لقد كتبت أكثر من مرة أن انهزام المشروع القومي العربي له عوامل ذاتية مجتمعية وفكرية. لو كنا مجتمعات قوية اقتصاديا وفكريا واجتماعيا لما اخترق الغرب الاستعماري- الكولونيالي- الامبريالي- المُعولم كل مرة من جديد مُجتمعاتنا ودَمرها ومتى يحلو له ذاك. قُلت ان غياب المثقفين العرب الثوريين وغياب الأحزاب العلمانية الفاعلة القوية هو أحد أهم الاسباب لنكوصنا التاريخي الحضاري والوجودي الذي بدأ منذ خُروجنا من الأندلس مع بداية الاسلام السياسي التكفيري هناك.
صادق جلال العظم كاتب ومُفكر ومُثقف سوري عروبي يساري كبير. تثقفنا على كُتبه التي نشرها بعد هزيمة حزيران 1967 وأهمهما اثنان "النقد الذاتي بهد الهزيمة" والثاني "نقد الفكر الديني". تَعلمنا منه ومن أمثاله نحن اليساريين العرب الصغار حينها وكنا طلاب ثانوية عن مرارة الهزيمة..نعم الهزيمة ، فقد كانت هزيمة مُدوية بكل المقاييس ولم تكن نَكسة ولا انتكاسة، نعم تَعلمنا منها ومن الأدبيات اليسارية وخاصة أدبيات حزبنا الشيوعي وعلى رأسها جريدة الاتحاد أسباب ومرارة الهزيمة الكبرى للعرب في العصر الحديث التي ما زالت تَفرض نتائجها المُدمرة على الأمة ككل. شرح هذا المُفكر الكبير وقال بصريح العبارة "ليس للدولة دين.. الدين للناس" بمفهومه المختصر أن أهم سبب لهزيمتنا هو الدين السياسي ومن ثم التخلف المجتمعي الذي هو نتيجه طبيعية عنه، ومن ثم تَخلفنا الاقتصادي والحضاري والعلمي والتقني والعسكري ومنه ضياع أرضنا ومَعها كرامتنا.
هذا المفكر وآخرون امثال شاعر القومية والحب نزار قباني وقصيدته الخالدة "خبز وحشيش وقمر" والشاعر العراقي القومي الكبير مظفر النواب وقصيدته الرائعة الحقيقية والواقعية "القدس عروس عروبتكم". وطبعا مفكرونا اليساريون الحقيقيون امثال اميل توما واميل حبيبي وتوفيق زياد وتوفيق طوبي وغيرهم و شعراء المقاومة وعلى رأسهم محمود درويش والكتاب العرب اليساريون الآخرون امثال حسين مروة ومهدي عامل وفرج فودة ونصر حامد ابو زيد وعبد الرحمن الابنودي وبدر شاكر السياب وغيرهم. للأسف مثقفونا لم يكملوا المشوار ولم يصلوا بمجتمعاتهم الى ثورة المفَاهيم الشاملة التي تَقلبُ ظهرَ المجَن للنظام والمُجتمع شبه القبلي الطائفي القائم وتخلقُ الجديد لاسباب عدة لا مجال لذكرها هنا في هذه العجالة وفي هذا المقام وهذا المقال. بعضهم اكمل مسيرته الفردية وغَيّبه الزمن العربي الرديء وبعضهم قتلوا أو سجنوا أو غيبوا بالقوة أو هاجروا الى الغرب ليكملوا مسيرتهم الاكاديمية. بعضهم للاسف باعوا فكرهم بثمن بخس وأصبحوا رهينة مأجورة للنظام العربي الوهابي التكفيري في جزيرة العرب. صادق جلال العظم أكمل مسيرته الأكاديمية في برلين ونال هناك جائزة ووسام من معهد غوته للاستشراق وهذا بحد ذاته فعل كبير.
ما حثني على كتابة هذا المقال مقابلة قرأتها في مجلة "الجديد" العربية التي تصدرُ حاليا في لندن في العدد 19 آب 2016 وخصوصا تلك الفقرة من المقابلة التي تتعلق بما يجري في سوريا الآن يقول العظم بصريح العبارة "أولا في سوريا بقي الحكم في يد علوية المسيطرة على كل أجهزة الدولة..الخ" الحديث طويل بما مُجمله أن الصراع في سوريا طائفي بامتياز. ولم يذكر بتاتا دور الامبريالية ولا الوهابية ولا داعش ولا جبهة النصرة ولا المنظمات الارهابية الاخرى التي أوجدها الغرب وأدواته في المنطقة لتدمير سوريا البلد والشعب والحضارة وتدمير الجيش العربي السوري. عندما سأله كاتب المقالة عن تَصوره لحل الأزمة في سوريا اقرأو ما قاله حرفيا والكلام للعظم "كان بامكان اوباما في البداية حل المسألة السورية وذلك بالقيام بما قام به بيل كلنتون في كوسوفو والذي تدخل بواسطة القوة العسكرية وقام باتفاقية "دايتون" والاعلان عن نهاية الحرب وبالحكم على المسؤولين على المجازر امثال ميلوسيفتش وكراديتش في المحكمة الدولية في لاهاي بهولندا".
شخصيا تمنيت لو لم أقرأ المقالة وتمنيت لو لم أفهم ما قرأت. هذه نهاية مثقف عربي يساري كبير لعبت به الدنيا أقدارها وباع نفسه وثقافته للغرب الذي يعدّ المؤامرة تلو الأخرى على بلادنا العربية.. رغم هذا لن نفقد الأمل بفجر عربي قومي يساري جديد.