إنه لمن دواعي سروري المشاركة في هذا اللقاء الهام للأحزاب الشيوعية والعمالية من مختلف أنحاء العالم كممثل للحزب الشيوعي الإسرائيلي، الحزب الأممي اليهودي-العربي، ان مشاركتنا في هذا اللقاء تأتي من الرؤية الإستراتيجية لأهمية تبادل الأفكار والمواقف ووضع إستراتيجية موحدة لأحزابنا التي تقف في طليعة النضال ضد الرأسمالية والاضطهاد الطبقي ومن أجل تحقيق العدالة الاجتماعية والاشتراكية والسلام.
إن حزبنا الشيوعي الإسرائيلي الذي توج احتفالاته بالذكرى التسعين لتأسيسه في السابع من الشهر الماضي في احتفال ضخم بمشاركة الآلاف من قدامى مناضليه الشيوعيين صانعي تاريخه الناصع، الى جانب الشبيبة الشيوعية الحرس الفتي لهذا الحزب وبمشاركة الوفود من الأحزاب الشيوعية والعمالية الشقيقة، جاؤوا ليؤكدوا متابعة هذه المسيرة المشرفة المستندة على وحدته الفكرية الماركسية - اللينينية وأمميته الثابتة كحزب عمالي يهودي - عربي في داخل دولة إسرائيل الدولة المحتلة والمهددة لأمن المنطقة.
إن صحيفة "الاتحاد" احتفلت كذلك في عيدها الـ 65 لتأسيسها، وهي التي حافظت على اللغة العربية والثقافة العربية للأقلية الفلسطينية في اسرائيل.
إن حزبنا الشيوعي الذي تأسس عام 1919 مر في العديد من المحطات الصعبة جدا في بلادنا التي مرت وما زالت في صراعات وحروب ونكبات عديدة، لكن مواقف الحزب وسياسته أثبتت صحتها، خاصة في اللحظات الصعبة ولو سار شعبا بلادنا والمنطقة على ما طرحه حزبنا الشيوعي لما وقعت علينا هذه النكبات والحروب والويلات. لم نرتكب أخطاء جوهرية لأننا تزودنا دائما بالأدوات الفكرية والسياسية الملائمة منطلقين من رؤية أممية تشكل تطبيقا للرؤية الطبقية الماركسية – اللينينية في واقع المسألة القومية المركب.
ألرفاق الأعزاء!
إن النظام الرأسمالي في إسرائيل يمر بأزمة عميقة مثل باقي دول العالم الرأسمالي لكن هذه الأزمة تتعمق في مجالات ثلاثة:
1. ألأزمة الاقتصادية وزيادة الاستقطاب الاقتصادي.
إن اللجنة المركزية للحزب الشيوعي تقدر أن الأزمة الاقتصادية العالمية المستفحلة، هي تعبير عن التناقضات الداخلية الجوهرية للرأسمالية ونتائج سياسة النيو ليبرالية، التي توسع الفجوات الطبقية بين أصحاب رأس المال والأجيرين.
إن اقتراح الميزانية والخطة الاقتصادية، التي قدمتها حكومة نتنياهو الى جانب كونها ميزانية عسكرة واحتلال واستيطان، فانها تهدف الى انقاذ كبرى الشركات على حساب تقليص الأجور وتوسيع البطالة والامتيازات الضريبية الأخرى للأغنياء، واستمرار التقليصات في الخدمات الاجتماعية.
في مجال التنمية الاقتصادية سيواصل الاقتصاد الإسرائيلي جموده الاقتصادي وعدم تخطي حدود تنمية بنسبة صفر بالمائة. فالناتج المحلي الإجمالي و الناتج القومي الإجمالي تقارير دائرة الإحصاء المركزية تشير الى انه في إسرائيل 1,650,000 إنسان فقير وهذا يساوي 24% من السكان. منهم 784,000 من الأحداث أي 34% منهم.
اما نسبة الفقراء بين الأقلية القومية الفلسطينية فانها تصل الى 48%!!
