يغادر الممثل خشبة المسرح بعد أن ينطق كلمته الأخيرة أو بعد أن يؤدّي حركته الأخيرة وإلا فإنّ المخرج الحازم الصارم يصرفه بالطريقة التي يرتأيها ويبدو أنّ المخرج المسرحيّ السياسيّ، البيت الأبيض- رئيسا ومخابرات وبنتاجون- توصّل إلى استنتاج مفاده أنّ الشيخ أسامة بن لادن زعيم تنظيم القاعدة انتهى دوره السياسيّ والعسكريّ فقررّ تنفيذ حكم الإعدام الصادر بحقّه منذ سنوات عديدة بعد أحداث أيلول الدامية في الولايات المتحدة الأمريكيّة.
لماذا لم يقتل الأمريكان الشيخ أسامة بن لادن في السنوات الماضية؟ وهل يُعقل بأنهم كانوا يجهلون مخبأه؟ وهل عجزت مخابراتهم الواسعة والعريضة وأقمار التجسس والطائرات التي بلا طيّارين عن معرفة مخبأ الشيخ؟ وهل فشل السي.أي.أيه والمخابرات الباكستانيّة - وهما.... بلباس- عن معرفة مكمن الشيخ أو بيته وهو القاطن مع زوجته أو زوجاته في بيت كبير غريب الشكل بجوار مدرسة عسكريّة باكستانيّة؟
مجنون يحكي وعاقل يسمع.
لو قتل الأمريكان الشيخ أسامة بن لادن قبل سنوات وهو في ذروة مجده لكانت ردّة الفعل على اغتياله قويّة جدا ولتعرّضت المصالح الأمريكيّة لخطر كبير ولسقط ضحايا كثيرون من الأمريكيين والأوروبيين ولكن اليوم وبعد انتصار الثورتين الشعبيتين السلميتين في تونس ومصر واطاحتهما بابن علي وبمبارك وهذا برهان جليّ قاطع على انتصار الخط البديل لأسلوب أسامة بن لادن، لم يُحدِث اغتيال الشيخ أيّة ردة فعل من القاعدة وممن كانوا يتعاطفون معها ذات يوم، ونسي الناس بعد أيام قليلة مصرع الشيخ ولم يشاهده أحد على القمر أو في النجوم أو في السماء.
قبل أيام كنت أمشي في سوق القدس العتيقة فاقترب منّي أبو جلال وهو رجل متديّن يصلي الصلوات الخمس بأوقاتها ويشدّ الرحال أسبوعيّا منذ سنوات إلى المسجد الأقصى وأخرج من جيبه قارورة عطر صغيرة من النوع الشعبي الرخيص وسألني أن أمدّ راحتي ليعطّرها: هذا عطر الشيخ أسامة بن لادن. ثم أضاف: أكدّ البائع لي أنّ الشيخ كان يتعطر من هذا الصنف فمدّ يدك وشمّ!
اعتذرت لأبي جلال قائلا: أنا لا أودّ أن أشمّ عطر أسامة بن لادن أمّا إذا كان معك عطر هيفاء وهبي فأنا سأشمّه برغبة شديدة.
فسألني: وفي هذا العمر يا بو علي!
تذكرت ما حدث لي قبل خمسة عشر عاما عندما عادني صديقي الشاعر سميح القاسم بعدما علم بزيارة مرض السكري لجسدي - حفظكم الله من الأمراض وشفى المرضى منكم منها!- وجاء أبو محمد يحمل بيده اليمنى زجاجة عطر فرنسي ويحمل بيده اليسرى علبة حلوى يسيل اللعاب لمرآها وقدّم لي الهديّة وسألني مبتسما: ماذا تقول؟
لم يسبق أن سألني الشاعر عن معنى قصيدة له أو عن معنى بيت شعر في سربيّاته أو عن تعبير شعريّ ورد في مجموعاته الشعريّة حتى عندما كتب قبل عقود شعرا رمزيا غامضا.
أجبته: الهديّة تقول "شُمَّ!!" وأشرتُ إلى زجاجة العطر "ولا تذوقْ!!" (لا تذق) وأشرت إلى علبة الحلوى.
