بكلّ هدوء، وبكلّ حزم

single

كنت على مدخل مقبرة شهداء يوم الأرض في سخنين، حين اشتعل العنف. بجانبي تمامًا اشتبكت مجموعة صغيرة ومحدودة من الشبان، ثم اتّسعت قليلاً. الخلفية غير واضحة لكنها ترتبط بشاب رفع صورة لقائد حزب الله السيد حسن نصر الله. شخصيًا، خرجتُ من العراك بقميص بلا أزرار وكدمتين خفيفتين. هذا ثمن (مستحَقّ) لمساعي فضّ الاشتباكات العامة!
تم تناقُل الكثير من الروايات. هناك من اتهم رافعَيّ الصورتين الوحيدتين (لنصر الله وعماد مغنية) بأنهما "مدسوسان". البعض قال: "متطرفان". آخرون: "طائشان". وهناك من يتفهّمهما. لا بأس. يجب أن يكون في المظاهرات متّسع ديمقراطيّ - ضمن المعقول والمسؤول.
نصر الله ومغنية يمثلان مقاومة باسلة تناضل ضد العدوان. وهُما، في هذا السياق، لا يختلفان عن مناضلين تحرريّين من شتى القوميات والشعوب. لا نقاش لديّ على هذا. هناك أسئلة تتعلق بجوانب أخرى. هل رفع صورتيهما في نشاط يوم الأرض ملحّ؟ ضروريّ؟ مفيد؟
الإعلام الاسرائيلي الغوغائي والتافه، بمعظمه، سارع الى ترك عشرات الألوف والتركيز على الصورتين. وخذ تباكيًا، وخذ تحريضًا، وخذ سمًا زُعاف.. هذا متوقّع طبعًا، خصوصًا بأن مسيرة يوم الأرض هذا العام جاءت قويّة كصفعة لمن يحاول إخافة جماهيرنا بليبرمان وأشكاله.
السؤال ليس موجهًا الى من رفع الصورتين. وبغضّ النظر عن الدوافع. السؤال موجّه الى المنظّمين: الأحزاب والحركات السياسية. ألا يُفترض بالمنظّمين الاهتمام بالشكل الذي "ستظهر به"، لأنها ببساطة "مظاهرة" هدفها "إظهار" مقولة علنيّة في المساحة العامة؟
ألم "نقلّع أنيابنا" لطول التجربة مع سلطة لئيمة وإعلام سلطويّ تحريضيّ؟ ألا يُفترض وضع خطوط عريضة للشعارات والهتافات والمقولات السياسية للنشاط السياسي؟
أكبر قرار تم اتخاذه هو إبعاد الأعلام الحزبية. حسنًا، إذا كان هذا يعكس وحدتنا ويقلّل من منسوب الاحتكاكات الفئوية، فليكن! ولكن ماذا بشأن تعيين مسؤولين تنظيميين عن المسيرة؟ أين هم نشطاء الأحزاب الذين يجب أن يضبطوا (معًا) المظاهرة وسلامة المتظاهرين؟ وأن يضمنوا عدم اشتعال العراك الشبابيّ الطائش، ومن قلب مقبرة الشهداء (على بعد أمتار معدودة من منبر الخطباء والقادة)؟
طبعًا، النشطاء كانوا في المظاهرة. ولكنّ أحدًا من المنظمين لم ينظّمهم للقيام بدور واضح. ويبدو أنه بات واجبًا في النشاطات الوطنية الوحدوية القادمة، تنظيم هيئة ميدانية واحدة من نشطاء جميع الأحزاب والحركات السياسية للقيام بالدور المذكور. هذه المرّة مرّت على خير نسبيًا، لكن لا أحد يضمن ألا "يشرّفنا"، مثلاً، عناصر ما يسمى بـ "المستعربين" غدًا؟ ففي نهاية الأمر نحن نتعاطى مع سلطة اسرائيلية عديمة الحدود والمعايير والأخلاق من حيث أخذ مواطنتنا بجديّة.
حاليًا لدينا حملة تحريض، تحقيقات، إعتقالات، وربما محاكمات وبعض من عادوا من مسيرة يوم الأرض الخالد وفي أذهانهم صورٌ لعراك عنيف طائش. من واجبنا جميعًا منع كلّ هذا. من واجبنا جميعًا منع أي شرّ سلطويّ وغيره عن شبابنا. وحتى إذا طاشَ أحدهم فيجب أن يُضبَط بكلّ هدوء، وبكلّ حزم. إنه واجبنا جميعًا نعم، لكن العنوان التنفيذي المخوّل هو أحزابنا وحركاتنا السياسية. قيادة جماهيرنا.
في الاجتماعات التحضيرية لكل مناسبة وحدويّة قادمة، يجدر التفكير في هذا الاقتراح، وتطبيقه. ففي خاتمة المطاف من سيحمي سلامة مسيراتنا ونشاطاتنا؟ شرطة اسرائيل؟!

قد يهمّكم أيضا..
featured

فيصل الحسيني جرح القدس المفتوح (2)

featured

إنفضاح اكذوبة الجيش الاسرائيلي الاخلاقي مجددا

featured

"ماحش" ممسحة بوليسية قذرة

featured

رد الاعتبار لثورة عام 1929 كثورة الفلاحين الفلسطينيين المناهضة للامبريالية والصهيونية والاقطاع!

featured

بانتظار ثمار الحوار

featured

الوقود الحيوي.. طاقة جديدة أم سبب لارتفاع أسعار الغذاء؟

featured

لا عودة عن حق العودة

featured

في وداعِ مُعلّمي