تراجيديا الكرمل

single

الكرمل يحترق. هبة الله الجميلة الرائعة لهذا الوطن الصغير تحترق. سويسرا الصغيرة الخضراء صارت رمادًا. الطريق الذي مشيته مرارًا مع طالباتي وطلابي ومع أبنائي وبناتي، من مفرق عسفيا الى مفرق عتليت، متمتعين بأشجار السنديان والسريس والصنوبر والخروب والعبهر والقندول والميرمية والزعتر وأزهار البر والهواء العليل والنسيم المعطر يحترق. هناك حيث جلسنا، وكم جلسنا، حيث لعبنا، حيث لهونا، حيث ضحكنا وتناولنا اللقمة الهنيّة مع أطفالنا، يحترق. الوادي الذي أحببته والسفوح التي عشقتها والشجرة العملاقة المعمّرة التي أسندت ظهري اليها تحترق..
كرمل الآباء والأجداد والشعراء والفنانين والفلاحين والعشاق والأنبياء... كرملي.. كرملي أنا يحترق!!
حزين أنا على هؤلاء الأبرياء، رجالا ونساء، الذين حرقتهم النار. حزين أنا، أنا الفلسطيني الذي خسر بيته وقريته مثل الكثيرين من أبناء شعبه وذاق مرارة التشرد على هؤلاء الذين خسروا بيوتهم وغادروا مساكنهم فزعين هاربين من النار يبحثون عن ملجأ. حزين على ما حرقته النيران في بيوتهم من حب ودفء وعواطف وقصص عائلية.
حزين أنا على الحيوانات البرية الجميلة، على غزلان الكرمل وثعالبه وأرانبه وطيوره وعصافيره وبنات أوى التي حرقتها النيران. حزين على الفضاء السماوي الأزرق الصافي الذي سوّدته وشوّهته غيوم الدخان الكثيفة.
ومذهول أنا مذهول أنا.
أين كان السادة قادة هذه الدولة؟ أين كان رؤساء الحكومات ووزراء الداخلية والأمن الداخلي والكابنيت و..و...؟
أين التكنولوجيا العصرية التي تتباهى وتتفاخر بها إسرائيل؟
دولة في القرن الحادي والعشرين ولا تملك طائرة إطفاء واحدة!!!
دولة في بلاد الصيف الطويل الجاف لا تملك مواد لمكافحة النيران!
 دولة تملك تكنولوجيا عصرية متقدمة وأفرانا ذرية وأقوى سلاح جو في المنطقة وتملك الغواصات والطائرات والصواريخ والقنابل الذكية ولا تملك طائرة واحدة للإطفاء!! دولة تفخر بقوتها وعظمتها وتطلب مساعدة من دولة قبرص الصغيرة الفقيرة!
عقول قادة هذه الدولة وعيونهم لا ترى أبعد من أنوفهم.
يتسابقون على توزيع المليارات لبناء المستوطنات ودعم المستوطنين ويشترون سلاح الدمار ولا يشترون طائرة للإطفاء!
يعرفون كيف يشعلون الحرائق في المنطقة ولا يعرفون كيف يطفئون النار في كرملنا.
هذه النار التي هبّت دول العالم لإطفائها ونأمل أن تُخمد عاجلاً لا بد أن تشعل النار في مقاعد الكثيرين من المسؤولين وفي عقول الكثيرين من الناس.
كرملنا كان الضحية.
كرملنا كان تراجيديا هذا العام.
كرملنا احترق جماله وبهاؤه.
كرملنا لن يعود كما كان.
والنار التي ستُخمد في الكرمل لا بد أن تشعل النيران من أجل غد أفضل.

قد يهمّكم أيضا..
featured

في كُلِّ عامٍ جديد

featured

نوبل المرأة العربية

featured

عطر أسامة وعطر هيفاء

featured

عرفات جرادات وتوقيت الشهادة

featured

ألمدلولات الكارثية لدولة الشريعة اليهودية حسب مقاس نئمان!!

featured

تساقط اقنعة الزيف

featured

قراءة في فشل الخيارات الأحادية

featured

المشروع الاسرائيلي: تقسيم سوريا !