوذها في المنطقة. وبالنسبة لامريكا والحلف الاطلسي واسرائيل فان لتركيا التي تربطها حدود مشتركة مع ايران وفيها قواعد عسكرية اطلسية فان أجوائها تؤلف افضل ظروف للانقضاض العدواني على ايران.
والسؤال الذي يطرح نفسه كيف انعكست هذه العوامل والدلائل على موقف الطيب اردوغان وحزب العدالة والتنمية الحاكم في تركيا، وهل يخنع النظام التركي لضغوطات من لا تزال تربط تركيا بهم علاقات استراتيجية عسكرية واقتصادية؟؟

 

* تفعيل محراك الشر

ان تفعيل ما يطلق عليه "الفوضى الايجابية" التي مدلولها السياسي اشعال وتأجيج الفتن والصراعات القومية والاثنية والمذهبية وحتى السياسية تعتبر من الوسائل الاساسية في الاستراتيجية العدوانية الامبريالية في عهد العولمة لاختراق أي بلد والعمل على تدجينه في حظيرة خدمة المصالح الامبريالية. هذا ما مارسته الامبريالية الامريكية وغيرها بزرع الفتن الطائفية والمذهبية في لبنان وفي العراق وافغانستان المحتلتين وفي اليمن وفي العديد من البلدان الافريقية والآسيوية.
وقد وصل رصاص زرع الفتن وتأجيج الصراع القومي الى المسكب الوطني التركي. ففي تركيا اكثر من عشرين في المئة من سكانها هم من ابناء القومية الكردية الذين يعانون من التمييز والاضطهاد والقهر القومي. وجرائم النظام التركي ضد الحقوق القومية والمدنية الكردية قد ولدت المقاومة المسلحة  التي انطلقت منذ 1982 بقيادة حزب العمال الكردستاني الذي يتمترس في المناطق الجبلية على الحدود مع ايران والعراق وفي عدد من المناطق، ورغم دعوة هذا الحزب الى التفاوض لحل القضية الكردية سلميا مع عدم التنازل عن المطالبة بدولة كردية مستقلة الا ان النظام التركي اعتبر حركة المقاومة الكردية "حركة ارهابية" واعتقلت زعيمها اوجلان الذي يقبع في السجن.
في السنوات الاخيرة ينشط اردوغان وحزب العدالة والتنمية الحاكم الى المصالحة الوطنية مع الاكراد بمنحهم العديد من الحقوق القومية والمدنية فقد خصصت قناة تلفزيون تبث باللغة الكردية ومسارح يتحدث ممثلوها بالكردية ولهم احزابهم واعضاء في البرلمان من الاكراد كما جرى تحسين ظروف اعتقال الزعيم الكردي اوجلان. كما تتواصل المساعي التي يبذلها النظام للتقرب من الاكراد. فالمحكمة الدستورية في انقرة قررت الغاء شرعية "حزب المجتمع الدمقراطي" وأبعد رئيسه احمد ترك وزميله في الحزب ايصال توغلوك عن النشاط السياسي لمدة خمس سنوات ! وبررت المحكمة قرارها غير الدمقراطي ان الحزب على علاقة جيدة مع حزب العمال الكردستاني المحظور قانونيا وان هذا الحزب يرفض ان يدعو المناضلين من حزب العمال بـ "المخربين والارهابيين"!
والحقيقة هي ان المحكمة الدستورية المؤلفة من احد عشر شخصا تعتبر الوكر الاساسي، الملجأ الاخير للقوى اليمينية العنصرية المتطرفة، خاصة بعد ان نجح حزب العدالة والتنمية في تغيير طابع قيادة الجيش وتدجينه في خدمة سياسة هذا الحزب بعد ان كان رأس الحربة لقوى اليمين المتطرف والمدجن امريكيا واسرائيليا. اما حزب المجتمع الدمقراطي الكردي اكبر قوة وحزب سياسي ينشط علنا وله نواب في البرلمان فانه حزب لبرالي لا يطالب بالانفصال الكردي عن تركيا واقامة دولة كردية مستقلة، بل العمل سلميا لانجاز حق الاكراد بالمساواة القومية والمدنية.
لقد فجر هذا القرار التخريبي انطلاقة مظاهرات صاخبة للاكراد في المناطق الكردية على الحدود مع ايران والعراق، في ديار بكر، ونزلت الالوف المؤلفة الى شوارع المعترك الكفاحي حيث اصطدمت مع قوات الشرطة ومع قوى من اليمين المتطرف. ولا شك بان الأصابع القذرة لمحراك الشر الأمريكي – الإسرائيلي كان لها دورها في تفجير هذه الفتنة كوسيلة لعرقلة وإفشال الوفاق الوطني وإفشال سياسة حكومة اردوغان. فهذه ليست أول مرة تلجأ فيها المحكمة الدستورية الى شطب ونزع شرعية نشاط احزاب كردية، ففي العام ألفين وخمسة شطبت حزبا كرديا بشكل تعسفي ومنذ العام 1968 ألغت المحكمة الدستورية التركية شرعية نشاط 27 حزبا كرديا.
ولا نبالغ أبدا عندما نؤكد ان الادارة الامريكية تمارس ضغوطا على حكومة اردوغان لتدجين سياستها امريكيا. فحسب ما ذكرته صحيفة "يديعوت احرونوت" يوم 16 الجاري جاء انه أثناء زيارة الرئيس رجب طيب اردوغان قال له الرئيس باراك اوباما " ان تصريحاته الصارخة الشديدة ضد اسرائيل تمس بقدرته على قيادة خطوات سياسية في المنطقة" كما فعل في السابق فقد ضغط اوباما على اردوغان لترميم علاقاته مع اسرائيل! وكما جاء في الخبر ايضا  انه في اعقاب لقاء اردوغان –  اوباما تجري اتصالات مكثفة بين اسرائيل وتركيا لتنسيق زيارة وزير "الامن" ايهود براك الى تركيا بهدف تطبيع واعادة العلاقات بين البلدين كما كانت. وان زيارة وزير التجارة والصناعة بنيامين بن اليعيزر قبل اسبوعين الى تركيا كانت ايجابية جدا، وانه تم الاتفاق على رفع المستوى التدريجي لزيارات المسؤولين من كلا البلدين لتركيا ولاسرائيل، وان الاتراك يحاولون تنسيق زيارة وزير السياحة والثقافة التركي الى اسرائيل.
اذا انكسر الزجاج لا يمكن اصلاحه واعادة حالته الى ما كانت عليه، فهل سينطبق هذا على ترميم العلاقة بين حكم اردوغان والتحالف الاستراتيجي الامريكي – الاطلسي – الاسرائيلي وعودتها الى ما كانت عليه، ام ان الخيار باسقاط  نظام حزب العدالة والتنمية ذات الجذور الاسلامية لم يسقط من اجندة المخططات الاستراتيجية العدوانية لهذه القوى.

قد يهمّكم أيضا..
featured

نضال يحتاج لرؤى واضحة

featured

الاحتلال يرتكب جرائم حرب

featured

سنحمل الراية، راية المقاومة راية سميح القاسم

featured

ضم الضفة.. خطوة إسرائيلية باتجاه الوطن البديل