منذ أن خُلق هذا الكون ارتبط الإنسان ارتباطًا كاملا بالأرض عبر علاقة لا انفصال فيها ولا انقطاع فهي كل شيء في حياته، عليها يسير وبها يزرع ويقلع ويشيّد العمران، فالإنسان لا يسير في الهواء ولا يزرع ويشيّد العمران في السماء، فكل هذه الأمور تحدث فقط على الأرض حيث فيها ماضي الإنسان وحاضره ومستقبله، وفي البداية أي في العصور الأولى كانت إمكانيات الإنسان قليلة ومحدودة لذلك لم يستغل الإنسان الأرض كما يجب فقد استغلها فقط في أشياء بدائية وحياتية تخصه وحده وتكفيه قي عيشته الضيقة والمحدودة، وتقيه شر الأذى، مثل بناء الخيم أو بعد ذلك بناء البيوت من الطين التي كانت مأواه، وأيضا في الزراعة فالإنسان القديم أي الإنسان الأول اهتدى الى الزراعة وفلاحة الأرض بأدوات زراعية قليلة ومحدودة وبدائية جدًا حتى يجد ما يأكله من خضروات وفواكه، وكذلك استغل الإنسان الأرض مرعى للمواشي حتى تأكل وتشرب من خيرات هذه الأرض، فهكذا كان في البداية، لكن مع تقدم الزمن وتطور الحياة وانفتاح الإنسان على العلم والمعرفة، أصبح الإنسان يُبدع ويخترع في شتى مجالات الحياة، فحسب إمكانياته في كل عصر وعصر اخترع الآلات لكل مجال من مجالات الحياة، للزراعة والصناعة والعمران، ومن عصر إلى عصر اخذ الإنسان يطوّر هذه الآلات حتى تصبح حياته أسهل وأسرع، فمع تطور الآلات وكثرة الاختراعات لم يعد تفكير الإنسان محدودًا بالعمل فقط على وجه الأرض، فأراد ان يعرف ما في داخل هذه الأرض، فأخذ يحفر وينقب في باطن الأرض ليجد الموارد الطبيعية التي عليها يقوم هذا الكون وبدونها لا يستطيع الإنسان ان يعيش يومًا واحدًا.
وهكذا اتضح فيما بعد ان خير الأرض في داخلها وليس في خارجها. فمع اكتشاف الموارد الطبيعية بدأت مطامع الإنسان في هذه الأرض أو تلك، ومعظم الحروب التي حصلت في عصرنا الحديث سببها الاستيلاء على هذه الموارد أو تلك، لهذا الشعب أو ذاك، صحيح انه في العصور الأولى كان سبب الحروبات سببا وجوديا أو دينيا لان تفكير الإنسان كان تفكيرًا سطحيًا ومحدودًا وإمكانياته في شتى مجالات الحياة كانت إمكانيات قليلة وبدائية جدًا.
لكن مع تقدم الحياة وتطور الاختراعات والاكتشافات وانفتاح الإنسان على العلم والمعرفة لم يعد تفكير الإنسان سطحيًا ومحدودًا، فتعمق وتوسع الإنسان في تفكيره في كل مجالات الحياة فلذلك فيما بعد أصبح سبب الحروبات دنيويا وليس دينيا، ففكر الإنسان هو السبب في تطوّر الأحداث من عصر إلى عصر وانتقاله من الحالة الدينية إلى الحالة الدنيوية، فمن هنا بدأت المشاكل بين الناس والشعوب، لم يعد يكتفي الإنسان بما لديه، فصار يريد ان يتوسع في أطماعه حتى يصبح أقوى من غيره وأغنى من غيره، وكيف من الممكن ان يتأتي له ذلك؟ طبعًا عن طريق القوة أي عن طريق الحروبات نُخضع هذه الشعوب لسيطرتنا ونستولي على أملاكها ومواردها الطبيعية، فهذه الحروبات هي التي أوجدت بين الناس الكر والفر، مرة لنا ومرة علينا، مرة ربح ومرة خسارة، لأنه في الحروبات من الممكن ان يحدث كل شي من خراب ودمار وقتل واصابات وسلب ونهب واعتقال واسر، فالشعوب الغازية تريد الاحتلال والاستيلاء لتوسيع نفوذها بينما الشعوب المغزوّة تريد الصد والمقاومة لتحافظ على إنسانيتها أي على أرضها بما عليها وما في داخلها، ففي وقت الحرب تقع المشكلة الكبيرة والعويصة ألا وهي تحرير مَن أولا: تحرير الأرض أم تحرير الإنسان من الأسر، وهذا بالضبط ما حصل لشعبنا الفلسطيني مع دولة إسرائيل الغازية.
فبما ان شعبنا الفلسطيني منذ ان سُلب وطنه إلى يومنا هذا وهو في حالة حرب وكر وفر مع دولة إسرائيل، فكان ولا يزال يتخبط في أمرين مهمين ألا وهما تحرير مَن أولا: تحرير الأرض أم تحرير الإنسان الأسير، مع ان الأرض والإنسان مرتبطان مع بعضهما البعض كما قلنا في البداية، لكننا لا نستطيع ان نقول ان تحرير الأرض يأتي عن طريق تحرير الإنسان، مع ان العكس صحيح تمامًا فتحرير الإنسان يأتي عن طريق تحرير الأرض، وهنا ومن هذه المعادلة وجدت دولة إسرائيل ضالتها فهي مستعدة مكرهة وعلى مضض ان تحرر أسرى فلسطينيين حتى لو كان على أيديهم دم كما يدعون، وحتى لو قامت ولم تقعد العائلات اليهودية الثكلى بالمظاهرات، المهم ان الأرض الفلسطينية بأيديهم تحت سيطرتهم وخاضعة لقوانينهم، يبنون ويتوسعون فيها كما يشاؤون، فسيطرتهم على الأرض تعني عدم قيام دولة فلسطينية إلى الأبد، فمن هنا نستنتج ان كل كلامهم المعسول عن السلام والتقدم في عملية السلام كله كذب في كذب على مرأى ومسمع من جميع دول العالم.
وبالمقابل صحيح ان شعبنا الفلسطيني عمل ويعمل المستحيل لأجل تحرير أسرانا، لكن تحرير أسير لا يعني تحرير ارض، وتحرير أسير لا يعني بتاتًا التقدم في عملية السلام، فالدولة الفلسطينية بكل مقوماتها يجب ان تقوم على الأرض الفلسطينية، وحتى تقوم هذه الدولة يجب تحرير الأرض بكل ما عليها وما في داخلها، وبدون ذلك لن نتقدم في عملية السلام قيد أنملة، وفي اعتقادي انه على شعبنا الفلسطيني أو قادة شعبنا عليهم ان يفكروا ويجدوا استراتيجية توازي بين تحرير الإنسان وتحرير الأرض حتى نقنع شعبنا وكذلك نقتنع نحن اننا نسير بخطى ثابتة نحو قيام الدولة الفلسطينية العتيدة.
(كفرياسيف)
