عولمة العصر الحديث

single

يحتار الكثيرون في تفسير كلمة " العولمة " وتعامل الإنسان مع هذا الاصطلاح الجديد المتجدد في معناه وفحواه. وتكثر التعريفات والتفسيرات لهذا التعبير العالمي المنتشر حاليا في العالم ومدى تفاعل الناس مع مفهومه الشامل لواقع حياتنا اليومية وتأثيره على سلوكياتنا بشكل عام .
لست اسعد حظا من غيري في تفسير أخلاقيات هذا المصطلح ولكنني أحاول إبداء رأيي المتواضع مع محصلات ما اطلعت عليه وما قرأته عنه.
كلمة عولمة لغويا اسم مصدر على وزن " فوعلة " مشتقة من كلمة العالم نحو القولبة وهو جعل الشيء في شكل القالب الذي يحتويه والعولمة تعني جميع النشاطات الإنسانية في نطاق عالمي بمعنى جعل العالم كله مجالا للنشاطات الإنسانية المتعددة .
 هناك تعريفات لباحثين كبار اذكر منهم عبد الرشيد عبد الحافظ:
" العولمة هي الدوران في فلك الأقوى فالعالم لا بناء فيه إلا للأقوياء ولا كلام إلا لمن يمتلك القوة . اما  الضعفاء فهم مقهورون مغلوبون وعليهم أن يكونوا دائما تبعا لمن هو اقوى منهم يدورون في فلكه ويأتمرون بأمره " .

إما الباحث المصري محمد مبروك فيعرّفها : " ألعولمة هي تحقيق مصالح النخب الرأسمالية والنخب الحليفة على حساب شعوب العالم فالعالم يتم تقسيمه إلى مراكز وهوامش وكلما ازداد ثراء المركز ازداد فقر الهوامش فهي تعني سحق الدول الفقيرة لحساب الدول الغنية  " .
باعتقادي ان العولمة الجديدة هي نوع متجدد من الاستعمار المتلبس باسم الحضارة الإنسانية لكنه استعمار فكري ثقافي مادي استراتيجي والسيطرة المطلقة على العالم وهيمنة الولايات المتحدة على قدراته وخاصة بعد انهيار الاتحاد السوفييتي لتبسط أيديها على العالم أحيانا بدون خسائر أو حروب وأحيانا بفرض سلطتها بالقوة على دول العالم كما حدث في العراق ويحدث في أفغانستان .
   ألعولمة إكساب الشيء طابع العالمية ترجمت من الانجليزية  globalization  إلى ثلاثة ألفاظ عربية " العولمة " " الكوكبة " و
" الكونية " فسروها في الغرب " محايدة وبراقة " بينما يعرفها المفكرون في الدول النامية وبخاصة المسلمين  على أنها خطر داهم يجب التنبه له ومواجهته .
 ألمعارضون للعولمة يقولون في تفسيرها انها تحطيم خصوصيات الأمم المختلفة إما بالترغيب أو بالترهيب وذلك عن نشر القيم الغربية الرأسمالية بالعالم وجعل العالم كله يسير وفقا للنموذج الغربي الرأسمالي في مجالات السياسة والاقتصاد والثقافة وذلك عن طريق نشر القيم الغربية في مجال السياسة بالدعوة إلى الأخذ بالدمقراطية الغربية وجعلها نظاما للحكم .

