*الأستاذ بديع عبد الرّؤوف يونس (أبو العبد)*
فقدت عرعرة وعارة يوم الأحد الموافق 24-05-2015م، المربي الأستاذ بديع عبد الرّؤوف يونس (أبو العبد)، عن عمر ناهز الـ 88 عاما (1927- 2015م)، وقد شيّع جثمانه الطاهر في مقبرة قرية عارة الواقعة شمالي منطقة، عين المسقاة، وقد شاركت في تشييع جثمانه مع مجموعة كبيرة من طلابهِ بينهم كبار السّن الذين جاوزوا السبعين عاما تكبدوا المشاق من بيوتهم ليشاركوا في الوداع الأخير لمعلم ترك بصماته الطيبة على التعليم في عارة وعرعرة بشكل خاص.
وقد علّم في باقة الغربية وكان يذهب للتعليم في مدرستها يركبُ الدّراجة الهوائيّة، بسبب عدم وجود المواصلات المنتظمة بين القرى العربية في ذلك الوقت، وقد ذكره بعض طلابهِ في مقابلات معهم بعد أن شاخوا هم أيضا مثل عثمان إبراهيم عثامنة (1) وكذلك الحاج مراد محمد صالح قعدان(2) ووجيه يوسف عثامنة (3).
وعلّم في مدرسة عرعرة عارة المشتركة وهي واقعة بين القريتين وكان يتعلم فيها طلاب المدرستين الأساسيتينِ في عارة وعرعرة من الصّف الخامس وأحيانا من الصف الرابع إلى الصّف الثامن، ومن ثم ينتقل الطالب/ة إلى العمل أو إلى متابعة التعليم في مدارس الناصرة أو باقة الغربية أو الطيبة أو الطيرة في المثلث.
وفي هذه المدرسة كان معظم عطائه وربى أجيالا تلو الأجيال وذكره بين من ذكروه كمعلم لهم الدكتور محمد حسن سالم عبد الجواد عقل أبو عقل (4) ومحمد خضر حسن اسعد حسن مرزوق ( أبو خضر) (5)، امّا الحاج حلمي صالح جمّال (من مواليد 1938م) فيذكره كمعلِّم تهمه مصلحة طلابه ويهمه التعليم في القرية فيقول:" كان عندنا في المدرسة مدير مدرسة اسمه الياس عوض من كفر ياسيف، وجاء هو والأستاذ بديع عبد الرؤوف يونس إلى والدي رحمه الله لاقناعه بان اتعلم في الناصرة، فقد كنت من المتفوقين في الصف خاصة الرياضيات". (6)، ويذكره كمعلم كذلك صبري محمد مسعود ( ولدعام 1945م)(7).
أمّا أنا فتتلمذتُ على يديه في الصّف الثامن في المدرسة المشتركة، وكان في هذه الفترة أحد المعلمين ذوي السّمعة الطيبة جدا، وفي المدارس يحدث الطلاب بعضهم البعض جيلا بعد جيل عن هذا المعلم أو ذاك، وبذلك يخلق نوعًا من التراكم المعرفي عن المعلم، ولمّا كان الضرب أحد الوسائل التي مورست في مدارسنا، فسمعة أبو العبد كانت بعيدة عن الضرب الجسدي وصورته في جيل من سبقني: "هذا المعلم لا يضرب جسديّا ولكن كلماته عندما يُقصّر أحدهم أقسى من العصيّ"!
وعلمني أبو العبد اللغة العربية، وكانَ ممن مُنحوا قوة التعبير وإخراج الحروف من مخارجها الصوتية الصحيحة ولذلك كنّا نرى في كلامه الجمال ونُحسِنُ الاستماعَ إليهِ، كما أن خطه على اللوح من أجمل خطوط المعلمين، وكان معلما مجتهدا يهمه الطالب والعلم فمن وصاياه التي أذكرها يوم شحّت الكتب والدّفاتر: "إقرأ يا ولدي قد لا تجدُ كتابا ألا تجدُ ورقة في الطريق اقرأها أنظر ما بها حدثني عما قرأته، حدث والديكَ... إقرأ الرسائل لوالديك من الدوائر الحكومية حاول أن تفك رموزها بأي لغة كانت وعندما تعجز تعال إلى المدرسة واسأل معلميكَ، وقد أثرت هذه الكلمات التي أذكرها حرفيا علي وعلى أمثالي فقد كنت أقرأ لوالدي - طيب الله ثراه – الرسائل الرسمية وأرد عليها وكثيرا ما استعنت بمعلميّ.
