صورة لقرية عبلين عام 1924
لقد حركت المواجع.. ارادات ورغبات الكثيرين ممن قرأها او سمع حكايتها.. فتشجع بعضهم لنبش مواجعه.. متأبطا نية الخير لا الشر في سردها لي وتوفير المعلومات والوثائق من الصور القديمة والحكايات والنوادر والنهفات المحكية.. واستغربت بعد كل هذا الحماس.. ان من سبقونا كأطفالنا نراهم عبر ثقوب الايام يلهون في حجرات غيابهم ولا يلمحوننا.. فيصمتون عندما يحسون بنا.. من نتيجة ذلك وهذا ما سأكشفه ونكتشفه معا في الحلقات القادمة والمستمرة من المواجع... انني اعيب على اهلي وشعبي الافراط في الصمت..الى حد الانكار ونزعة التكتم.. ام انه يأنف عادة التبجح. لكن روحية كرهت كل ذلك وكان ما في قلبها على لسانها تحكيه وتسرده باعتزاز وافتخار.. فجوار ير ذكرياتها مليئة بالحكايات والذكريات المرة والسارة. وهذه المرة لم استنطق احدا من ذريتها بل تحدثت على سجيتها في لقاء مسجل بصوتها اجراه معها استاذي ومعلمي الجليل جاسر الياس داود بتاريخ 03/05/1992 قالت فيه: عند احتلال الانجليز للبلاد كان عمري 16 سنة كنا نقوم بقطف الذرة في منطقة بير الجاحوش.
سألها عمرك 92 سنة ؟ صحيح، ردت.
وأكملت: شاهدت الجيش الانجليزي عندما نزلت قواته في سهل عبلين توجهت نحو حيفا. وقالت ايضا انها لم تتعلم ولو يومًا واحدًا، كان المعلم سليمان نجيب مسلم (جد انيس مسلم) يدرِّس الطلاب في بيت توفيق النجمي (بناية المجلس) وكان معه معلم آخر ليس من عبلين ولا اذكر اسمه. وأم محمد زوجة محمود الاسعد النجمي ام زوجة توفيق النجمي لم يتعلموا كانوا في الحارة اللي عشت فيها. وأنا صغيرة شفت السور اللي كان حول عبلين والنسوان والبنات اشتغلوا بالأرض بالفلاحة وعمل البيت. وعائلات عبلين كانت ادريس والنجمي والخطيب والشيخ احمد وسكران وحيدر وحياة الحاج توفيق النجمي آغا ودار الحاسي هاي العائلات الاسلامية، اما من الشيوخ المسلمين الشيخ محمد الخطيب (والد الشيخ علي الخطيب) والشيخ مصطفى شيخ احمد. وزمان كانت البنت مكروهة كان جدي حسن الخمرة يقول عند ولادة مولود ذكر: "ما احلى بشارتهن لو ماتوا بسعتهن" من لم يكن لديه اولاد كانوا ينذرون النذر للخضر ولغيره من القديسين وكانوا يقيمون "المولد" وكان المعتقد انو الي تلد بنات يجب اطعامها السمك لتولد الذكور"وحول الامراض قالت:"اذا اصيب الطفل بالأنفلونزا كنا نحضر عشبة ورقها مثل النعنع بستعملوها لتنظيف اكواز الصبر من الشوك. كنا نوخد بعض اوراقها ونحوسها مع قليل من الزيت ثم نضعها في قطعة من العجين ثم نضعها على بطنه اما الزكرة فكانت مكشوفة. وعلاج التقيؤ (النتاق) كان بواسطة خليط بيضة مع شعر الماعز. نضعها فوق قطعة من القماش ثم نضعها على بطن وخاصرة المريض ونلفها "كالزنار" وبعد مدة من الزمن يتوقف المريض عن النتاق. كنا نحجب الطفل وكنا نشطبه احيانا كالرجل الكبير وكل ام باستطاعتها فعل ذلك" واسعد الريا كان يقوم بأعمال شفاء من امراض معينة فمثلا معالجة التهاب الجلد والحمار في الايد كان يقوم بخلط بعر المعزا مع الخل للصبح ويحطها فوق المنطقة الملتهبة وفي المسا يخلط الملح بلطع البقر ويضعها على الالتهاب وهيك يزول التهاب ويطيب المريض. لم يأخذ اجرة من جميع المرضى.. إلا من بعضهم.
