صرخات لاجئ

single

 رسالة إلى السيد محمود عباس
*  * 


سيدي الرئيس :
جدي رحمه الله أهداني هدية لا تقدر بثمن، أوصاني أن أصونها واحميها " برموش العين" ألا أتنازل عنها، وان طال الزمن. هي ارثه الوحيد الذي ورثه عن والده ،والإرث ينتقل من الأجداد فالآباء ثم الأحفاد. جدي قلدني مفتاح بيته في بلدة (الشجرة)،  قال لي إنها أمانة، ويجب أن تصونها.
 حمل الأمانة سيدي الرئيس صعب جدا، السماء والجبال تنوء بثقله، إلا أنني وعدت جدي الذي كان على فراش الموت يذرف دموعه التي جعلتني كسيرا حزينا. كيف لي أن أخون تلك الدمعة الدامية الصادقة التي انسابت من عينيه الذابلتين اللتين لم يختف بريقهما بفعل السنين الطويلة، انه بريق الأمل الذي انشده، فكيف لي أن أخون عهده وألاّ احمل الأمانة فهو من قال "من لا يقدر على حمل الأمانة لا أمان له " 
 لم تستطع تلك الثلاثة والستون عاما أن تكفكف دموعه، كانت ثقيلة جدا وقد جثمت بثقلها على صدر جدي ومن بعده أبي. والآن هي تجثم على صدري، أنا ابن السبعة عشر ربيعا. طوال هذه الأعوام حرص جدي أن يلقي على مسامعنا قصائد وأشعارا تروي نكبتنا،  رغم انه لم يتعلم إلا حتى الصف الثالث الابتدائي،فقد حفظ قصيدة تضم أكثر من مائة بيت شعري.   وسنة بعد أخرى وفي يوم ميلادي كان جدي يحيي ذكرى النكبة ويذكرني دائما بان النكبة جرح لن يندمل إلا بالعودة، هكذا رضعنا مرارة النكبة كما نرضع حليب أمهاتنا.
 جدي كان حالما متأملا ، لكن في الحقيقة حلمه وأمله زاد من همومي وألمي، كان يحلم انه سيأتي ذلك اليوم وسنتحرر. إخوتنا في العروبة سيحرروننا،  وقد مللت كلام جدي الذي لم يتحقق منه شيء، فنحن ها هنا لا زلنا نسكن المخيمات.لاجئون في دول لا ترغب بوجودنا، زلا نرغب نحن. نموت كل يوم بفعل الذل والقهر والحرمان،نحرم من ابسط حقوق الإنسان، يمنعون عنا العيش الكريم، والعلم، يريدوننا جهلة. فهل سيأتي النصر على أيدي هذه الأمة التي لا تريد لنا إلا الهوان؟كيف سنستجدي نصرا ممن حرمونا ابسط سبل العيش الكريم، ومنعوا عنا الوظائف والعمل،لست افهم هل بمنعهم ذلك سيسرّعون عودتنا!
نحن لا نريد أوطانا بديلة، نريد بلدنا الذي يسكن أعماقنا،المتجذر فينا، نريد زيتوننا وروابينا وكرومنا، نريد (صبرنا) .
ما أثقل هذه السنين وأمرها سيدي الرئيس، وما أشقانا نحن،
أنا يا سيدي الرئيس أتوق إلى عودتي إلى دياري،كان جدي يتمنى موته تحت زيتونة في بلده لا أكثر،كم من الآهات كتمها داخله فمات قهرا،عيونه الحزينة  الذابلة كانت ترقب الموعد الذي لم يأت بعد،  رحل قبل أن يرى ركب العودة يحط تحت ظلال شجرة في بلدنا "الشجرة ".
سنة تتلوها أخرى وها هي ثلاثة وستون عاما تجر أذيالها كأنها البارحة لم يتبدل فيها شيء، لقد حمّلني جدي وزرا أنوء بحمله،رجولة الطفولة، فانا لم اعش طفولة كباقي أطفال الدنيا الذين يلهون ويمرحون، فقد اشتقت إلى زمن الطفولة والشقاوة، إلى البراءة، إلى الشيء الذي ولد معي واندثر لأنهم أرادوا لي أن أكون رجلا قبل الموعد،  كبرت قبل أواني، وكبر حلمي،وحلم والدي وجدي.
