هو اسم على مُسَمّى، قولًا وفعلًا، في السّرّاء والضّرّاء، سِرًّا وعلانية، بين بني قومه يهودًا وعربًا، إلِّلي بْقَلبو ع َ راس لسانو، لا يخشى في الحقّ لومة لائم، يقول للأعور: يا أعور ! حتى لو أحرجه الأمر في كثير من الحالات والمواقف، مواقفه صريحة، لا يمسح جوخًا لِأحد، حتى للسلطان الجائر، يقول للبقرة المتوحّشة الهوجاء : ليش عينِكْ حمرة ! ناشط سياسي اجتماعي، قابل العديد من رؤساء الدّول منهم : أبو عمّار، أبو مازن، كاسترو، وبعض القادة : نايف حواتمة، جبريل رجوب وغيرهما، عام 1986 كان من منظّمي بعثة اليسار الإسرائيلي إلى رومانيا ومقابلة كبار مؤسّسي منظّمة التحرير الفلسطينيّة، بعد عودتهم، قُدّم 24 منهم إلى المحاكمة، !دينوا بدفع غرامات و السّجن مع وقف التّنفيذ.
بلا طول سيرة، أنّه السّيّد : (حبيب)، لطيف دوري، ابن ساسون وصالحة، البِكْرُ بين سبعة إخوة، وُلِدَ عام 1934، بغداد، حَيّ الباب الشرقي، ما زال يحتفظ بشهادة ميلاده التي تحمل عنوان : المملكة الهاشميّة العراقيّة، هاجر الى البلاد، مع آلاف اليهود العراقيّين عام 1951 وهو في السّابعة عشرة من عمره، بعد الأحداث، الاضطرابات، القلاقل، المواجهات الدّمويّة بين العرب واليهود، بعد قرار التّقسيم 1947 والإعلان عن قيام دولة اسرائيل 1948، كان العراق في طليعة الدّول العربيّة التي نفضتْ عن كاهلها نير الاستعمار، ولو شكليًّا، قامت أحزاب عربيّة وطنيّة، سياسيّة وأمميّة، وعلى رأسها الحزب الشّيوعي العراقي، وكان بعض اليهود من قادته البارزين والمؤسّسين، وكانت تنظيمات وخلايا يهوديّة سرّيّة، صدامات ومواجهات، قتلى وضحايا، ناهيك عن التّواطؤ بين الحركة الصّهيونيّة وحكومة اسرائيل من جهة والحكومة العراقيّة من الجهة الأخرى، زرعَ بعض اليهود الألغام والمفرقعات في الكُنُس اليهوديّة هناك، لِدَبِّ الهَلَع والرّعب في نفوس اليهود وحملهم على الهجرة للبلاد.
الصحفي/ الكاتب اليهودي جاكي حوجي أجرى مقابلة مع لطيف دوري، صحيفة (معريب، ملحق نهاية الأسبوع 30/12 /2016)، تحت عنوان : مُطيّر الحمام (الحميماتي)، وهذا هو عنوان رواية للكاتب اليهودي العراقي: إيلي عمير، وهذه المهنة مُحرّمة دينيًّا عند اليهود والمسلمين، رغم أنّ العنوان المثير لا يُلائم الفحوى والمغزى، إلاّ أنّه من المهمّ الاطّلاع على ذلك !
هذه بعض المُقتطفات من أقوال لطيف، دون أن نُخرجها من سياق الكلام :
- في الذكرى السنويّة السّتين لمجزرة كفر قاسم 1956، إذاعة الجيش (جَلي تْساهَل) أجرت مقابلة مطوّلة مع لطيف، كأحد أوائل الذين أماطوا اللثام عن هذه المجزرة البشعة (49 شهيدًا)، ظَنّ المذيعُ أنّ لطيفًا هو عربي، لطيف لم يُصَحّح المذيع، واعترفَ قائلًا : أنا يهودي عربي.
- عشيّة العدوان الهمجي العربي والغربي على بلاد الرّافِدَين 2003، وبالتّنسيق التّام مع الرّئيس الرّاحل : ياسر عرفات، نظّم(حبيب)، أجبروه هنا على استبدال اسمه العربي باسم عبري، فقال لن أتنازل عن اسم لطيف الموازي لحبيب، نظّم لطيف وبمؤازرة بعض رفاقه العراقيّين : سامي ميخائيل، ب ساسون سوميخ، روني سوميك، شمعون بلاص، ونخبة من المثقّفين العراقيّين، نظّموا حملة إغاثة :مواد غذائيّة، طبّيّة، ملابس وغيرها لصالح الشّعب العراقي المنكوب، وما كادت الحملة الانسانيّة تنتهي، 20 يناير 2003، بدأت الاتّصالات مع الجهات المعنيّة، يوم 5 آذار الشّارة الضوئيّة الخضراء هلّت من بغداد الى رام الله. لكن جاءت الحملة العسكريّة الهمجيّة لِتُفَرِّقَ الحملة الإنسانيّة الأولى أيدي سَبَأ، فقال لطيف: الأنذال اجتاحوا العراق وقضَوا على المشروع، لطيف حوّل ما جمعه للسلطة الوطنيّة الفلسطينيّة. ويضيف لطيف : الرّئيس صدّام لم يكن له ضلع في أحداث تفجير 11 سبتمبر في أمريكا. وكان الرئيس جورج بوش إتّهم الرئيس صدّام كعدوّ للإنسانيّة، واحْتُلَّ العراق، ونُفّذَ حكم الإعدام بصدّام يوم30 / 12/2006.