حصة الفرد اليهودي من مدخول عائلته أكبر بـ 120% من حصة الفرد العربي
اليهودي بإمكانه الصرف على الغذاء أكثر بـ 21% مما يصرفه العربي وعلى الصحة أكثر بـ 110% مما يصرفه العربي.
إن تفاصيل المعطيات وتحليلها يعكس واقعا رهيبا، عرفناه منذ عشرات السنوات، ولكن ما يثبت لنا الآن أن سياسة التمييز العنصري تستفحل أكثر، وهذا ما يثبته اتساع الفجوات بين اليهود والعرب.
اما البطالة والتي تشارف على 8% فإنها تصل بين النساء العربيات إلى ما فوق الـ 80%، كذلك 80% من الأكاديميين العرب لا يعملون وفق شهاداتهم الجامعية.
إن ما نشهده هنا هي سياسة تجويع وقهر تغتال لقمة الخبز، ونحن أمام مجتمعين، الأول يهودي وفق معايير الدول المتطورة، والثاني عربي وفق معايير الدول النامية الفقيرة.
والجدير تأكيده ان الميزانية العسكرية تبلغ نسبتها اكثر من خمسين بالمائة من حجم الموازنة العامة.
ميزانية الدولة تقتطع من التعليم والرفاه الاجتماعي والصناعة والإسكان لصالح العسكرة والتحضير لحرب جديدة علها تخرج البلاد من أزمتها الاقتصادية.
وحكومة اغناء الأغنياء وإفقار الفقراء تخفض ضريبة الدخل عن أرباب الرأسمال الكبير والشركات الاحتكارية، بتخفيض ضريبة الدخل للشركات من 65% الى 35%.
هذا الى جانب استمرار سياسة الخصخصة وبيع أملاك الدولة وأراضي الدولة والشركات الحكومية الى أصحاب رؤوس الأموال.
إن ظاهرة العنف والقتل مستفحلة داخل المجتمع الإسرائيلي، وسلطة المال تصل الى مؤسسات الدولة ولها تأثير أحيانا يكون حاسما، العصابات أصبحت تهدد السلطة القضائية أيضا مما يهدد بقايا النظام الدمقراطي، رئيس الحكومة الأسبق ايهود أولمرت يواجه المحاكمة على سوء استغلال السلطة لمصلحة اصحاب رؤوس المال.
إن حكومة اليمين والاحتلال الاستيطاني لا يتضمن برنامجها خطة لمواجهة الفقر والبطالة والمخرج من دائرة الركود الاقتصادي. فحكومة تنتهج ارتكاب الجرائم بحق الشعب الفلسطيني لا يمكن ان تنتهج سياسة اقتصادية توفق بين تكلفة سياسة العدوان الباهظة وتنمية الاقتصاد المدني وممارسة سياسة العدالة الاجتماعية.
2. ألتمييز العنصري في داخل إسرائيل ومسيرتها في اتجاه دولة الأبرتهايد.
في إسرائيل يعيش حوالي 1.25 مليون عربي فلسطيني الذين تشبثوا بأرضهم رغم النكبة والحروب وكل محاولات التهجير، إنهم أصحاب البلاد الشرعيون، هذه الأقلية القومية والتي هي جزء لا يتجزأ من الشعب الفلسطيني، يطالب بحقه أن يعترف به كأقلية قومية لها حقوق قومية مشتركة إلى جانب مطالبتها بالمساواة المدنية الكاملة.
هذه الاقلية والتي قتل منها عام 2000 برصاص الجيش والبوليس 13 شابا عربيا بدم بارد ولم تقدم لائحة اتهام لأي من القتلة والذين هم معروفون.
في بداية شهر تشرين الثاني اعلن المستشار القضائي للحكومة عن تقديم لائحة اتهام ضد عضو المكتب السياسي للحزب الشيوعي وعضو البرلمان الإسرائيلي ورئيس الجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة الرفيق محمد بركة بسبب مشاركته في 4 مظاهرات مختلفة مع شعبه ضد الحرب والعنصرية، هذا المحاكمة هي عبور لكل الخطوط الحمراء وهي المسمار الاخير في نعش الدمقراطية المزيفة في إسرائيل، ان حزبنا الشيوعي والذي سيتصدى بكل قوة للدفاع عن الرفيق بركة يدعوكم الى القيام بأوسع حملة تضامن عالمية مع رفيقنا لايقاف هذه المهزلة. ان حزبنا سيعمل على تحويل هذه المحاكمة الى لائحة اتهام وإدانة لكافة ممارسات الحكومة العنصرية.