لم اغن يوما "صار عمري خمس سنين وحكياتي صاروا حلوين" بل أنشدت
)هي يا أولاد فلسطين  لمشرد والي فيها
خلصنا من دمع الحنين  وجينا الأرض نفديها
كبروا بالغربة لولاد  ما نسيوا ريحة البلاد
رغم المنفى والإبعاد  فلسطين لأهاليها)
وأنشدت :
(هي يا ولاد المخيم ما عدنا صغار ما بنتنازل عن ذرة لو مهما صار
هي يا ولاد المخيم هي يا لاجئين حق العودة مقدس يا مشردين(
وردّدتُ قصيدة جدي التي انشدها كل ليلة يبكي فيها حالنا وحال فلسطين :
) مرسال يا ممتطي شملال كالسرحان = تسبق نسيم الشمالي حين ترخيها
حثّ المطية وسير برفقة الرحمن = وفي أقرب السبل يا مرسال مشّيها
وخذ هالرسالة وفيها من الدما عنوان = ودمع الحزانى مطرّز ع حواشيها
ومضمونها منتهى النكبات والأحزان = أسرع بها ولملوك العرب ودّيها 
اقصدْ سليل النبي الهاشمي بعمان = وقولو على لسان قاصيها ودانيها
يا صاحب التاج هيك الأمل ما كان = تفنى فلسطين وعيونك تراعيها
يِخْوي عليها الدويري وحولها عقبان = وينوشها الذيب والآساد حدّيها
فلسطين مهد المسيح ومعرج العدنان = عَمّال تبكي على حالة أهاليها
الجوع والبرد والتشريد والحرمان = وأمراض عم يعجز الدكتور يشفيها
حيفا ويافا وصفد والناصرة وبيسان = وعكا وبلدان لا أحصي أساميها
صارت أسيرة وفيها تحكموا العدوان = ورايات صهيون رفّت في أعاليها
يا حيف يا حيف يا حسرة ويا خسران = يا للأسافة ويا خيبة أمانيها(
هكذا أنشدت وعلى هذا نشأت، فدع جدي ينام قرير العين في قبره الذي لم يختره،في بلد عشقها مرغما ذاق فيها من صنوف العذاب أشكالا شتى
فكرت بان أتراجع وان ابحث لي عن أوطانٍ بديلة، إلا أن الوعد الذي قطعته أمام جدي سيلاحقني كابوسا يظهر لي في أحلامي، فلا أقوى على التراجع ، يكفي لجدي انه كان يموت كل يوم، طوال ثلاثة وستين عاما مضت لا أريد له ميتة أخرى أعددتها له ،
سيدي الرئيس :
لا بد وانك تفهم ألمي فأنت ذقت مرارة التهجير وقسوة اللجوء، ولا أظنك تريد أبدا أن تتنازل عن حقنا في بلدنا، في أرضنا وسمائنا، وهوائنا ومائنا .
اعلم أنهم يكيدون المؤامرات ليجعلوا منا أشلاء شعب، فهم يهوون الرقص على دمائنا، فلا تجعلهم ينامون قريري العين، فألمنا واحد وأملنا أوحد ، ولنتغاضَ عن أخطائنا "فكلنا خطاءون وخيرهم التوابون".
 دع الأيادي تمتد للمصافحة والمصالحة الحقيقية، " فما بحك جلدك إلا ظفرك "
 هيا نلملم بقايا جراحنا ونتحد كلنا في كل مكان، في الضفة، وغزة،  والشتات
 فكلنا أبناء فلسطين   .

 


(مجد الكروم)

قد يهمّكم أيضا..
featured

لطيف: أنا يهودي عربي

featured

جيفارا عدو الملل

featured

ستبقى ذكراك عطرة

featured

وهذا ما قاله القسّ نيمولر

featured

الزيارة الفلسطينية لهيروشيما

featured

فلسفة الكلمة و فلسفة المكان

featured

فيديو قصير ومهزلة كبيرة: الفلسطيني يشبه.. الفلسطيني!

featured

من بلعين إلى فلسطين