في الستينات لم يكن لدينا كتاب أدب أو لغة خاص بنا ولذلك اعتمد المعلم على نفسه خاصّة في الصفوف الإعدادية العليا، ففي الصّف الخامس تعلمنا في "القراءة التاريخية المصورة "، وهي قراءة مصرية، وبعد إنهائها على المعلم إما اختيار ما يشاء بنفسهِ أو حسب اختيار وزارة المعارف، وهنا لا أستطيع أن أعرف بالضبط من اختار تلك القطع الجميلة التي تعلمتها على يده وبأسلوبه لدرجة أنني أحتفظ بها إلى اليوم مخطوطة نسختها على دفتر خاص سميته "من حقول الأدب" وأهديه اليوم كما سجلت عليه: "إلى روح معلمي بديع عبد الرؤوف يونس " ذلك أنني في حياته أطلعته على هذه المجموعة التي أضفت إليها بعد العام 1966م بعض القصائد على ذوقي في تلك المرحلة ومنها قصيدة " الجسر" لشاعرنا الكبير لمحمود درويش نشرت في الغد عام 1967م وغيرها، ولكنني سأعود لمجموعة معلمي، مثل قصيدة أبو الحسن الأنباري التي يرثي بها أبا الطاهر محمد بن عقبة وزير عز الدولة البويهي وهي كما كتب لنا معلمنا "أبلغ ما قيل في الرثاء حتى أن عضد الدولة تمنى أن يكون هو المصلوب" وكم قرأنا وبهرنا بلغتها ولكن أيضا بكينا على المرثي. والطفلة السائلة لأحمد الصافي النجفي، والحجاج والفتية، والحنين إلى الأهل والوطن للصمة بن عبد الله ومن النثر "الأرنب والأسد" لعبد الله ابن المقفع من كتاب كليلة ودمنة ورسالة بين صديقين وغيرها من المواد التي كانت بالأساس تقدم لنا كطلاب من جميل اللغة العربية وأشعر أن معلمنا كان يهتم بتحبيب اللغة الأم لنا.
محطة أخرى هي عندما قاربت إنهاء الثانوية واحتجت لمن يساعدني بالاستعداد لموضوع شهادة البلوغ باللغة الإنجليزية، ولا أدري حتى الآن لماذا اخترته لمساعدتي رغم أنه ليس معلما للغة الإنجليزية؟ولم يعلم في المدارس الثانوية، وقبل التحدي، وأعتقد أن السّبب تلك الثقة والتقدير الذي أكنه له.
ثم عملت معلما وفرح لذلك في بلدة برطعة في العام 1969م، وأصبحنا زميلين وصديقين، عرفت منه ومن رفاقي فيما بعد عبد الحميد أبو عيطة الذي تعلم معه في طولكرم إن لم تخنّي الذاكرة، وطيب الذكر الرفيق علي عاشور، الذي تعلم معه في الكليّة الرشيدية في القدس، وكنت أوصل السلامات لهما من بعضهما البعض، إلى جانب ذلك فقد كان يكتب الشعر ولكنه كان يصر على عدم النشر، وكان أحيانا يلقيه في المدارس أو المناسبات، ومن قليل ما نشر نشرنا له قصيدة في مجلة الإصلاح الثقافية الشهرية، بمناسبة تقاعد معلم من زملائه، إلى جانب ذلك كان ابن بلد وفيًّا، ففي كل المناسبات الاجتماعية وخاصة العزاء يشارك أهل بلده همومهم كواحد منهم، كان يقدرني وأشعر بكل كلمة يقولها وتشجيع يقوله، وأنا أقدره تقديرا خاصّا كما العديد من طلابهِ أبناء بلدي، وحتى قبل مرضه الأخير كنت أسعد أن التقيه أكثر من مرة في الأسبوع وهو يتمشى، فآخذ منه قوة، وأسمع من خلاله نبض الشارع في الحياة العامة، وبفقدانه فقدنا في عارة وعرعرة أحد المربين الأوائل الذين أثروا في العملية التربوية في القريتين، وآثاره محمودة إلى الأبد.
فلأولاده وابنته وزوجته وزملائي إخوانه ولجميع أفراد العائلة تعازيَّ، ولتبقَ ذكراه خالدة.
///إشارات:
1- مفيد صيداوي (2011)، ذاكرة من الزمان، باقة الغربية، إصدار مؤسسة الحنين،عرعرة. ص26.
2- المصدر السابق ص54.
3- المصدر السابق ص55.
4- مفيد صيداوي وعبد الحكيم سمارة (2012م)، ذاكرة من الزّمان، عارة وعرعرة، إصدار مؤسسة الحنين،عرعرة، ص30.
5- المصدر السابق ص45.
6- المصدر السابق ص87.
7- المصدر السابق ص91.
( عرعرة – المثلث)
