ألإعلام الغربي وخاصة الرسمي خادم طبقة رأس المال والشركات العابرة للقارات، يدّعي ويروّج على ان العولمة مشروع كامل متكامل وكلي يضم نظاما اقتصاديا وسياسيا وحتى ثقافيا موحدا، كما يدعي الغرب الامبريالي وامريكا خاصة، واصفا هذه العولمة المتوحشة، بانها "نظام عالمي جديد".
ولكن المتابع الناقد لعملية تكريس العولمة، لا بل الهيمنة الامريكية في شكلها المتوحش وسوقها الحرة وخاصة بعد سقوط المنظومة الاشتراكية لاسباب موضوعية ذاتية وخارجية، وهذا المقال ليس موضوع بحثها، يلاحظ ظهور مفارقات عديدة، وسياسات سلبية، وممارسات عمقت الفقر عالميا، حيث زاد غنى دول رأس المال، وخاصة الدول الثماني الكبار، بينما زاد فقر دول العالم الثالث، وفي بعض الحالات قضي على الاقتصاد الوطني، واصبحت عشرات الدول الفقيرة في العالم تعتمد على المساعدات غير الكافية، والتي تفقد هذه الدول حريتها واستقلالها السياسي والاقتصادي وحتى الثقافي الاجتماعي. وهكذا نشاهد نوعا جديدا من الاستعمار غير المباشر للعديد من دول العالم، ومن بينها بعض الدول العربية، وحتى الكبرى فيها مثل مصر، التي تعتمد على ما يقارب الثلاث مليارات من الدولارات تقدمها الولايات المتحدة الامريكية الامبريالية، مما جعل هذه الدولة التي قادت، زمن عبد الناصر حركة التحرر الوطني، تفقد استقلالها، السياسي والاقتصادي. ونتيجة للاوضاع الاقتصادية الصعبة تجري عملية تفكيك لنسيج هذا المجتمع او ذاك على اساس طائفي كما يجري في مصر، وقومي طائفي كما يجري في العراق وهذه خطط مدروسة من قبل مخططي سياسات الهيمنة الامبريالية من اجل تسهيل سيطرة الدول الغنية على الدول الفقيرة وفرض الهيمنة المطلقة على هذه الدول على مدى عشرات السنين القادمة، خدمة لرأس المال المالي والعسكري الامبريالي ولحرف نضال هذه الشعوب عن قضاياها الاساسية وهي التطور الاقتصادي والاستقلال السياسي والتخلص من انظمة الاستبداد وخاصة في العالم العربي.
ولذلك لا يمكن تقبل هذا النمط من العولمة الامبريالية المتوحشة بدون نقد موضوعي علمي جدلي، استنادا الى مفاهيم المادية التاريخية الجدلية الماركسية، والعمل من خلال مؤسسات مدنية واحزاب ونضال جماهيري لتغيير مسارها.
قد يقول البعض بان هذه المرحلة من تطور الامبريالية في شكلها المتوحش، وعولمة السوق الحرة، مرحلة شبه حتمية في المسار التاريخي، بل هناك مثل فوكوياما الذي قال بان هذه العولمة هي الوحيدة التي فرضت نفسها على الساحة العالمية. ولكن التناقضات التي ظهرت لاحقا وخاصة في نهاية القرن الماضي وبداية القرن الحالي، ازدادت يوما بعد يوم وعلى جميع المستويات الاقتصادية والسياسية والاخلاقية والثقافية والاجتماعية، مما دفع الكثير من منظري الرأسمالية للتراجع عن هذا المنظور وعن التقييمات الايجابية السابقة للعولمة، حتى فوكوياما نفسه.
فعولمة السوق الحرة انتجت العديد من الازمات الاقتصادية والسياسية في جميع انحاء العالم. بل هناك من يعتبر بان عولمة السوق الحرة ما هي الا اعتداء على الدمقراطية وحرية الانسان رفاهيته، بل هي ازالة انسانية 3 /4 الانسانية. فالعالم الغربي بمفكريه وفلاسفته خدمة الطبقة الرأسمالية المسيطرة وإعلامه الرسمي يحاول اختزال الواقع في نسق منغلق على ذاته، لا يسمح بالتعدد والاختلاف، والحوار الحضاري، خدمة للهيمنة الامريكية على العالم.
