يحبّون الفلوجة دون أهلها

single

بينما تحتدم المعارك لتحرير المدينة العراقيّة الأسيرة من قبضة «داعش» تدور رحى حرب أخرى، إعلاميّة وخطابيّة، حولها وعلى محاور عدة. والفلّوجة هي المدينة التي اكتسبت، منذ الاحتلال الأميركي العام 2003 وكل ما تبعه وجرّه من كوارث، أهميّة إضافيّة ورمزيّة معقّدة، متعدّدة الأوجه والمعاني، بحسب موقع الناظر الأيديولوجي ومنطلقه بالطبع. ولم يهدأ الغبار، ولا السُعار، الذي تثيره هذه الحرب الخطابيّة والذي يثيرها بدوره، خصوصاً في وسائل التواصل الاجتماعي التي أضحت شاشة العالم الكبرى ومجالاً رحباً وخصباً لتسطيح العالم واختزاله. وتكاد ردود الفعل إزاء احتلال الفلّوجة، وتاريخها القريب الذي يستعاد الآن، تلخّص الكثير من تعقيدات اللحظة في العراق والمنطقة، وما يُثقِلها من تمزّق وانقسامات حادّة ومن طائفيّة مميتة تسمّم الأبدان، والأوطان، أو ما تبقّى منها!
الفلّوجة مدينة عراقيّة وهناك من العراقيين من يأمل، برغم صعوبة الوضع وتعقيداته، أن يكون تحريرها من «داعش» خطوة على طريق تحرير الموصل، واستعادة بقية التراب العراقي ومعه شيء من هيبة الجيش العراقي (مع أنّه لا يحارب وحيداً بل مع شركاء محليين، تثير ارتباطاتهم إشكاليات، وبغطاء دولي) وإنقاذ العراق كفكرة. مع أن استثمار النصر سياسيّاً هو معركة أخرى تتنافس فيها أطراف كثيرة. وهي معركة بدأت قبل أن تحسم المعركة العسكرية، فقد زار جبهات القتال المالكي (الذي أضاع الفلوجة وأخواتها) وكذلك غيره من السياسيين.
لكن اللافت أن عراقيّة الفلّوجة تتوارى، بل تختفي، بالنسبة للكثيرين، بالذات من «الأشقّاء» العرب. فهي مدينة «سنيّة» وظهورها في الأخبار مناسبة لـ «نصرة أهل السنّة ضد حصار الرافضة والإيرانيين». ويتناقل هؤلاء صور وأخبار سليماني، «البعبع» الإيراني، وهو يزور أطراف الفلّوجة كدليل دامغ. والمفارقة أنّ الكثير من هؤلاء لا يجدون حرجاً من وجود قواعد عسكريّة أميركية في بلادهم السعيدة. القواعد ذاتها التي طارت منها طائرات الاحتلال الأميركي الذي لولاه ولولا نظام المحاصصة الطائفيّة الذي أنشأه، لما كان سليماني يصول ويجول في العراق اليوم.
وهناك من لا يرى في الفلّوجة إلا مصنعاً للمفخّخات وحاضنة للإرهاب ويضع أهل المدينة بأكملهم، دون استثناء، في خانة واحدة مع «داعش». فيكتب في سعار التهييج الإعلامي «احرقوا الفلّوجة» ويطالب بمحوها مفترضاً أن الشرفاء من أهلها تركوها (ومثل هذا تم ترديده ببغاوياً بعيد احتلال الموصل)! فيختفي المدنيّون و «الشرفاء» لأن كل ما في الفلوجة يعود للإرهاب. وهناك الذكوريّة والأبويّة التي تصوّر الفلوجة على أنّها المرأة التي اغتصبت، أو البنت التي ستعود الآن إلى حضن أبيها. وأيّ أب!
حين احتلّ إرهابيو «داعش» الفلّوجة قبل أكثر من سنتين، عبّر الكثير من الجنود الأميركيين الذين كانوا قد حاربوا فيها عن غضبهم وشعورهم بأن «تضحياتهم» ضاعت هدراً! إذ ظنّ هؤلاء أنّهم كانوا قد «خلّصوا» المدينة من الإرهاب ولا يدركون، إلى اليوم، أن الاحتلال وحل الجيش وتفكيك الدولة وذبح المدنيين ساهمت كلها في تحديد مسار الفلّوجة. من يتذكّر صور التشوّهات الخلقيّة الولاديّة الكارثيّة في الفلّوجة التي سبّبتها الأسلحة التي استخدمها الأميركيون؟
ينسينا خطاب الحرب على الإرهاب، بنسخه كافة، الإنسان، المدني، الذي يصبح، محضَ نقطةٍ، أو هدفًا، وقد يصبح إرهابياً لمجرد وجوده في مكان ما. عسى أن يتحرّر أهل الفلّوجة من «داعش» وممّن يحبّون مدينتهم ويكرهون أهلها.


(كاتب عراقي، عن "السفير")

قد يهمّكم أيضا..
featured

بين دمقراطية و"دمقراطية"

featured

ألرفيق كمال نزال ابو السعيد عَلم من أعلام الحزب وسنديانة الشاغور وزيتونه

featured

هناك ما يستحق الكتابة

featured

رد شعبي على "الاخوان"

featured

خطة اشفاء لانقاذ هداسا

featured

في ذكرى ميلاد فلاديمير ايليتش لينين