عمليا نحن نشهد في السنوات الأخيرة موجة من التشريعات التي يقودها ويمررها اليمين الإسرائيلي في الكنيست، وهي تشريعات تسعى في الواقع إلى فرض معادلة جديدة على الفلسطينيين في الداخل، وفي التعامل مع الشعب الفلسطيني عموما. فإسرائيل تستغل المفاوضات مع القيادة الفلسطينية الرسمية، لرسم حدود واطر جديدة لعلاقتها مع الفلسطينيين في الداخل للحد من الحريات السياسية للأقلية العربية الفلسطينية، سعيا لتكريس يهودية الدولة والتفوق الرسمي والفعلي للمواطن اليهودي على المواطن العربي الفلسطيني، وتكريس دونيته القانونية كمواطن من الدرجة الثانية وحتى الثالثة، والقول له بوضوح ودون لبس إنه مواطن غير مساو للمواطن اليهودي. كانت إسرائيل تدعي أنها توفر الحقوق والحريات المدنية للأفراد، بمعنى أنها لا تعترف بالعرب كأقلية قومية، ولا بحقوق جماعية لهم، لكنها توفر لهم كأفراد المساواة الكاملة، هذه التشريعات هي في الواقع تعكس التدهور الخطير لنظرة المجتمع اليهودي الإسرائيلي للمجتمع العربي، وعدم اعترافه بحق العرب بالحصول على حقوق متساوية مثل المواطن اليهودي، وهو ما أكدته الاستطلاعات الأخيرة التي أفادت بأن ثلثي المواطنين اليهود وافقوا على مقولة عدم منح العرب حقوقا متساوية.
لقد قاد حزبنا في الاول من اكتوبر اضرابا عاما للجماهير الفلسطينية في داخل البلاد.
إن انزلاق المجتمع الإسرائيلي نحو الفاشية بات حقيقة مقلقة تتجاوز التهويل والدعاية اليوم، ونحن على شفير الهاوية، وعلينا استيعاب الأداة الأنجع لمكافحة الفاشية ووقفها قبل أن يفوت الأوان!
3. ألاحتلال الإسرائيلي والقضية الفلسطينية.
ما زال الاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية في القدس والضفة الغربية وقطاع غزة ، كذلك الجولان السوري وأراضي شبعا في لبنان مستمرا منذ 42 سنة، هذا الاحتلال هو لب الصراع في المنطقة وأي حديث آخر عن الإرهاب وغيره ما هو الا لذر الرماد في العيون، الإرهاب الحقيقي هو الاحتلال وموبقاته على الشعب الفلسطيني.
إن إسرائيل تحاول جاهدة تحويل الصراع الى نزاع بين الديانات المختلفة وخاصة في القدس لأن هذا من مصلحتها ويلتقي مع سياسة الامبريالية الأمريكية في ربط الإسلام بالإرهاب، ان الامبريالية الأمريكية هي التي خلقت وكبرت الحركات الأصولية من أجل محاربة الشيوعية في أفغانستان وغيرها، كذلك إسرائيل هي التي ولدت حماس لمحاربة منظمة التحرير الفلسطينية، إن هذه الحركات لا تمت للدين بصلة وعلينا التأكيد دائما على هذا الانفصال ومجابهة الاصولية الدينية.
إن حالة الانقسام على الساحة الفلسطينية هو أمر غاية في الخطورة ويهدد مستقبل القضية الفلسطينية وهو صورة لالتقاء عمل الثالوث الدنس: الامبريالية والصهيونية والرجعية العربية، لان هذا الانقسام يخدم فقط إسرائيل.