يكفي ان نذكر بعض الازمات الاقتصادية والسياسية التي واكبت تبني النظام العالمي الجديد لا بل عولمة السوق الحرة، مثل ازمة المكسيك عام 1994، ازمة آسيا المالية عام 1997، ثم ازمة الارجنتين التي تلتها وحطمت الاقتصاد في العديد من دول جنوب امريكا، والازمة الاقتصادية الاخيرة والتي ما زالت آثارها تُرصد وتتوسع، على المستوى العالمي، من اغلاق اكثر من مئة واربعين بنكا في الولايات المتحدة وحدها، وازمة دبي المالية الحالية، وكذلك التباطؤ الاقتصادي الملحوظ، ومثال ذلك اليابان، وانتشار البطالة، حيث وصلت في الولايات المتحدة الامريكية رسميا الى اكثر من 10% بينما المعطيات غير الرسمية تتحدث عن نسبة تتعدى الـ 17% هذا بالاضافة الى الفقر، وتمزق القيم الانسانية، حيث اعلن في الفترة الاخيرة عن وجود مليونين من الاطفال في امريكا وحدها، يعانون من تجارة الجنس، هذا عدا عن الكارثة الانسانية في هذا المجال في دول عديدة في جنوب شرق آسيا. وهناك شركات خاصة في الدول الغنية مختصة بتجارة الجنس مع الاطفال في الدول الفقيرة، والتجارة باعضاء الجسد ككولومبيا، ومصر ورومانيا وغيرها. هذا عدا عن الفقر والجوع والامراض، مما ادى الى هبوط معدل حياة الانسان الافريقي بعشر سنوات من 50 عاما الى 40 عاما.
والاستنتاج الوحيد من هذا الواقع هو ان عولمة السوق الحرة المتوحشة خلقت وضعا من الفوضى الاقتصادية والمالية، وهذه الفوضى تهيمن على السوق المالية، وعلى الاقتصاد العالمي. وهذا الوضع من الناحية الاقتصادية، والسياسية والاجتماعية والثقافية صراع الكل ضد الكل. وهذا نتيجة لانتهاج سياسات السوق الحرة، حرية رأس المال المالي والعسكري والشركات العابرة للقارات، والقيم العليا لمفاهيم الربح والاستغلال، والتي تنتهجها العولمة الامبريالية في المجالين الاقتصادي - المالي والسياسي.
فالقانون العام المطلق للتراكم الرأسمالي الذي اكتشفه ماركس يفترض حتمية التردي المطلق والنسبي لوضع الطبقة العاملة ليس فقط في دول العالم الثالث، وكذلك داخل دول رأس المال في ظل الرأسمالية والامبريالية. وما يجري في وقتنا الحاضر يعكس التردي النسبي لوضع البروليتاريا بالدرجة الاولى وخاصة تقلص حصة الاجور في الدخل الوطني، اي في القيمة المخلوقة مجددا التي ينتجها المجتمع خلال سنة واحدة، وكذلك في الناتج الاجتماعي الاجمالي. وهناك عوامل اخرى لها دور كبير في تخفيض دخل الطبقة العاملة مثل ارتفاع اسعار السلع ذات الضرورة الاولى، وسياسة تجميد الاجور و تقليص البرامج الاجتماعية وزيادة اعباء الضرائب، مع تقليص الضرائب المجباة من الاحتكارات والتي بالعكس تحصل على دعم من الدولة كما حصل في الولايات المتحدة خلال الازمة الاقتصادية الاخيرة، حيث دعمت الدولة العديد من البنوك والشركات بعشرات لا بل بمئات مليارات الدولارات، بالاضافة الى دفع مئات مليارات الدولارات للرأسمال العسكري والانتاج الحربي كما يجري الآن في العراق وافغانستان من قبل امريكا، وهذه الحروب العدوانية والتي بررها ودافع عنها اوباما في خطابه الاخير في خطابه بعد تسلمه لجائزة "نوبل للسلام"، وكأنها حروب تخدم الانسانية والدمقراطية، وكما يجري في اسرائيل من خلال تضخيم ميزانية الجيش على حساب التعليم والصحة، وحتى على حساب خبز وحليب الاطفال والمواطن. هذا بالاضافة الى تردي اوضاع الطبقة العاملة وانخفاض مستوى معيشتها وتردي الظروف التي تعمل وتعيش في ظلها في مختلف الدول الفقيرة في امريكا الجنوبية وافريقيا وآسيا.
من هنا فالتردي النسبي والمطلق لوضع الطبقة العاملة هو ظاهرة حتمية في المرحلة الامبريالية وعولمة سوقها الحرة حيث يتعرض مئات الملايين للاستغلال من قبل الاحتكارات الاجنبية والبرجوازية المحلية وفي شتى انحاء العالم، وحتى داخل امريكا هناك عشرات الملايين من الناس يعيشون دون "المستوى الرسمي للفقر" وخاصة من الملونين والزنوج والمكسيكيين والبورتوريكيين وغيرهم.
لقد رصد ماركس الميل التاريخي للتراكم الرأسمالي واظهر ان تقدم القوى المنتجة في ظل الرأسمالية، الذي يجري على اساس انتاج القيمة الزائدة والاستيلاء عليها من قبل مالكي وسائل الانتاج يؤدي الى تعميم الانتاج على نطاق واسع وهائل ويجعل عملية الانتاج عملية اجتماعية تعمق التناقض الجدلي الموضوعي بين الطابع الاجتماعي للانتاج والشكل الرأسمالي الخاص للتملك، اي الملكية الخاصة لوسائل الانتاج. وهذا التناقض بين القوى المنتجة والعلاقات الانتاجية الرأسمالية وملكيتها الخاصة يخلق الظروف والمقدمات الموضوعية الضرورية لاحداث الثورة الاجتماعية.
