جمهور غفير من الناس جاء الى ساحة عين الدامون
يومًا بعد يوم يزداد ويتعمق ويتجذر بقوة في عقولنا وقلوبنا ونفوسنا حق العودة الذي لا عودة ولا تنازل ولا تفريط به مهما كانت الظروف وطال الوقت، انه من ضروريات حياتنا، وهل يستطيع الانسان ان يعيش بدون الضروريات؟ هذا الشعور ليس فقط لأهالي الدامون، بل لكل المهجرين من شعبنا الفلسطيني في الداخل والشتات، كيف لا فحبنا لوطننا ليس له ثمن ولا حدود.
بدأت امسيِّة العودة في 2016/5/11 بعد وصول جمهور غفير من الناس الى ساحة عين الدامون التي جفت مياهها "بقدرة قادر؟" وجفت مياه عينيها فراقًا وحزنًا على اهلها وأصحابها فأبت الا ان تستقبلنا في ساحتها وهي صامتة صمتا عميقا، اليس الصمت أصدق تعبير؟
توافد الى الامسيِّة المهجرون من جديدة، شعب، كفرياسيف ،كابول، طمرة، عبلين ،شفاعمرو، كفر كنا وعين حوض وميعار وغيرها كل هؤلاء الناس جاءوا معلنين عن تضامنهم وتصميمهم بالتمسك بحق العودة الى قراهم رافضين بكل إباء وعناد قانون الحاضر الغائب.
افتتح الأمسيِّة المضاءة بالكهرباء وتولى عرافتها المحامي نضال سمير عثمان الذي ابدع وتألق بشكل مميز فرحب بالحضور واكد ان حق العودة لا يموت، فهو باقٍ حي الى ان يتجسد هذا الحق مشيرًا الى انه لا يموت حق ووراءه مطالب، واسهب بلغته الدارجة والفصحى عن النكبة مؤكدًا على ضرورة شرح وتعليم الصغار والشباب تاريخ شعبنا وما مر ويمر به من مآس وويلات، وكذلك زيارة القرى المهجرة على مدار العام من كل الاجيال ووضع برنامج لكل زيارة حتى ينمو ويكبر هذا التاريخ في كل انسان منذ الصغر.
وكان من بين الحاضرين الكاتب المبدع المعروف محمد علي طه الذي هُجر من قريته ميعار والدكتور سهيل ذياب رئيس بلدية طمرة والشيخ صالح ريان رئيس بلدية مجلس كابول المحلي والسيد محمد كيال (برناوي داموني) من جديدة عضو لجنة الدفاع عن حقوق المهجرين، اما الكاتب ابو علي فأتحفنا بكلمته الهامة المؤثرة عن تاريخ هذا الشعب ونضاله البطولي وصموده بالرغم من المآسي والمعاناة فإن حق العودة حق مقدس سوف يتحقق عاجلا أم آجلا مؤكدا على ان حق العودة لا يموت، وتحدث ابو علي كعن العلاقات بين اهالي الدامون والميعار في ذلك الوقت المبنية على الاحترام المتبادل ، وتجدر الاشارة ان كلمة ابو علي كان لها صدى واسع وردود فعل بين الحاضرين .
في الساعة التاسعة رفع أذان العشاء حيث أقيمت الصلاة للسنة الثانية على التوالي بالقرب من العين وبعدها استمعنا الى ترانيم دينية بمناسبة عيد الفصح المجيد لإخوتنا وأعزائنا المسيحيين مما اضفى جمالًا ومحبة على هذه الامسية .
بعد ذلك جاء دور الشابة آلاء موفق زيداني بعد ان قدمها عريف الاجتماع نضال عثمان بإنشادها قصيدة "موطني" للشاعر الفلسطيني ابراهيم طوقان والتي تألقت بإنشادها وبإلقائها الغنائي وبصوتها الجميل وانفعالها وحركاتها مما جعل الجمهور ينفعل ويتفاعل ويقف مشاركًا اياها النشيد وسط التصفيق الحاد، والجدير بالذكر بان آلاء ناشطة اجتماعية كان لها دور في شهر آذار الثقافة.
كان كذلك للأطفال دور ومكانة في الامسيِّة فغنت الطفلة (8 سنوات) دانا حمودي ابو الهيجاء بعض الاغاني الوطنية بصوتها الجميل مما نال اعجاب الجمهور.
الشاعر الراحل ابن الدامون (1937-2011) كمال كامل حمادي كان حاضرا بشعره حيث القت الفتاة ابنة الصف السابع سارة رفيق حمادي قصائد من شعره الوطني للدامون ولفلسطين حيث تألقت وابهرت الحاضرين بإلقائها الجميل من خلال حركاتها وانفعالها، وكان لهذه القصائد وقع وأثر عميقان كيف لا فهي نبعت من الدامون وعين مائها ودموعها.
الفرقة الموسيقية "جذور الشرق" بقيادة الشاب محمد عياشي (كابولي-داموني) شاركت بالأغاني الوطنية والشعر الشعبي وصف السحجة التقليدي وغيرها من التراث الشعبي الفلسطيني الحلو المذاق والتأثير وقد رافقت هذه الفرقة بموسيقاها طوال الامسيَّة.
بالإضافة الى كل هذا حضر العديد من شبكات التواصل الاجتماعي وفضائيات عربية وقد اجرت وسائل الاعلام هذه كثيرا من المقابلات من مختلف الاجيال. وقد اجمع المتحدثون على التمسك بحقوق شعبنا الفلسطيني وتاريخه وعدم التفريط بها والاصرار على مواصلة مسيرة النضال والكفاح الى ان تتحقق اماني وآمال شعبنا في هذا الوطن.
في اليوم الثاني 2016/5/12 تجمع الاهالي في ساعات الصباح الباكر وبدأت المسيرة التقليدية ابتداء من العين مرورا بالطرقات "الحديثة" مع شرح مواقع البيوت واسماء اصحاب هذه البيوت التي لم ولن تبقى ركاما واطلالا آجلا ام عاجلا ومن ثم مرورًا من مكان الكنيسة والجامع الى المقبرتين الاسلامية والمسيحية المتلاصقتين المتجاورتين والتي رفض موتاها فراقه بعضهم البعض قبل الموت وبعده جيرانا فوق التراب وفي باطن الارض لأننا شعب واحد ومصيرنا واحد.
وفي الاستراحة تحت ظلال الاشجار حان وقت الغداء فكانت الأكلة الشعبية المحببة المجدرة هي المسيطرة الى جانب ورق الدوالي اللذيذة.
بعدها تفرق الناس وفي قلوبهم الحنين والحسرة على مثل هذه الجلسات التي كانت قبل التهجير عاقدين العزم ومصممين على عدم نسيان الماضي على ان حق العودة ونيل حقوقنا هو من ضروريات وحياة كل فلسطيني فهل للحياة وجود بدون هذه الضروريات؟
(الدامون)
