غلاف كتاب الزميل الصحفي تميم منصور
الاستاذ تميم منصور ابن طيرة المثلث رجل مطالع من الدرجة الاولى ووطني صادق كل الصدق عندما يعالج قضايا الساعة التي يعيشها الشعب الفلسطيني في الضفة والقطاع وفي الشتات وقضايا جماهيرنا العربية في الداخل الاسرائيلي وقضايا الوطن العربي الأرحب، صاحب فكر متوقد وواع لما يدور حولنا من احداث سياسية، اجتماعية، اقتصادية، ثقافية وهو صاحب رصيد كبير في الوعي الفلسطيني والعربي بحيث يميز بين الغث والسمين والصحيح من المعوَّج والحقيقي من المزوَّر.
كمؤرخ يعتز بوجود الذاكرة الفلسطينية التي تحفظ الكثير من التفاصيل الشعبية والحياتية والثقافية والتراثية والتاريخية فهو يرى بالذاكرة كنز الوجود الذي يجب أن يتمسك به الفلسطيني لذلك يحاول عبر كتاباته التفتيش في الزوايا والخبايا عن اللحظات التي من الممكن ان تفلت وتتسرب من بين يدي التاريخ لذلك يسعى لجمعها وحفظها.
كتاب (ايام فلسطينية) الذي صدر عام 2011 يروي فيه قصة كفاح الشعب الفلسطيني ونهوضه الثقافي والرياضي والاجتماعي، الكاتب تميم منصور وضع اصابعه على صفحات تصفع الشائعات والادعاءات التي تقول ان هذه الارض كانت بدون شعب، وهي للشعب اليهودي معتمدين على ما يسمى بالحق التاريخي كما ورد في التوراة وفي وثيقة الاستقلال التي اعلنت في الكنيست عام 1948 عند قيام دولة اسرائيل.
انه يكشف عن المؤسسات والتنظيمات العسكرية والحركات الكشفية والجمعيات الثقافية، وأن التوهج الثقافي لأية أمة هو الدليل الكافي على أن الأمة كانت مضيئة وتمر في مراحل القوة، لكن المؤامرات كانت تحيط بالشعب الفلسطيني من كل الجوانب ومن كل الأطراف الغربية والعربية، حتى وصل الى وقوع النكبة التي فجرت وجوده وحولته الى اشلاء متناثرة في اللجوء والشتات.
تقول الكاتبة شوقية عروق في تقديمها لهذا الكتاب:
ان الكاتب يرتب اوراق الذاكرة ويشير الى صور ليست من اختراع الخيال وومضات الماضي الراحل، بل يشير الى عطر شعب ما زالت رائحته تملأ فضاء التاريخ! وتضيف في الصفحة التالية وبشكل واضح:
"سنرفض خياطة الأفواه بخيوط الهدوء لأن الزمن سئم حياكة التنازلات المثقلة بالهزائم" ص(10-11). وفي مقدمته لهذا الكتاب يشير الكاتب تميم منصور الى اهمية بحثه هذا خاصة وان أطر النضال والكفاح الفلسطيني التي ساهمت في خلق بيئة اجتماعية متطورة وواعية داخل صفوف المجتمع الفلسطيني قد اهملت، وقد جاء هذا الاهمال استمرارا لسلسلة من الادعاءات الباطلة والتي تفيد بأن المجتمع الفلسطيني لم يعرف النضال الحقيقي ولا التنظيم المؤطر قبل قيام الدولة وهذا كان احد اسباب نكبة سنة 1948، قد تكون هذه الاطر فشلت في منع الهزيمة الا ان ذلك لا يعني بالمرة ان هذه الأطر لم تعمل ولذلك يجب اهمالها، لأن هناك عشرات العوامل التي ادت الى الهزيمة الكبرى ،النكبة، الا ان ما يجب ان نعمله وما قام به الكاتب الباحث هو إحياء الذاكرة الفلسطينية وتوضيح ما كان ولا يزال غير واضح وفضح المؤامرات التي لعبتها بعض القيادات الفلسطينية والعربية والأنظمة العميلة لدول الاستعمار التقليدي والخيانات التي مارسها بعض القادة على مذبح المصالح الفردية والشخصية بحجة الدفاع عن القضية، جميع هذه العوامل كانت اسبابا مباشرة وغير مباشرة ادت الى النكبة والهزيمة التي غيرت مجرى التاريخ وحياة الشعب الفلسطيني، هذا ونحن نذكر المقولة الشهيرة التي تنص على ان الشعب الذي لا تاريخ له ليس له مستقبل، ونحن نرفض هذه المقولة لإننا نعتز بماضي امتنا وبحضارتنا العربية الاسلامية بغض النظر عن انتمائنا العقائدي الديني!
