أبو فاتن حسين مباركي، النهراوي الأصيل: يفيض كالنهر، هيا على الكفاح، هيا على النضال

single

عندما ندون الكلمات والأسطر والجمل، نفعل ذلك مساهمة في تدوين وتوثيق سجل وكفاح شعبنا بجمع خيوط مسيرته ومحطاته النضالية في مشواره الطويل والشائك، التي سطرها عبر تضحيات جسيمة تفيض دمًا وعذابًا لغاية الآن، لعلنا نحفر على جبين الوطن المعذب والذي لا وطن لنا سواه، اننا فخورون بتلك الكوكبة الحمراء الرائدة التي تتقدم وتسير بكبرياء وشموخ رافعة الراية العالية الخفاقة تنادي هيا على النضال هيا على الكفاح معًا من اجل مستقبل أفضل لنا ولشعبنا وأبنائنا وأحفادنا، مسجلة أروع الصفحات المضيئة والمجيدة مقدمة اعز التضحيات في مرحلة دقيقة من عتمة الليل الطويل الحالك بالسواد، ولفتح وإضاءة مصباح الأمل أمام شعبنا كي يسطع نور الحقيقة الذي لا ينطفئ أبدًا، ولنمضي مع شعبنا الأبي في قضيته المشروعة والعادلة نحو التحرر، بعد ان قبر وللأبد موجات متعددة من التآمر والتهميش والطمس من ذوي القربى، والغريب الطامع والساعي لمحونا  من قاموس الشعوب التي تصنع المجد والمستقبل وتنتصر في نهاية الامر، دون التسليح والتفريط بحقوق اللاجئين والمشردين وقضيتهم العادلة.
ان تسليط الضوء من القنديل (السراج) الوهاج لتبديد ظلمة الليل في النفق الطويل، على جندي احمر برتبة مناضل أممي ذاق الأمرين، وبصمود لا يعرف الخوف والكلل والاستسلام يواصل طريقه الكفاحي اليومي، وهو يشارف على مناطحة ومصارعة القرن من العمر المديد، انه الشيوعي والوطني الصلب الرفيق الغالي أبو فاتن حسين علي مباركي المولود في قرية النهر المهدمة  الواقعة في منطقة الجليل الغربي، القريبة من قرية الكابري الفلسطينية المهجرة على شاكلة مثيلاتها في فلسطين التاريخية. ولد في الربع الاول من القرن المنصرم عام 1930، ولمن لا يعرف من قراء "الاتحاد" والاجيال الجديدة المتعاقبة فيما بعد، ان قرية النهر الفلسطينية المهجرة والمدمرة اليوم، كانت تعتبر قبل النكبة والمأساة بمثابة فردوس الإنسان على الأرض، نظرًا لكثرة المياه والينابيع المتفجرة والمتدفقة من باطن الأرض يحيطها بريق من الألوان تجمع ما بين العلم الفلسطيني بألوانه المتألقة وبريق الطبيعة وجمالها الخلاب. فالبساتين من كافة الأنواع والخضروات المتعددة الأشكال ذات النكهة اللذيذة وسط هدوء وزقزقة العصافير والطيور ونسمات العليل حين تغيب شمس الأصيل، هو ما يميز هذه القرية الفلسطينية التي دمرها وشرد أهلها إرهابيو هولاكو من الحركة الصهيونية قبل 67 عامًا خلت. كان يربط قرية النهر موطن رفيقنا الغالي حسين مباركي طريق رئيس يمر في أراضي وبساتين القرية يربط بين ترشيحا والقرى الفلسطينية في الجليل الأعلى بمنطقة الساحل نهريا وعكا، في حين يمر في أراضيها الخصبة والواسعة قناة القناطر التي بناها أحمد باشا الجزار لنقل المياه العذبة من عين الكابري إلى مدينة عكا.
تعتبر عائلة علي مباركي والد الرفيق حسين مباركي، من العائلات الأساسية والمعتبرة والمالكة للاراضي في قرية النهر إذ تملكت عائلة مباركي ما مجموعه 65 دونمًا مروية لأخصب الأراضي في قرية النهر وفلسطين عامة. إذ اعتمدت عائلة علي مباركي وإخوانه على الفلاحة البعلية والمروية كمصدر أساسي في معيشتهم، لذا كانت حالتهم الاقتصادية مزدهرة ومتطورة في مقاييس تلك الفترة وذاك الزمن مقارنة مع الفلاحين بالأجرة وبقية جماهير الشعب.
الرفيق حسين علي مباركي هو اكبر اخوانه: أربعة اخوة وثلاث أخوات، كان أبو فاتن يعتبر الساعد الأيمن لوالده والعائلة في إدارة الشؤون الحياتية في زراعة وفلاحة الأرض وطرق التصريف والبيع والشراء، وهو لم يبلغ الثامنة عشرة من عمره أثناء مرور الجحافل الإرهابية الصهيونية على تراب القرية لمحو معالمها وتحويلها من جنة إلى خربة مدمرة بعد تشريد أهلها في بقاع الأرض المختلفة. كان الفتى حسين مباركي يعي كل مجريات الأحداث والأمور ساعة بساعة ويومًا بيوم. من الحرب غير المتكافئة وحتى مرحلة التآمر على فلسطين وقيام كبار الملاكين والاقطاعيين بالتآمر مع الوكالة اليهودية ببيع الأراضي، وصولا إلى تدخل الجيوش العربية وتسليم فلسطين من قبل الحكام العرب للحركة الصهيونية، إذ اجمع ثلاثتهم، الحركة الصهيونية والرجعية العربية المتآمرة وسلطات الانتداب البريطاني، على بيع وقتل الشعب الفلسطيني وتشتيت حقوقه للحيلولة دون قيام دولة فلسطين في يوم من الأيام.


