كان المجتمع المصري قبل ثورة الضباط المصريين الاحرار في 23 تموز عام 1952 يئن ويتألم من سياسة الاسرة المالكة وحاشيتها من الباشوات، والبكوات، والاقطاعيين وكبار الاثرياء حيث كان هؤلاء رغم عددهم الذي لا يتجاوز خمسة بالمئة من سكان مصر يتوارثون القيادة في المجتمع بغض النظر عن مستوى ثقافتهم وخبرتهم القيادية البسيطة. وكان موظفو الدولة منطبقة اجتماعية مقامها يتراوح ما بين السطح والقاع. والفلاحون يعملون في اراض لا يملكونها فهي من املاك الاقطاعيين – والعمال لا يجدون عملا دائما واجورهم بسيطة لا تغطي مستلزمات الحياة.
ومنذ تم حفر قناة السويس ما بين البحر الابيض المتوسط والبحر الاحمر اصبحت ادارة المشروع من الانجليز والفرنسيين. وهم الى جانب ذلك يشغلون ايضا الكثير من الوظائف الرئيسية في اجهزة الدولة المصرية قبل قيام الحرب العالمية الاولى. ولم يستطع المصريون من شغل الوظائف الرئيسية في بلدهم الا منذ سنوات تلك الحرب. وعاما بعد عام نمت البرجوازية المصرية وبدأت تخطو اولى خطواتها على طريق النمو الرأسمالي.
وذلك الواقع المعيشي والسياسي انعكس بشكل ملموس على حياة الغالبية الساحقة من المصريين بمن فيهم الاسرة التي ولد فيها "جمال عبد الناصر" عام 1918. فكان ابوه عبد الناصر حسين ينحدر من اسرة فلاحية في قرية "بني مر" تقع على مسافة قريبة من مدينة اسيوط الواقعة وسط مصر وكانت وظيفة والد جمال ساعيا للبريد. وبدأ ابنه جمال يتعلم في المدرسة الابتدائية في اسيوط ويعيش مع اسرة عمه خليل وكان له عم آخر اسمه (عز العرب) وهذا خير دليل على نشأة جمال في اسرة مصرية مفتخرة بعروبتها ومغرمة بها. وخليل عم جمال قضى عدة سنوات من عمره سجينا لاشتراكه في ثورة عام 1919. وذات مرة شاهد جمال سيارة انجليزية منطلقة بسرعة تنهب الطريق الذي يعج بالناس وبالحركة ودهست طفلة صغيرة ودفعت بها الى عرض الشارع غارقة في دمائها. وبعد ما عاد جمال الى بيت عمه حدّثه عما رأى وجرى، فأصغى عمه اليه بصمت ووجهه ينطق بالغضب ضد الانجليز ثم قال له سوف يبقى الوضع هكذا الى ان يظهر في مصر رجال يستطيعون قيادة الشعب وطرد الانجليز. لم ينس جمال ما رأى وما سمع وورد فيما كتبه عن ذلك بعدئذ انه عندما يخلد الى النوم صار يتخيل نفسه من فرسان صلاح الدين الايوبي الذي سمع انه بقيادته تحقق النصر على الغزاة الاوروبيين قبل عدة قرون مضت. هذا واثبتت الايام ان جمال عبد الناصر كان ولدا متميزا وله تخيلاته الخاصة غير المشتركة مع الذين هم واياه متساوين في الاعمار ومختلفين في الاهواء. وكثيرا ما كان رفاقه في المدرسة يشاهدونه جالسا وحده مستغرقا في التفكير. ولم يكن ابوه ينهره عندما كان جمال يواصل ملاحقة ابيه بأسئلته وكان يعامله كما لو كان عمره اكبر مما هو آنذاك مقدرا له نباهته وتميزه اللافت للانتباه. وكان جمال يحب امه ويحاول دائما الكتابة لها عندما يطول فراقه لها. وذكر جمال فيما بعد بما كتبه ان موت امه كان ضربة قاصمة تركت بصماتها التي لا تمحى مهما طال الزمن على ذلك.
