السعي الفلسطيني للظفر بدولة مستقلة مستمر، منذ وقوع فلسطين في قبضة الاحتلال البريطاني حتى اليوم. والمؤكد أن هذا السعي لن يتوقف ما دام الشعب الفلسطيني موجودًا. وفي يقين من يعنيهم الأمر أن جذوة الصراع العربي الصهيوني لن تنطفئ ما لم يظفر الشعب الفلسطيني بدولة خاصة به أو يُغيّب عن الوجود بجهود الساعين إلى تغييبه.
في سنوات الاحتلال البريطاني الثلاثين، وضعت قيادة الحركة الوطنية تأسيس الدولة على رأس قائمة أهدافها. وبعد 1948، مع تجدد الحركة الوطنية وتجسدها في منظمة التحرير، لم يلبث أن اتخذ مطلوب تحرير الأرض المحتلة وتأسيس الدولة مكانه على رأس قائمة المطاليب الوطنية. وإذا كانت التطورات قد أرغمت القيادة على تقليص مساحة الدولة التي تتطلع إلى تأسيسها، فقد بقي جوهر الأمر كما كان: حق الشعب الفلسطيني في دولة خاصة به، وسعيه المثابر للظفر بها.
الوضع الفلسطيني، الآن، ضعيف، وفي الظن أنه قد يضعف أكثر. أسباب الضعف عديدة، وكثير من هذه الأسباب قد يتعذر تجنب تأثيره. مع هذا، وبالرغم منه، ما زال التشبث بتأسيس الدولة الفلسطينية المستقلة متينًا، وقد يصح أن نقول إنه ازداد قوة مع اطّراد الضعف العام. مفارقة؟ متى خلا الحال الفلسطيني من المفارقات!
آخر جولة من جولات السعي المستمر تجسدت في التوجه إلى مجلس الأمن الدولي في العام الماضي. تصورت القيادة أن بالإمكان استصدار قرار من المجلس يمنح فلسطين مرتبة الدولة العضو في الأمم المتحدة. ولم يغب عن البال أن الإدارة الأميركية سوف تستخدم الفيتو ضد القرار. أما ما غاب عن البال فهو أن يفلح النفوذ الأميركي في الحيلولة دون صدور القرار أصلا، وأن لا تحتاج الإدارة الأميركية إلى استخدام الفيتو. الجولة ذاتها تتجسد الآن في التوجه هذا العام إلى الجمعية العامة. قلّصت القيادة المطلوب، فصار منح فلسطين مرتبة دولة غير عضو في الأمم المتحدة. وفي تصور القيادة أن المطلوب المقلص سيحظى بموافقة ثلثي أعضاء الأمم المتحدة عليه، إن لم يحظ بأكثر.
فشل التوجه إلى مجلس الأمن نجم من حسابات خاطئة انبنت على معلومات منقوصة قُرئت قراءة رغبية. أصحاب الحسابات الذين لم يهملوا وجود الفيتو الأميركي عوّلوا على أهمية صدور القرار حتى لو عطّله الفيتو الأميركي، وأهملوا حساب حجم النفوذ الأميركي على أعضاء مجلس الأمن وحجم المعارضة الأميركية لوجود دولة فلسطينية مستقلة حقًا.
الآن، مع قرار التوجه إلى الجمعية العامة بدل مجلس الأمن والمطالبة بمرتبة الدولة غير العضو بدل الدولة العضو، هل ستغفل القيادة حساب حجم النفوذ الأميركي على أعضاء الجمعية العامة حسابًا صحيحًا؟ سيقال إن الفيتو غير وارد هنا، وهذا صحيح. وسيقال إن عدد الدول التي تقر بحق الشعب الفلسطيني في دولة يشكل أغلبية ساحقة، وهذا صحيح هو الآخر. لكن الخطير في الأمر أن يُقرأ هذا الصحيح قراءة ميكانيكية. فأغلبية أعضاء مجلس الأمن كانت في العام الماضي من الدول التي تقر بهذا الحق. ومع هذا، لم يصوت الجميع بالموافقة على المطلوب الفلسطيني. وقد طال النفوذ الأميركي دولا في المجلس لم يخطر ببال أصحاب الحسابات الفلسطينية أن تخضع له. فما الذي يمنع أن يتكرر الأمر في الجمعية العامة.
لنتذكر مثلين صارخين في هذا المجال: النفوذ الأميركي في العام 1947 هو الذي وفر أغلبية الثلثين اللازمة لإقرار قرار تقسيم فلسطين الجائر. والنفوذ ذاته هو الذي وفّر في العام 1991 أغلبية الثلثين اللازمة لإلغاء قرار سابق اعتبرت الجمعية العامة فيه الصهيونية شكلا من أشكال العنصرية.
الاستمرار على السعي، في الظروف غير المسعفة كما في الظروف المسعفة، أمر محمود، وضروري، ومطلوب. لكن هذا لا ينفي الحاجة إلى التحذير من الوقوع مرة أخرى في خطأ الحسابات. وأهم هذه الحسابات هو الحساب الذي يقيس مدى معارضة الولايات المتحدة لتأسيس دولة فلسطينية حقيقية ومدى النفوذ الأميركي، خصوصًا في الدول التي تحكمها أنظمة تابعة لأميركا في العالمين العربي والإسلامي.
لقد وقّتت القيادة موعد تقديم الطلب الى الجمعية العامة بحيث يجري التصويت عليه بعد الانتخابات الأميركية، أي بحيث لا يتعرض الرئيس باراك أوباما لأي حرج يرغمه على تشديد المعارضة الأميركية للطلب. سلوك القيادة الفلسطينية هذا، أي تجنبها استفزاز الرئيس أوباما، سيعد دون تحفظ سلوكًا محمودًا إذا اقترن بوجود وعد من إدارة أوباما بأنها ستمتنع عن استخدام نفوذها لتعطيل صدور القرار المطلوب عن الجمعية العامة، القرار الذي لن تترتب عليه سوى فوائد عملية قليلة، حتى مع ضخامة فائدته المعنوية.
الرأي العام الفلسطيني لا يعرف ما إذا كانت قيادته الوطنية قد تلقت وعدًا بهذا الخصوص، مع أن من حقه أن يعرف. وفي يقين كاتب هذه السطور أن وجود وعد واضح وملزم ومبرأ من الصياغات المخاتلة هو وحده ما يسوّغ سلوك القيادة. أما إذا لم يكن في اليد الفلسطينية وعد من هذا النوع، فهي، إذًا، ومرة أخرى، الحسابات الخاطئة والتصورات الرغبية التي أفشلت توجه العام الماضي. ومما لا شك فيه أن تكرار الخطأ سيجلب للقيادة وشعبها أشد الضرر، دون أن يُبدل النهج الأميركي المألوف، نهج توفير الدرر لإسرائيل وعرض قلائد الزجاج الملون على الفلسطينيين.
ولا بأس في تكرار القول بأن إسرائيل ليست هي الدولة الوحيدة في معارضة قيام دولة فلسطينية مستقلة حقًا، بل إن المعارضة تضم الولايات المتحدة وأتباعها في القارات الخمس والعدد الأكبر من أتباعها حتى في دنيا العرب، أيضًا.
