الموظفون الفرنسيون يثورون على النخب الليبرالية

single

لا شك في مراكمة الشرائح والطبقات الشعبية والطبقات المتوسطة عمومًا ضغينة قوية على النخب، وعلى تبنيها المفترض الإيديولوجية الإصلاحية الليبرالية. وظهرت الهوة واضحة في أثناء مناقشة بناء أوروبا، وحملت هذه على علم الطبقات العليا وانحيازها الليبرالي. ولكن الانقسامات لا تعف عن «الشعب»، والطبقات المتوسطة خصوصًا. ويعود تسارع ظهور الانقسامات الى أوائل تسعينات القرن الماضي، حين أصابت البطالة شطرًا عريضًا من أصحاب الشهادات الجامعية. وكانت هذه سابقة في تاريخ البلدان الأوروبية. وكثير من هؤلاء انتهج استراتيجية الالتفاف، ورضي العمل في وظائف متواضعة في الإدارات الحكومية تفاديًا للبطالة. وهؤلاء يتقدمون صفوف المتحفظين عن البطالة. وهم يحسبون أنهم سددوا غاليًا ثمن حماية وظائفهم، وأن «النخب» تريد قضم موقعهم، ومعالجة الإجراءات المالية التي يقتضيها عصر نفقات الموازنة على حساب الموقع هذا. وأشد أعداء الليبرالية اليوم يخرجون من صفوف هذه الفئات، وهم يطعنون في ما يبدو لهم رجوعًا في عقد مجحف، وانتهاكًا لالتزام. ويفترض احتمال التقاء هؤلاء بالعمال الذين يشكون البطالة التقنية والعمال المؤقتين ومن غير ضمانات، تضامنًا بين جماعات مختلفة. وتجد حركات اليسار المتطرف عسرًا في الجمع بين من يريدون حماية موقعهم وبين من خسروا موقعهم أو لم يكن لهم موقع. والنواة الصلبة هي الطبقات المتوسطة المستقرة في الإدارات الحكومية، والمنافحة بضراوة عن دوام حقوقها ورعاية هذه الحقوق.
وانفجار الأزمة يفترض خسارة شطور كاملة من العمال والمستخدمين ركنهم الاجتماعي وسندهم، أي وقوعهم في البطالة، فلا يبقى ما قد يخسرونه. والى اليوم، لم تبلغ الحال هذا المستوى من التردي.
وكلام رئيس الوزراء السابق، دومينيك دوفيلبان، على «خطر ثورة» في فرنسا تنبيه الى العنف الذي قد يطلقه من عقاله انهيار الطبقات الشعبية. وما نشهده هو حركات تحفظ يبادر اليها من تتهددهم خسارة موقع مستقر ويحامون عنه. وأما البديل من المجتمع القائم فلا يرى. وتغلب عزيمة المقاومة على جبهات الاحتجاج. والشاغل الأول هو الحفاظ على المكاسب المهددة، وتهمة الاصلاح الليبرالي بتقويض أحوال لا بأس بها على وجه العموم. ولا يبدو هذا ثوريًا، بل هو محافظ وخلاف النازع الثوري.
والتشديد على الفرق بين الأجيال، وعلى «التضحية» بالشباب بحسب قول يروج، لا يترتب عليه غير ملاحظة الفروق الواسعة بين ناس من أعمار مختلفة. والحق أن هذا ليس جديدًا، ولا ينفرد به جيل دون جيل. ومصدره هو إلقاء عبء معالجة الأزمة على عاتق القادمين الجدد على سوق العمل، بينما يتمتع من سبقهم بمواقع حصينة.
ودمج الجدد بطيء، ويحصل من طريق «مواطنة اجتماعية منقوصة» على مثال العقود المقيدة بوقت. وليست أحوال أصحاب الشهادات الجامعية الشبان اليوم أسوأ من أحوال نظرائهم المولودين في 1965، فبطالة هؤلاء بلغت ذرى لا نزال بعيدين منها. والمشكلة هي أن ثقة الأهل في المدرسة والتعليم انهارت منذ أوائل التسعينات الماضية. وثمة كابح عن الدراسة في الأوساط العمالية وأوساط المهاجرين، حيث تقتضي هذه تحكيمًا ماليًا. واستأنف مستوى الإعداد ركوده. وهذا يدعو الى القلق.

* باحث فرنسي ("لونوفيل أوبسرفاتور" الفرنسية)

قد يهمّكم أيضا..
featured

مفاجأة روسية "نوعيّة" ثانية بسوريا

featured

من الشبيبة الشيوعية، إلى الجبهة، جبهتنا..

featured

إلى متى استمرارية حكم اللصوص في الدولة؟

featured

الهدية الأجمل لقرار الاعتراف: ترسيخ الوحدة في ميثاق شرف

featured

الحياة والحرية لبلال كايد!

featured

هل تغيّرت قواعد اللعبة على ساحة الصراع؟

featured

مصر عظَمة غابرة وواقع مر؟؟؟