كتب ماركس يقول: "ان تمركز وسائل الانتاج وتعميم العمل يبلغان نقطة يأخذان فيها بالتنافر مع غلافهما الرأسمالي. فينفجر هذا الغلاف وتدق ساعة نهاية الملكية الرأسمالية الخاصة. وتنتزع ملكية نازعي الملكية "(ماركس - انجلز المؤلفات الكاملة المجلد 23") وهذا هو احد التطورات الموضوعية التاريخية الجدلية لقانون "نفي النفي" الجدلي.
فالعولمة بالمفهوم الكوني الشمولي الايجابي للكلمة، تعني التواصل والتثاقف المثمر بين الدول والحضارات، دون تصادم وتهميش والغاء الآخر، تُقر بالاختلاف واحترام الخصوصيات والهويات، ولكن العولمة الامبريالية من خلال ممارسة سياسات السوق الحرة المتوحشة فرضت منطق الهيمنة والسيطرة، من خلال فرض نظام اقتصادي واجتماعي واحد لا يقبل سواه، وهو النظام الرأسمالي الامريكي الذي يهدف الى تكريس هيمنة رأس المال من خلال عولمة سيطرة رأس المال الحالي والعسكري الامريكي وعولمة دائرة وعلاقات الانتاج الرأسمالي من قبل الشركات العابرة للقارات.
وفي السنوات الاخيرة اصبحت العولمة المتوحشة والسوق الحرة تفرض على الآخر ليس فقط لدى الاطراف، اي الدول الفقيرة في آسيا وامريكا الجنوبية وافريقيا بالقوة الغاشمة كما يحدث في العراق، حيث سيطرت الشركات العابرة للقارات على موارده الطبيعية وخاصة النفط، لا بل حتى على الشعب العراقي نفسه، حيث تم تفكيك هذا الشعب الى عرب واكراد، سنة وشيعة، وهجرة الملايين من العراق، وخاصة المسيحيين خارج العراق، خدمة للمخططات القديمة الجديدة للامبريالية والصهيونية لتفريغ الشرق من المسيحية، ولتكريس مفاهيم الصراع مع شعوب الشرق وكأنه صراع ديني بين الغرب والاسلاموية، مما دفع بعض نقاد عولمة الهيمنة الامريكية للحديث عن "الامبراطورية الجديدة".
وهذا التعبير يُذكر بالامبراطورية الرومانية لانها اي امريكا تحاول وتمارس فرض هيمنتها على العالم، وتبرير اوباما للحروب العدوانية التي شنتها امريكا في الماضي وحربه في العراق وافغانستان لهي دليل على ان اوباما لم يبتعد كثيرا عن بوش، لان كلتا الادارتين تخدم الطبقة المسيطرة طبقة رأسة المال. فالعولمة بشكلها الامبريالي والسوق الحرة، تأخذ طابعا سلطويا استغلاليا تمليه ليس فقط على الشعوب بل ايضا على الافراد والذين باتوا ضحية هذا النظام العالمي الجديد.
"فالنظام العالمي الجديد" بسوقه الحر، المتوحش انتج مجتمعا انسانيا الخمس فيه ثري والاربعة اخماس فقراء. وهذه العولمة عمقت مسار "القيمة السلعية" حيث لم يبق للفرد قيمة سوى قيمة "السلعة" وتحت شعار العقلنة، والدمقراطية والحرية يتم تسريح عشرات الملايين من العمال في شتى انحاء العالم، وبالتالي زيادة نسبة الفقر والبطالة والجوع والموت المبكر، والقضاء على الاقتصاد الوطني لصالح الرأسمال المالي والعسكري للدول الامبريالية.
والمخرج الوحيد من هذا الواقع المأساوي وغير الانساني هو عالم متعدد الاقطاب، وتكريس فلسفة الاختلاف، وحوار الحضارات، والغاء الملكية الخاصة لوسائل الانتاج الكبيرة. وسيطرة الدولة مرحليا عليها لتعود بالفائدة على اوسع شرائح المجتمع بدل ان تكون تحت سيطرة بعض العائلات كما يحدث في امريكا واسرائيل، حيث في اسرائيل هناك اقل من 20 عائلة تسيطر على الاقتصاد الاسرائيلي. وهذه الحلول التي نطرحها ما هي الا بعض نواحي النقد لهذه المرحلة الراهنة. فهل تستطيع الانسانية تجاوز مفاهيم وسياسات الهيمنة والسيطرة وصراع الحضارات، والخروج من هذه المرحلة التاريخية المأساوية والتقدم بها نحو الافضل، الجواب نعم. فالمادية التاريخية الماركسية تعلّمنا بان تطور الانسانية يسير نحو الافضل بشكل لولبي، فبعد هذا الانحطاط، لا بد ان تحدث القفزة، لا بل الثورة الاجتماعية نحو مستقبل افضل وارقى.