كانت مادة التاريخ أحب المواد الدراسية الى نفس جمال، وراح يطالع الكتب عن سيرة الاسكندر المقدوني، ويوليوس قيصر، ونابليون، وغاندي، وروسو، وفولتير، وفيكتور هيجو، وديكنز ونشر مقالا وهو طالب بعنوان "فولتير رجل الحرية" في مجلة المدرسة التي كان احد محرريها واهتم كثيرا بالاطلاع على انتاج الادباء العرب بالدرجة الاولى. وكان معجبا بأشعار حافظ ابراهيم واحمد شوقي وابو القاسم الشابي، وروايات توفيق الحكيم وكان يخط بالقلم تحت الجمل التي توحي اليه بأفكار لافتة ومفيدة.
في حزيران عام 1934 شهدت القاهرة معركة نشبت بين العمال ورجال البوليس. واضربت البلاد بأسرها ردا على اجراءات القمع التي عانت منها الجماهير وكان عمر جمال عبد الناصرة آنذاك 16 عاما، فهو من مواليد 1918، وكانت مشاعر الغضب ومعاداة الانجليز قد تنامت كثيرا في جميع انحاء مصر. فقام حزب الوفد بعقد مؤتمره الوطني وطالب فيه بالاصلاحات الدمقراطية فرفض الانجليز ذلك مما كان مدعاة لارتفاع مستوى السخط العام الذي عم كافة ارجاء مصر وعمت البلاد الاضرابات والمظاهرات المطالبة برحيل الانجليز عن مصر. والقى الطالب جمال العديد من الخطب المعبرة عما تجيش به نفوس المواطنين، وذلك اثناء المظاهرات الجماهيرية وبناء على اقتراحه اتجهت احدى المظاهرات الى جامعة القاهرة للانضمام الى طلبتها المعتصمين بها – وبتوجيه من الطلاب الى قرب "بيت الامة" وهو الذي يقيم فيه سعد زغلول "رجل الثورة الوطنية" الذي ارتبطت باسمه اكبر الحركات الجماهيرية من اجل استقلال مصر. واثناء الاشتباك مع الجنود الانجليز سقط عدد من القتلى والجرحى واصيب جمال في رأسه وسالت الدماء تغطي عينيه ووجهه.
وفي عام 1936 ابرمت الحكومة المصرية المعاهدة "المصرية الانجليزية" التي كانت تعني رسميا انهاء الاحتلال العسكري البريطاني لمصر. غير ان المعاهدة كانت في نفس الوقت تسمح ببقاء القواعد العسكرية الانجليزية، مما يعني ان الاستقلال الذي حصلت عليه مصر كان مزيفا وصوريا. وسرعان ما ادرك المصريون ذلك حيث لم يتغير شيء بشكل مباشر يقنع الجماهير المصرية بان مصر اصبحت فعلا حرة ومستقلة بحق وحقيق.
بعد ان تخرج جمال عبد الناصر من المدرسة الثانوية لم يحتر في اختيار طريق حياته. فقد كان يحلم بان يصبح ضابطا وسرعان ما مثل امام لجنة القبول بالمدرسة الحربية. لكن في اليوم التالي لم ير اسمه بين المقبولين في المدرسة الحربية. فقد كانت ابواب المدرسة موصدة امامه. ولم تكن الاسباب خافية عليه، وذلك نتيجة لنشاطه السياسي ومشاركته في المظاهرات وبروزه فيها، فالتحق بكلية الحقوق في جامعة القاهرة باهتمام بالغ الا انه استمر يحلم بالانخراط في سلك العسكرية وقد كان جمال يمقت اللجوء للوساطة لكنه اضطر لذلك ونجح في مسعاه بعد جهد جهيد وفضل قوة حجته ومدى جديته التي اقنعت اللواء المسؤول عن ذلك بانه شاب يتصف بكل الصفات المطلوبة بجدارة لا يمكن تجاهلها.
