*حقيقة أن الشاب من تولوز قتل مسلمين قبل أن يقتل يهودًا تُقدم ما يدحض الدعاية الاسرائيلية.. والمؤكد أن د. سلام هو خير من يعرف لماذا تُروج إسرائيل مقولة إن الإسلام خطرٌ على اليهود وأن اليهودي مستهدف أينما كان*
// كثيرًا ما أستريح للتصريحات المتعقلة والمنطقية التي يدلي بها الدكتور سلام فياض رئيس حكومة تصريف الأعمال الفلسطينية. أما تصريح الرجل، الذي عقّب فيه على كلام منسوب للقاتل الفرنسي المسلم من تولوز، فإني لم أسترح له، وقد ينبغي أن أقول إنه ساءني. فالكلام الذي عقب عليه د. سلام لم يقم أيّ دليل على أن القاتل قاله فعلا. كل ما في الأمر أن ضابط الشرطة الفرنسي الذي فاوض القاتل ثم قتله نسب هذا الكلام إليه. وبهذا، نشأ الانطباع بأن ما جرى كان عملا إرهابيًا هدفه الانتقام لضحايا الاعتداءات الإسرائيلية الفلسطينيين. وفي التعقيب على هذا الكلام خفّةٌ ليست من سمات الرجل الذي أدار شؤون السلطة الفلسطينية في مرحلة من أصعب المراحل التي مرّت بها هذه السلطة.
نحن لا نعرف ما إذا كان القاتل قد نسب دافعه نحو القتل إلى الرغبة في الانتقام أم أن الضابط الذي قتل القاتل بدل أن يعتقله قد نسب هذا الكلام إليه لسبب أو غيره. الشاب قُتل، فغابت بقتله فرصة التحقيق معه ومحاكمته والتعرف على دافعه منه. ولم يبق سوى مزاعم روّجها ضابط شرطة. ولولا الولع الفلسطيني بتصيّد أيّ فرصة لإظهار البراءة من شبهة السكوت عن الإرهاب، لما تعجل فلسطينيون ذوو مكانات رفيعة التعقيب على مزاعم لم تُثبت جهة موثوقة صحتها.
حكاية هذا الفرنسي المسلم مع القتل بدأت بقتل جنود فرنسيين مسلمين. وبعد هذا، فيما هو ملاحَق، أطلق هذا الشاب نار سلاحه على مدرسةٍ فقتل ثلاثة تلاميذ صغار ومدرِّسًا. ولسنا نعرف ما إذا كان هذا القاتل قد تعمد استهداف جنود مسلمين أم أنه استهدف أيّ جنود، تمامًا كما أننا لا نعرف ما إذا كان قد استهدف المدرسة لأنّ تلاميذها يهود أم أنه أطلق ناره على هدف مَثُلَ أمامه.
التعقيب الفلسطيني ينطوي على تبنِّي ما بثه الضابط الذي قاد حملة الشرطة لقتل القاتل، فينطوي، بهذا، على التسليم بما لا يسلم به الا متعجل: أن الشاب قَتَلَ بدافع عقيدي إسلامي وليس بأيّ دافع آخر. والحال، كما أظهرت معلومات شحيحة تسربت عن حياة هذا الشاب، يجيز التفكير بوجود دوافع أخرى، كأن يكون الشاب غير متّزن عقليا أو نفسيًا، أو يكون مأجورًا من جهة وعدته بأن توفر له السلامة ثم عمدت إلى تغييبه.
إلى هذا، ينطلق التعقيب ذاته من التسليم الضمني بأن القاتل استهدف يهودًا لأنهم يهود. هنا، توجد أسباب وجيهة للشك في هذا الذي روجته الدعاية الإسرائيلية والإعلام الممالئ لإسرائيل. فحقيقة أن الشاب قتل مسلمين قبل أن يقتل يهودًا تُقدم ما يدحض هذه الدعاية. والمؤكد أن د. سلام هو خير من يعرف لماذا تُروج إسرائيل مقولة إن الإسلام خطرٌ على اليهود وأن اليهودي مستهدف أينما كان. وأخشى ما أخشاه أن تُستخدم التعقيبات الفلسطينية المتعجّلة على أنها أدلة تثبت صحة هذه المقولة.
لقد فعلت الدعاية الإسرائيلية إزاء مسلسل القتل في تولوز ما تفعله دائمًا: ليّ الحقائق، وطمس حقائق، وتقديم أنصاف حقائق، وتنشيط الحملة المستمرة منذ نشأة الحركة الصهيونية لتخويف يهود العالم من أخطار تتهددهم لأنهم يهود. وفي حالة القاتل من تولوز، جرى طمس حقائق هامة.
لماذا عجزت الشرطة عن القبض على القاتل بعد أن فتك بجنود في جيش فرنسا. لماذا عجز الذين طوقوا القاتل في شقته بعد أن قتل يهودًا عن القبض عليه وهو في المتناول؛ هل تعمد أحد ما، جهة ما، أن يُقتل الذي ما كان أسهل القبض عليه لإخفاء حقائق أخطر من القتل ذاته. لماذا غُيّبتْ عن التداول بمنهجية مثابرة حقيقة أن هذا الفرنسي المسلم قتل فرنسيين مسلمين قبل أن يقتل أيّ يهود. لماذا يُستبعد كلّ دافع ممكن إلى هذه الجرائم الا الدافع الذي يلائم حاجات العدوانيين الإسرائيليين وحماتهم في فرنسا وغيرها بمقدار ما يلائم، أيضًا، حاجات كارهي العرب والمسلمين في كلّ مكان.
لقد تعجَّل المسؤول الفلسطيني التعقيب على جرائم لم تتضح ملابساتها كاملة ولم يتضح أهمّ ما فيها. ولكمْ تمنيتُ لو أن هذا المسؤول تروّى، أو لو أنه استخدم مكانته وصلاته والاحترام الذي له ليُطالب بما يطالب به الآن قليلون: إجراء تحقيق نزيه في ملابسات جرائم القتل التي اقترفها القاتل المسلم وفي الملابسات التي أدت إلى قتل هذا القاتل بدل اعتقاله.
ولكل من قد يعنيهم أو لا يعنيهم الأمر، يمكن أن يقال دون خشية الوقوع في أي خطأ: إسرائيل دولةٌ تمارس الإرهاب، حكومتها تمارسه وجيشها، وأجهزة أمنها، ومستوطنوها. ومعظم مواطني إسرائيل يؤيدون ما تفعله حكومتهم، ويفتنهم ما يقترفه جيشهم وأجهزة أمنهم، ولا يُمضُّهم ما يقوم به المستوطنون. وهذا هو ما ينبغي أن يخاف يهود العالم، وبضمنهم يهود إسرائيل، من عقابيله.