*كيف تعرَّف أبو فاتن النهراوي على الشيوعية*


ان أحداث النكبة بكل إسقاطاتها وأحزانها ومآسيها وجرائم الصهيونية والتآمر العربي، قد نقشت وحفرت في أعماق الرفيق حسين مباركي جرحًا متواصلا لم يندمل لغاية الآن. ومن الصعب جدًا على واحد مثل أبو فاتن وفي جيله المتقدم، والذي شاهد بأم عينه ما حدث لعائلته وأهالي قريته والقرى الأخرى ولشعبه عمومًا. إذ تكونت لدى أبو فاتن روح التحدي والانتقام السياسي والوطني، كرد يسمى اضعف الإيمان، كان رفيقنا الغالي حسين مباركي مولعًا وشديد المطالعة والقراءة والبحث عن الحقيقة، كان الشاب المتحمس والمندفع وطنيًا قد هزته من الأعماق قوافل اللاجئين والمشردين شمالا إلى لبنان، أو الذين افترشوا كروم الزيتون والأشجار والكهوف لتؤويهم من حر أيار وحزيران، في حين ترك الجوع بصماته والخوف سيطر على الأغلبية الساحقة من أهالي قرية النهر والغابسية وكويكات وعمقا وأم الفرج والبصة وغيرها. لكن عائلة علي مباركي وبفضل حنكة ابنها حسين لم تتجه شمالا إلى لبنان، بل واصلت سيرها على الأقدام لتستقر في ضيافة أبو سنان.
وكان قد تعرف الرفيق حسين مباركي فيما بعد على الشيوعي الأول المرحوم خليل خوري، بدافع المعرفة وزيادة الوعي والاطلاع على الحالة الجديدة الناشئة سياسيًا ووطنيًا في مرحلة ما بعد النكبة، خاصة ان أبو سخي خليل خوري كان الوحيد في القرية الذي سعى للاهتمام ومتابعة أوضاع المهجرين والمشردين من القرى المجاورة. فكان يزرع فيهم روح الصمود والمقاومة بالبقاء في الوطن، في سنوات الخمسين الأولى انتقل الرفيق حسين مباركي، وبعد ارتباطه بشريكة حياته الرفيقة نفيسة مباركي أم فاتن، كانت قد انتسبت هي الاخرى إلى صفوف الحزب في عكا. وكانت تقوم بدور طليعي وهام بين جمهور النساء لرفع وعيهن وحثهن على المشاركة في النضال، وفضح أساليب الحكم العسكري والقيام بدور الرفاق النضالي في فترة اعتقالهم على يد جواسيس وأذناب السلطة التي كانت تدفع بهم للتجسس وتخريب اجتماعات الشيوعيين والقوى الوطنية الأخرى. وهكذا تعارفا بواسطة الحزب وفي أجواء النضال على بعضهما البعض وارتبطا برباط الحياة المقدس، ولذا يعتبر رفيقنا الغالي أبو فاتن حسين مباركي ورفيقة عمره أم فاتن بطريقهما الشيوعي المشترك ونضالهما من اجل المستقبل الأفضل، في صفوف الحزب ناضلا سوية وبالأساس في عكا إلى جانب من شقوا الطريق في الصفوف الأولى والسير في درب الكفاح الثوري والوطني، منهم على سبيل المثال طيبو وخالدو الذكر جمال موسى ورمزي خوري وابتهاج وإبراهيم زئبق ومحمود أبو شنب وآخرون أطال الله في أعمارهم، صالح تيتي فخري بشتاوي نديم موسى سلوى موسى والكثير من الشخصيات الاعتبارية والوطنية التي كان لها دور كبير على صعيد المجتمع العكي والعربي. لكن الرفيق أبو فاتن حسين مباركي كان على تواصل دائم مع الرفيق خليل خوري، حيث كان يسافر من عكا إلى أبو سنان مرتين في الأسبوع على دراجته الهوائية، كي يقوم مع الرفيق خليل خوري بتوزيع جريدة "الاتحاد" على القراء في ظروف صعبة ومعقدة بعيدة عن أعين المخبرين والجواسيس ورجال الشرطة وغيرهم.
