لم تكن زيارة فيصل الحسيني إلى الكويت الأولى من نوعها، فلقد سبقتها زيارات أخرى لدول عربية وغيرها، تعثرت معها علاقات فلسطين، وكان على فيصل أن يجبر ما انكسر ويرتق ما انشرخ، وذلك لما حظي به من احترام وتقدير على جميع المستويات ولدى جميع المحافل.
أمانته، استقامته، وتشبثه بالموقف الفلسطيني الوطني الواضح، واستعداده الدائم ليمارس قيادته في الميدان والشارع، كما في اللقاءات الرسمية والبروتوكولية، خوَّلته ليحصد رصيداً من الدعم الشعبي الشامل، ومكانة لا تجارى لدى زعماء الدول الشقيقة والصديقة وحتى "العدوة" منها.
لم يكن فيصل قائداً بالتنسيب ولا نتاج منصب وهمي، فلقد كان الرمح وكان الترس، ولطالما ردد قائلاً: لا يمكن لمن يخشى ويتذيل مستجيراً بصدور شباب فلسطين المتحدية غطرسة المحتل أن يكون قائداً.
كثيراً ما تساءل البعض أو أفتى بمسألة علاقة فيصل بالراحل الكبير أبو عمار ياسر عرفات، والبعض فعل ذلك مرتكزاً ومعللاً موقفه على خلفية بعض قرارات الرئيس عرفات في حق فيصل واستيعابها، في حينه، كمناكفات استهدفت فيصل وصلاحياته. باعتقادي أنها مسألة تستوجب الكتابة وتستحق أكثر من مقالة، لم تهدف أصلاً معالجة هذه المسألة. لكنني أقول، وشاهدي ساعات من الحديث معه، أنها كانت علاقة متينة مبنية على احترام لا يشوبه تحفظ، ففي النهاية اعتبر فيصل أن ياسر عرفات هو خط أحمر لا يجوز تجاوزه، ودافعه لذلك كان دائماً تقييمه الموضوعي لدور الرجل وقيادته للحركة الوطنية الفلسطينية بمجملها وبتاريخها، ويقينه النابع من معرفة شخصية حميمة لحدود الموقف العرفاتي الحقيقي إزاء الصراع مع إسرائيل، وذلك دون أن يغفل هفوات حصلت، ومناكفات كانت تزعجه، لكنها لم تؤثر يوماً على موقفه المبدئي الواضح من الرجل. بالمقابل بادله عرفات الاحترام ذاته والتقدير الصحيح، وتبقى مناكفاته أفعالاً تبررها اللحظة، وعوامل فرضتها ظروف تلك اللحظة، شخصية وموضوعية على حد سواء.
قبل رحيله دعي فيصل لزيارة كندا. استقبل والوفد المرافق استقبالاً رسمياً وكان البروتوكول المعد مشابهاً للقاء زعيم دولة. استضيف الوفد في منزل الضيافة الرسمي الذي استضاف في الماضي كثيرين من رؤساء الدول وزعمائها. والأهم أن اجتماعا رسمياً عقد مع وزير خارجية كندا في مقر الوزارة، وكانت المرة الأولى التي رفع فيها علم فلسطين إلى جانب علم كندا بشكل رسمي وعلني.
في هذه الزيارة أعلمنا، عرضيًا، مسؤول البروتوكول أن الأمير سعود الفيصل وزير خارجية السعودية سيحط في كندا ويزورها لبضع ساعات في زيارة قصيرة يعود بعدها إلى واشنطن. طلب فيصل إبلاغ الأمير أنه متواجد في كندا ويرغب بلقائه. استبعد المرافق الكندي أن يتم ذلك فوقت الأمير المقرر لن يسمح بمثل هذا اللقاء وطائرته تنتظر في المطار لتعود به مباشرةً إلى واشنطن. عاد المرافق بعد ساعة وعلى وجهه دهشة وابتسامة وقال أنه لا يصدق ما جرى وأنها المرة الأولى في عمله الطويل يصادف فيها ذلك، فحينما نقلت الخارجية الكندية طلب فيصل ورغبته لقاء الأمير، أوعز هذا حالاً بتغيير جدول أعماله واستعداده الفوري للقاء فيصل الحسيني. نقلنا مباشرة إلى مكان تواجد الأمير وتم اللقاء وكانت القدس في صلبه، وهكذا أضافت كندا الرسمية، لما كان لديها من دواع وأسباب، مفاجأتها لما يحظى به فيصل من مكانة ووزن واحترام.