وفي يوم 17 آذار عام 1937 جرى قبول جمال طالبا في المدرسة الحربية، وبعد ستة عشر شهرا ادى الامتحانات ونجح فيها بتقدير عالي المستوى. وكان يقضي في المكتبة غالبية وقته اثناء دراسته بالمدرسة الحربية. وحظيت الكتب التي تتناول الامور العسكرية والسياسية وسيرة حياة بسمارك، وكمال اتاتورك وما شابه من القادة الافذاذ القدماء والمعاصرين باهتمامه، كما اهتم كل الاهتمام بدراسة القضايا الاقتصادية للشرق الاوسط. وكان جمال على يقين تام من ان الجيش المصري لن يرضى بالواقع الرديء الذي يغلف مصر وشعبها آنذاك وسوف يهب في نهاية الامر للنضال من اجل حرية وكرامة الوطن التي استبيحت، وايمانه هذا نابع من عمق واتساع وعيه الاجتماعي والسياسي ومن اخلاصه لبلاده، وكان كما ذكر العديد من رفاقه المقربين يرى ان الوسيلة القادرة على انقاذ مصر مما عرقل نهوضها وتحقيق استقلالها التام هو بخلق تنظيم عسكري من ضباط الجيش تسود فيه القناعة السياسية الواحدة مع مشاعر المحبة والاحترام بين الضباط الاحرار الذين ينتمون اليه لدرجة تفوق رابطة الدم. والى جانب ذلك السرية التامة والمطلقة وهكذا سار جمال عبد الناصر على الدرب الذي رسمه وشرع في استمالة الاعضاء الى هذا التنظيم "تنظيم الضباط الاحرار" ولم يكن لدى جمال وقت فراغ لانشغاله بالتدريس وبتنظيم الضباط الاحرار وبدراسة كل ما له صلة بالاشتراكية كعقيدة سياسية ثورية تصب في مصلحة الطبقات الاجتماعية العمالية والفلاحية والفقراء بشكل عام.
وفي عام 1948 ارسلت الحكومة المصرية ما لديها من ضباط وجنود الى الجبهة للدفاع عن فلسطين كبقية الدول العربية التي شاركت في تلك الحرب. واصيب جمال عبد الناصر بشظية في بطنه وساعدته بنيته القوية على الشفاء السريع والعودة ثانية الى الجبهة. وعندما توقفت الحرب واستبدلت بالهدنة، استشاط جمال عبد الناصر غضبًا معتبرا ذلك خطأ مفيدا للاعداء، واثار ذلك في نفسه مشاعر الحزن والالم.
وفي 16 تموز عام 1952 قرر جمال عبد الناصر عقد اجتماع هام لمجلس قيادة الثورة، تناول الاجتماع موضوع القيام بالثورة. وتم تحديد الوقت المناسب، وفي الساعة الرابعة من صباح يوم 23 تموز 1952 انطلقت الكتائب العسكرية التي يقودها الضباط الاعضاء في تنظيم الضباط الاحرار، وهي من جميع اسلحة الجيش المصري مصحوبة بعدد من الدبابات والمصفحات والسيارات. واحتلت المراكز العامة ومنطقة الثكنات، ثم استولت على المطارات ومحطة الاذاعة وعلى الجسور ومباني البريد والتلغراف. وأذيع بعد ذلك بيان تاريخي حول قيام الثورة ومبرراتها واهدافها. فلاقى ذلك الخبر والبيان كل ترحيب وابتهاج من الجماهير في مصر وفي البلاد العربية الاخرى، واستبشروا بذلك خيرا وتم تنازل الملك فاروق عن العرش وترحيله الى خارج مصر وتمت مصادرة ممتلكاته التي منها 24 قصرا و 50 الف فدان ويختان ملكيان.
وقرر ضباط الثورة ان يكون نظام الحكم جمهوريا وعن طريق الاستفتاء العام. وعين مجلس قيادة الثورة المؤلف من الضباط: جمال عبد الناصر، عبد الحكيم عامر، عبد اللطيف البغدادي، كمال الدين حسين، خالد محيي الدين، انور السادات، زكريا محيي الدين، صلاح سالم، حسين الشافعي، يوسف صديق، حسن ابراهيم، عبد المنعم امين، عبد المنعم عبد الرؤوف ومحمد نجيب الذي تم تعيينه رئيسا مؤقتا للجمهورية لانه الاكبر بينهم في الرتبة والسن. الا انه سرعان ما دبت خلافات بينه وبين اعضاء مجلس قيادة الثورة وادى ذلك الى اقالته، وتولى جمال عبد الناصر رئاسة الجمهورية بشكل مؤقت، ثم بعد ان جرت في مصر انتخابات لرئاسة الجمهورية، ولمجلس الشعب، نال جمال عبد الناصر ثقة الغالبية الساحقة من الناخبين.