"والأغاني عند ولادة الطفل الاهل اللي ولدلهن ذكور ويريدون بنتا عند ولادة الانثى كانوا يغنون" الصبيان تطلتنا والبنات شهوتنا نحن بالرب نشكره اللي قامت كنتنا او حبيبتنا".
وعند ولادة الذكر يقولون "الحمد لله صبرنا وما صبرناشي صبرنا مثل الطريق عالخيال والماشي الك الحمد ربي كسبنا وما خسرناشي". كسبنا وما خسرناشي بمهنى ولد الصبي او الابن. وهذه الغنية كانت تقولها الحماة ام الزوج ان كانت العائلة لديها اولاد ذكور وولد ذكر جديد يقولون: قومي يما نامي بفراشك والنبي محمد فوق راسك اهل الصبي فرحوا بالصبي وإحنا فرحنا بخلاصك. هذه الغنية غنتها شهدة عندما ولدت ابني عرسان أي بمعنى آخر ام الزوجة هي التي تغني هذه الاغنية لابنتها بمناسبة او حمدا لسلامتها. ولكن شهدة قالت: ايوي وشو فرحوا بالصبي وإحنا فرحنا بخلاصك. ام مصطفى قالت: يا ناصر ويا منصور يا خالق الدر من السور نحن الشكر اللي جبرت ام عاطف على قلبها المكسور.
وحول "الداي" الجيابة قالت: المروشية الشفا عمرية كانوا يحضروها من شفا عمرو وكانت تحدث ان يموت المولود او الام وهذا ما حدث لام سليم الواعي (ام سليم الضعيف) جوليا الغطاس. كما احضروا المروشية (كاملة) لتولد ام حمادة (ألمازة حيدر) فولدت ابنا اسموه حسين ولكنه مات. كما ولدت بربارة ام مطانس اسكندر ولدت بربارة وماتت بعد الولادة.
بعد كاملة المروشية عملت سعدة الغول بوظيفة الداي ام جروان زيدان. بعد سعدة الغول عملت ام سعد معروف بهذه الوظيفة وكان اسمها عايشة ابو عيشة وكانوا يحضرون كاملة من شفاعمرو على الحمار او راكبة على الحصان ولم يكن في تلك الايام أي حكيم وكان يقوم مكانه بعمل الحكيم لأمور بسيطة قطع الطنطلة والتشطيب وكاسات الهوا اسعد الريا كيف حكيت. ولما بيولد المولود ان ذكر ولا انثى كان اهله يقومون بصنع العصيدة والمغلي وكذلك يقومون بتحضير ارغفة شبيهة بأرغفة القداس عند المسيحيين وكانوا يقومون بتفتيت الخبز ويحمصونه بسمنة وعند احضار المغلي كانوا يضعون هذا الخبز المحمص بالمغلي. وتحدثت عن شراء الاولاد قالت: كانت المرأة الحامل تأتي اليها الام اللي الها اولاد كثير وتطلب منها ان تبيعها ابنها الحاملة بيه فكانت الام الحامل تقول: بعتك اياه. ولما تولد وبعد عدة ايام تأتي ام الاولاد وتأخذ المولود وتكون لابسة فستان وسيع وتسقط الولد داخل الفستان وتلتقطه من الاسفل تيمنا بان يعيش كأولادها اللي انجبتهم وعاشوا. وكانت عادة اخرى الشحدة للملابس او الاكل كانت الام او ام المولود حديثا او اقاربه يقومون بشحدة اكل او ملابس من ام ولدت اولاد كثيرة وعاشوا. لكي يعيش المولود الجديد كما عاش اولاد هاي الام. حتى لو كان المولودة بنت كان اهلها يقوموا بنفس العمل الشحدة كي تعيش.".
(يتبع)