كان الرفيق حسين مباركي قد قدم أوراق انتسابه رسميًا لصفوف الحزب بداية في أبوسنان ثم كان نشاطه الأساسي والمتواصل في عكا. فالجماهير العكية تعرف من هو الشيوعي حسين مباركي التي تعرفت عليه في معارك الكفاح اليومي ومن خلال الإضرابات والمواجهات مع أعوان الحكم العسكري. كانت عكا في تلك الفترة قلعة من القلاع الشيوعية والوطنية في مصارعة سياسة وأساليب الحكم العسكري في البطش والإرهاب وقطع الأرزاق، ينتسب الرفيق حسين مباركي طبقيًا إلى العمال والكادحين، عمل في الكثير من الورش والمصانع، كادحًا من اجل لقمة العيش  لأولاده وأسرته، ربى أولاده وأحفاده على حب الشيوعية وطريق النضال، لم يفقد البوصلة في يوم من الأيام، بالرغم من الظروف المعيشية والاجتماعية الصعبة، فبين أسوار عكا وأزقتها الضيقة وحاراتها المتعددة التي هي قاهرة نابليون وكل الغزاة، ففيها تكونت شخصية حسين مباركي الشيوعية والوطنية كمناضل لا يلين ولم يلن في يوم من الأيام، لا في زمن الانتداب، ولم يضعف أمام آلة القتل الصهيونية في التهجير والتشريد، وقف صنديدًا عاليًا في زمن شراء الذمم والإغراء ودكاكين الوطنية وأموال البترودولار الخليجية، لقد رسم رفيقنا الغالي حسين مباركي لنفسه طريقًا مشرفًا وسطر في معمعان حياته النضالية أروع الذكريات والمعاني النضالية كان دائمًا يقول وإلى الآن، ان مواجهة المحتل والمستبد والظالم، لا يمكن إلا بالكفاح المنظم وبالهامة المرفوعة وعلم الثوار المشرع.
لقد غدا أبو فاتن حسين مباركي هذه الأيام عنوانًا للكثير من المقابلات الصحفية واللقاءات والإذاعات كمرجع للحقيقة وأرشيف لتوثيق الذي جرى في عام النكبة في بلدة النهر، وهو اليوم ما زال يقدم ويساهم في شتى النشاطات السياسية، وفي الصفوف الأولى لجبهة أبو سنان الديمقراطية وللحزب.. فهو يمتاز عن غيره من الرفاق والأصدقاء بمواعيده الألمانية وبحسه الثوري ومشاركته وحضوره الدائم، واننا نتمنى له ولشريكة حياته وأولاده  وبناته كل السعادة المليئة بالفرح والنجاح والتحدي والعمر المديد والعطاء المتواصل في تحقيق أمنياته في العودة إلى النهر، وإذا لم يتيسر ذلك فتكون العودة لأبنائه وأحفاده وأحفاد أحفاده، فالأرض لنا والحلم لنا.




(كويكات /أبو سنان)

قد يهمّكم أيضا..
featured

ماذا وراء المبادرات المختلفة لحل الصراع الفلسطيني - اﻹسرائيلي؟

featured

بكلّ هدوء، وبكلّ حزم

featured

وداعا أيها الصديق الرفيق داود تركي أبا عايدة

featured

فارس النضال والعطاء د. أحمد سعد – أبو محمد رحمه الله

featured

شرطة قمع وكذب بالقدس

featured

لماذا لا يريدون الجبهة؟!

featured

"رصاصة في جبين فلسطين"