*يتحدّث لطيف عن الصّداقة الحميمة بينه وبين أبي عمّار، وأول لقاء لهما، قبل الاعتراف بالسّلطة الوطنيّة الفلسطينيّة، كما زال لطيف يحافظ على علاقة متينة مع أرملة الرّئيس (سُهى)، ووالدتها ريموندا الطّويل، التي تكتب الآن كتابًا عن العلاقات اليهوديّة الفلسطينيّة، وزهوة ابنة الرئيس، طالبة جامعيّة، يزورهنّ في مهجرهنّ في جزيرة مالطة، ويدحض كافّة الشّائعات المُغرضة عن اختلاسهنّ الأموال وتهريبها، لأنّ أوضاعهنّ الاقتصاديّة والسّكنيّة ليست على ما يرام، وبيتهنّ خير دليل على ذلك، يَعْتَشْنَ على المخصّصات الشّهرية من السّلطة الوطنيّة الفلسطينيّة، وقد اخْتَرنَ المعيشة في مالطة، لأنّ سفير فلسطين بها هو قريب عائلتهنّ.
يتحدّث لطيف عن التّقشّف الذي عاشه عرفات، الاكتفاء بالنّزر اليسير، وَشُرب الشّاي مع العسل، يُقَبّلُ ضيوفه على الخدَّيْن والجبين ببراءة ومودّة.
يتدخّل الصحفي جاكي حوجي:ولكن أكثريّة الجمهور الاسرائيلي لا تهضم عرفات؟
- يردّ لطيف:الجمهور الإسرائيلي لا يريد أن يرى في الجانب الآخر زعيمًا يقول له : نحن نريد السّلام، ومستعدّون للتنازلات، وأنتم لا ترغبون ذلك!
- ولكنّه أعطى الأوامر بقتل الإسرائيليّين ؟
- في أيّ عالَم، في أيّ حُكم، وأيّة ثورة لم تحدث أفعال كهذه بإعطاء الأوامر بالمَسّ بالأبرياء؟ ألَم يحدث هذا عندنا؟في فندق الملك داوود ألَم يقتلوا الأبرياء؟ في دير ياسين؟ في كفر قاسم؟الفريقان لم يترفّعا عن استعمال القوّة والسّلاح، رافِضَيْن كلّ إمكانيّة للتقارب بين الطّرفَين.
- إذًا ذهبتَ لرأس الهرم؟
- بالطّبع، حين يكون الأمر صعبًا، عليك أن تذهب بالذّات لرأس الهرم، من واجبي أن أفعل أمرًا كهذا، للوصول إليه، وأفعل ما باستطاعتي.
- هل قلتَ له توقّف عن العمليات؟
- بالطّبع، وقد أجابني بصدق: أنا مستَعِدّ، بشرط : أن يتوقّفوا هم، وهو لم يوافق على أن يكون خرقة بالية.
- لولا الحرب على العراق، أكنّا وصلنا إلى بغداد؟
- أيّ سؤال هذا، أكيد، وكانت الزيارة ستُحدِثُ أصداءً!
يقول حوجي : بدأ لطيف نشاطه السياسي وهو في الرّابعة عشرة من عمره، حين حرّر في المدرسة جريدة داخليّة هناك باسم : الباكورة.
- حوجي:وضع السلام بائس، ربّما يكون اليسار قد فشل في مسْعاه؟
- الجميع فشلوا، لماذا فقط اليسار؟ يا سيّدي، بعد واقع خمسين سنة لم نتوصّل للسلام، فالمسؤوليّة تقع على الفريقَين.
- أين الخطأ؟
- الخطأ الأوّل : كلّ جانب اعتقد بأنّه سيتحايل على الآخَر وابتزازه لأقصى حدّ، الخطأ الثاني:لم يتبلور معسكر سلام حقيقي وواسع، وحين لا يوجد معسكر سلام، ترفع القومية رأسها، وهذا ما حدث لدى الفريقَين.
*إنْ تحفّظنا من بعض طروحات لطيف دوري! إلاّ أنّه سيبقى من أوائل دُعاة السلام الحقيقي في الشّارع العبري، رغم العزلة، وسيطرة اليمين المتطرّف على مقاليد الحُكم والأمور، ووضع كافّة العراقيل للوصول إلى السلام المنشود! ظلّ لطيف متمسّكًا بلغته العربيّة، مُطوّرًا إيّاها، نشيطًا في حزب مبام ثمّ في حزب ميرتس. لكَ طول العمر والصّحة والعافية في ظِلِّ أفراد أسْرتك الكريمة يا لطيف.