إن حزبنا الشيوعي يرى بأهمية دور منظمة التحرير الفلسطينية كممثل شرعي ووحيد للشعب الفلسطيني، هذا الدور الذي تنحى في السنوات الأخيرة لصالح السلطة الوطنية، والتي اكتشف قادتها مؤخرا أنها قد أنهت دورها وستتحول الى إدارة مدنية تحت سلطة الاحتلال الإسرائيلي. لقد راهنت هذه القيادة أن كل أوراق الحل بأيدي الولايات الأمريكية المتحدة وراهنت فقط عليها واليوم فشل رهانها.
إن حزبنا يقيّم بحزن ضعف قوى اليسار عالميا وإسرائيليا، كذلك على الساحة الفلسطينية وازدياد قوة التيارات الأصولية وضعف طرح بديل سياسي نضالي حقيقي لمناهضة الاحتلال وبما أن الشعوب لا تعيش في فراغ لذلك قويت حماس وأصبح حتى التقدميون يرون فيها قوة مناهضة للاحتلال وأمريكا، ان حزبنا يقف الى جانب كل حركة مناهضة للاحتلال لان المقاومة حق مقدس، لكن على التقدميين ألا ينخدعوا بالمظهر بل يحللوا الجوهر.
للرجعية العربية التي تتربع على عروش دولها دور خطير وهي شريكة كاملة في المؤامرات المحاكة على الشعب الفلسطيني من الصهيونية والامبريالية الأمريكية، وللشيوعيين دور هام في تعرية هذه المواقف وتوضيحها للشعوب.
ألطريق للخروج من الأزمة في إسرائيل:
* إنهاء الاحتلال والانسحاب الإسرائيلي الكامل إلى حدود عام 1967 وتفكيك المستوطنات والاعتراف بحق تقرير المصير للشعب الفلسطيني.
* إقامة الدولة الفلسطينية المستقلة إلى جانب إسرائيل وعاصمتها القدس العربية وحل قضية اللاجئين وفق قرارات الأمم المتحدة بالعودة أو التعويض.
* ألاعتراف بالجماهير الفلسطينية في إسرائيل كأقلية قومية وإعطاؤها المساواة الكاملة في وطنها وإعادة أراضيها المسلوبة وعودة اللاجئين في وطنهم الى قراهم المهجرة.
* تفكيك الترسانة العسكرية الإسرائيلية النووية ووقف سباق التسلح النووي وليس تهديد من يبحث عنه.
* ألسلام العادل والحقيقي هو الذي يعطي الأمن لإسرائيل ويغير سلم الأولويات الاقتصادي من ميزانية الحرب إلى الرفاه الاجتماعي والتعليم والإسكان.
* زيادة قوة حزبنا الشيوعي وقوى اليسار عامة هي صمام الأمان للخروج من هذا النفق.
* سننشد أبدا بناء الاشتراكية لأنه النظام الذي سيمنح المجتمع العدالة الاجتماعية المرجوّة علينا ايضا المسؤولية لتوضيح اشمل حول ماهية الاشتراكية، خاصة بعد انهيار الاتحاد السوفييتي.
إن حزبنا يقيّم عاليا هذا اللقاء والجهود المبذولة لتوحيد مواقف الشيوعيين في العالم، " يا عمال العالم اتحدوا" هذا شعار واقعي وصحيح بالاضافة له علينا رفع شعار " يا احزاب شيوعية اتحدوا" لان وحدة الشيوعيين هي الحجر الاساس لتقوية البديل الاشتراكي.
أتوجه بالشكر العميق لرفاقنا الشيوعيين في الهند (CPI) – CPI Marksist على استضافتهم هذا اللقاء الشيوعي الهام على أمل ان تكون هذه الاستضافة الموحدة خطوة لتحقيق وحدة الشيوعيين في الهند! وباسم جميع الشيوعيين في إسرائيل أوجه تحياتنا الثورية لكافة الشيوعيين والتقدميين في العالم في نضالهم الدؤوب والعنيد لتحقيق أهدافنا من أجل التقدم والحرية والعدالة الاجتماعية في سبيل نصر الاشتراكية.
(كلمة الرفيق فاتن غطاس- رئيس لجنة المراقبة المركزية وممثل الحزب الشيوعي الاسرائيلي في افتتاح لقاء الاحزاب الشيوعية والعمالية في الهند 20.11.2009)