من المكتسبات التي حققتها للشعب تلك الثورة بالاضافة الى التحول من نظام ملكي فاسد الى النظام الجمهوري، صدور قانون الاصلاح الزراعي وتوزيع القسم الاكبر من اراضي الاقطاعيين في مصر على الفلاحين الذين كانوا جيلا بعد جيل يعانون من استعباد الاقطاعيين لهم، واجلاء الانجليز عن مصر بعد اكثر من سبعين سنة من الاحتلال. وتأميم قناة السويس، وصمود مصر امام العدوان العسكري الثلاثي الانجليزي والفرنسي والاسرائيلي في عام 1956، وبناء السد العالي على مجرى نهر النيل في جنوب مصر والاستفادة من ذلك في مجالي الزراعة والكهرباء، وتأميم المصانع والبنوك الكبيرة، واقامة المصانع التي تلبي الاحتياجات المصرية. وعلى صعيد السياسة الداخلية: اقيم حزب "الاتحاد القومي" لجمع كلمة المصريين في تنظيم سياسي واحد، فلم يستمر ذلك طويلا، فاقيم بعده حزب "الاتحاد الاشتراكي العربي" واهدافه تحقيق الحرية والاشتراكية والوحدة العربية. ولم يسمح الحزب بعضويته لكبار الرأسماليين والاقطاعيين والذين يتوارثون الزعامة التقليدية في الريف المصري جيلا بعد جيل.
كذلك من مكتسبات تلك الثورة بزعامة جمال عبد الناصر، احتضان مشروع الاتحاد العربي الذي توج في عام 1958 بتحقيق وحدة مصر وسوريا واقامة الجمهورية العربية المتحدة وانتخاب الرئيس جمال عبد الناصرة رئيسا لها. وللاسف الشديد استطاعت القوى الرجعية السورية التي تضررت مصالحها الطبقية من قرارات التأميم، وقانون الاصلاح الزراعي، وانتخاب مجلس نيابي اعضاؤه من الطبقات الاجتماعية غير الرأسمالية والاقطاعية وما شابه، ان تسقط تلك الوحدة بانقلاب عسكري رجعي جرى في دمشق يوم 28 ايلول عام 1961. وشكل ذلك الانفصال الرجعي المدعوم من الانظمة الرجعية في المنطقة ومن الامبرياليين والولايات المتحدة بشكل خاص، اجهاضا للمشروع القومي الوحدوي العربي الذي كان مأمولا انضمام العديد من الاقطار العربية اليه. فصب ذلك الانفصال في مصلحة الاعداء، لان الوحدة العربية هي التي تقلب موازين القوى لصالح العرب وقضاياهم العادلة وتضع حدا نهائيا للاطماع الاجنبية.
هذا والرئيس جمال عبد الناصر كان مستهدفا من الاعداء الرجعيين والمستعمرين، وفي نفس الوقت كان مؤيدا ومدعوما من الاحرار والشرفاء في العالم، ومن الاتحاد السوفييتي خاصة والدول الاشتراكية الاخرى. وكان دوره هاما في دعم ومساعدة حركات التحرر الوطنية في مشرق الوطن العربي ومغربه وفي دول العالم الثالث في افريقيا وامريكا اللاتينية. وقدم كل مساعدة ممكنة للشعب العربي الفلسطيني الشقيق لتحقيق امانيه الوطنية وتمكينه من متابعة نضاله لتحرير اراضيه المحتلة وكانت وفاته الفجائية في يوم 28 ايلول عام 1970 وهو يسعى بكل ما يملك لايقاف المجزرة في الاردن آنذاك ضد منظمة التحرير الفلسطينية، ففجعت بوفاته مصر والامة العربية والشرفاء والاحرار في العالم اجمع.
ألف ألف تحية لك ايها الرئيس الخالد والطيب الذكر المرحوم جمال عبد الناصر. فقد كنت حتى آخر يوم في حياتك مناضلا وطنيا وقوميا وتقدميا اصيلا وكبيرا، وملتزما بتحقيق الحرية والعدالة الاجتماعية والوحدة العربية، وعملت بجد واخلاص لتقريب يوم استعادة كامل الاراضي العربية المحتلة.
نعم لقد كنت قائدا بحق وحقيق وبكل المقاسات والمعايير والحسابات السياسية الصحيحة.
(مجدل شمس – الجولان العربي السوري المحتل)