كانت القدس تسكنه ويعيش قضاياها على مدار الساعة، ويعايش أهلها ومشاكلهم في كل لحظة ودقيقة، لم يتأخر وتصدر كل موقعة في كل موقع طالته أو حاولت يد الاستيطان أن تمتد إليه، وشغلته كل حاراتها، خارج أسوارها وداخلها، ومن أجل ذلك طرق أبواب العالم أجمع.
كانت دولة المغرب أحد العناوين التي توجه إليها فيصل من أجل مشروع استهدف تحويل عقار كبير داخل الأسوار إلى مركز يسمى "بيت المغرب" وذلك تأميناً وضماناً لحماية هذا العقار.
سافر إلى المغرب ووصل مع مساعديه، ليصل في اليوم التالي بعض المسؤولين الفلسطينيين ورجال الأعمال الكبار. سمعنا ونحن في المغرب أن الرئيس عرفات سمى أعضاء الوفد وسمى كذلك رئيساً له ولم يكن فيصل.
في المغرب حظي فيصل بمكانة غير اعتيادية فكل أعضاء الحكومة المغربية ورئيسها أصروا على الاجتماع به واستضافته حتى في بيوتهم. أما القصر فعرفه ضيفاً على الدولة وأمَّن ما يفرضه البروتوكول لهذا المقام. لم يغضب فيصل من تجاهل مكانته وتسمية آخر لرئاسة الوفد، فهو لم يلهث وراء نعت أو منصب.
بعد أيام دعي الوفد لمقابلة ملك المغرب. جلسوا في غرفة الانتظار وبعد دقائق أطل مسؤول التشريفات واستأذن الجميع طالباً من فيصل الدخول منفرداً للقاء الملك. لم يعترض أحد، وما كان أحدهم ليجرؤ على ذلك. استمر لقاؤهما نصف ساعة، بعدها خرج رئيس التشريفات داعياً الوفد للدخول والانضمام.
في صباح اليوم التالي كتبت جميع صحف المغرب أن الملك الحسن الثاني اجتمع بفيصل الحسيني الذي رافقه وفد فلسطيني، وهكذا عبرت المغرب عن موقفها الواضح إزاء مكانة فيصل واحترامه.
هناك في الدار البيضاء وقبل زيارة القصر، وخلال زيارة ميدانية، في إحدى ساحاتها المركزية بدأت جموع المارة، بعد تعرفها على فيصل، بالاندفاع باتجاهه لإلقاء التحية والسلام وبعض النسوة يصرخن "سي فيصل، سي فيصل". عندها أغظناه متسائلين لماذا لا يبقى في المغرب ليستفيد من شعبية أدهشتنا وأدهشت الجميع.
لم يكن لفيصل أعداء إلا أولئك الذين رأوا به خطراً على مشروعهم الاحتلالي الاستعماري، وأولئك الذين لم يؤمنوا بالسلام العادل ولن يرضوا ببعض حلم، أما أولئك الذين زاحموه في القمم لم يستعدوا فيصلا ولم ينافسوه، حتى ولو استفاد بعضهم، قدراً، من رحيله.
كانت القدس الخاسر المباشر من هذا الرحيل وكان بيت الشرق، الذي لم يستطع نتنياهو إغلاقه عندما حماه فيصل، أول القرابين والضحايا الذي استقوت إسرائيل عليه ونجحت بإغلاقه دونما عائق يذكر.
مرة أخرى نقول أن معرفة حقيقة ما جرى لفيصل في الكويت هو شأن هام وضروري لأنه يستحضر السؤال الأهم من كان المعني بهذا ومن هو المستفيد الحقيقي ومن هو الخاسر الحقيقي من هذا الرحيل؟
كفرياسيف