وهناك تفسيرات عولمة الثقافة هي جعل الثقافة بمثابة لغة عالمية يتحدث بها الجميع رغم اختلافها وتعدد أنواعها من بلد إلى بلد ولا فرق بين الغالب والمغلوب دون أن تكون العملية قسرية مفروضة، كذلك أن لا تكون الثقافة متحضرة في مجتمع النخب بل هي حق مباح للجميع وباستطاعة الجميع ان يحصلوا عليها والوصول إليها وهي بحد ذاتها فكرة اشتراكية إسلامية . 
  .بينما ثقافة العولمة هي فرض ثقافة واحدة وتعميمها على العالم وهي ثقافة الأقوى المهيمن والمنتصر وجعل الفقراء عبيد الأغنياء، وهي كذلك ان يتعلم العالم لغة واحدة ويسلك سلوكا واحدا ويتعامل مع مفردات يومية واحدة كما هو الحال في لغة الانترنت وأصبح الإنسان العربي على سبيل المثال يتعامل مع المفردات الانجليزية ويكتب لغته بحروف أجنبية وهي بحد ذاتها فكرة استعمارية .
ظهرت العولمة كاصطلاح يتداول القاموس السياسي إلى زرع الميوعة والاغتراب في نفوس الشباب وإبعادهم شيئا فشيئا عن تراثهم الأصيل وغسل أدمغتهم واقتلاعهم من جذورهم بتقليد العالم الغربي في المأكل والمشرب من ساندويتشات الهمبرجر والكوكا كولا و مطاعم الماكدونالد .
ألعولمة ستؤدي الى قطع روابط الإنسان مع ثقافة مجتمعاته وتراثه وهي في المحصلة تحول العالم نحو سياسة القطب الواحد متمثلة في الغرب وفي الولايات المتحدة بالأخص ومحاولة تسييد ثقافتها على  الأمم النامية والضعيفة وذلك عن طريق الغزو الثقافي المعولم .
 إن الولايات المتحدة تريد إقصاءنا واستلاب عقولنا وتراثنا وتركنا شعوبا تابعة بلا ذاكرة ولا تاريخ، نستجدي أخلاقياتهم الأمريكية وأنماط حياتهم التي لا تناسب بيئتنا العربية وحضارتنا الإسلامية، وهذا الغزو الثقافي اخطر بكثير من الغزو العسكري والاحتلال المباشر لان من يفقد تراثه وتاريخه يفقد شخصيته وهويته ومن ليس له ماض ليس له حاضر ولا مستقبل .
أنا لست ضد التطور واتباع وسائل الحضارة والرقي في حياتنا اليومية إلى الأفضل ولكن علينا الحذر والحيطة من اكتساب أساليب الحضارة والرقي الإنساني، مع الحفاظ على تراثنا العربي الأصيل وعاداتنا وتقاليدنا ورفع كيان الفرد ضمن الحفاظ على كونية الأسرة والعائلة التي باتت معرضة للهلاك وتفككها بادعاء العولمة الحديثة التي تعني بمفهومها الجديد الاستعمار المزركش بقوالب مزينة وبراقة تفقدنا أصلنا وأصولنا وترمينا في أحضان العولمة الجديدة التي تتناقض مع نهجنا الحياتي وشرائع ديننا الحنيف القويم الذي يدعو إلى تطلعات حضارية وأخلاقية وإنسانية  تذوب أمامها كل وسائل العولمة الحديثة .  وليس اصدق من قوله تعالى : " يوم يفر المرء من أخيه وأمه وبنيه لكل امرئ منهم يومئذ شأن يغنيه "
نحن نعيش في واقع من التشرذم العائلي وانحلال أواصر العلاقات الأسرية وانفلات الشباب بالتستر وراء الحضارة المعلومة أوروبيا وغربيا بسيطرة العالم الغربي على روابطنا الاجتماعية والأخلاقية والدينية واستقلالية الفرد والعائلة الصغيرة بادعاء الرقي والحضارة الجديدة المزيفة التي تبعدنا عن أصلنا وفصلنا وحضارتنا العربية والإسلامية التي ينظرون إليها خطرا على زحف العولمة العالمية والتي تشكل خطرا حقيقيا على كياننا ووجودنا ..
 .وأخيرا من الصعب على عالمنا العربي الاستفادة من العولمة بشكلها الحالي إلا إذا تمكن هذا العالم من وضع إستراتيجية محددة تتيح لهم السيطرة على  بعض عناصر العولمة حتى يتوفر لهم الدخول إليها من داخلها والتحكم في بعض آلياتها التنظيمية ورفض التسليم لواقعها والانخراط  بها  .

 


(دير الاسد)

قد يهمّكم أيضا..
featured

لمن تقرع الأجراس؟

featured

هذه بصقة اسرائيلية على لِحاكم وليست مطرا من السماء

featured

حماية الأماكن المقدسة للأقليات في فلسطين

featured

أبو فاتن حسين مباركي، النهراوي الأصيل: يفيض كالنهر، هيا على الكفاح، هيا على النضال

featured

تأملات في موروث ذاكرة النكبة

featured

قرار الجمعية العمومية خطوة في الاتجاه الصحيح

featured

أوباما، أصغِ للزرافة اليتيمة

featured

سيرورتان خطيرتان تستدعيان الصد والتصدي!