من هنا أتت اهمية هذا الكتاب الذي يوثق فيه الكاتب تميم منصور نضال جماهير شعبنا منذ مطلع القرن العشرين في مقارعة المطامع الصهيونية،ومنذ اعلن المؤتمر الصهيوني عام 1898 في مؤتمر بازل انهم يرون في فلسطين وطنا قوميا لليهود وجاءت حكومة جلالة ملك بريطانيا بوعد وزير خارجيتها ووزير المستعمرات في حينه السفاح جيمس ارتور بلفور بالوعد بأن حكومة جلالته ستبذل غاية جهدها من اجل اقامة وطن قومي لليهود على ارض فلسطين! فمن اين لهذا السفاح ولحكومته الحق في توزيع ارض فلسطين لغير الفلسطينيين؟
*أطر النضال الفلسطيني التنظيمي*
في فصول هذا الكتاب يوجز المؤلف قوائم تحوي كل من شارك في احد الاطر التنظيمية الفلسطينية منذ مطلع القرن العشرين ويؤكد ان دينامكية الشعب العربي الفلسطيني هي التي دفعت جماهير الشباب الى الانضمام لهذه الأطر على الرغم من الظروف الصعبة التي كانت تعيشها جماهير الفلسطينية في حينه، هكذا ظهرت منظمات الكشاف العربي الفلسطيني في مختلف المدن والقرى العربية الفلسطينية،ونحن نعرف ان هذه المنظمة تؤكد على محبة الوطن والاخلاص له والايمان بالله والعمل الرياضي والتطوعي للتغلب على مشقات الحياة واقامة المخيمات لتدريب الشباب على شظف العيش واعدادهم اعدادا سليما ليكونوا جنود المستقبل عندما تدعوهم الحاجة لذلك، كانت منظمات الكشاف تدعو الى تجذير وتعميق الهوية الفلسطينية عبر الاناشيد الوطنية كنشيد "الجندي يخدم امته – وحياة الامة بالجند" أو نشيد "نحن جند الله ابطال الكفاح" وغيرها من الاناشيد التي تضخ الروح الدفاعية في دم الشباب.
من اهم اسس و مبادئ الحركة الكشفية يأتي التنظيم والاعتماد على النفس والشجاعة والتغلب على الصعاب وطاعة القائد والتضحية ومساعدة الآخرين، وكان في بعض التنظيمات اطر الفروسية كركوب الخيل والتدريب على استعمال السلاح ومساعدة الجيوش في ايصال الادوية والطعام والمعدات وكل ما نسميه بالمصطلح المساعدة اللوجستية أي كل ما يحتاجه الجندي قبل واثناء وبعد المعركة.
مهم ان نذكر ان منظمة الكشاف الفلسطيني لم تتدخل في الحياة الحزبية السياسية لانها بقيت خارج ساحات اللعبة السياسية، وقد بقيت منظمات الكشاف الفلسطيني فعالة حتى عام النكبة عندما تشتت الشعب الفلسطيني فتفرقت هذه المنظمات الا انها عادت تنتظم من جديد بعد عام 1964 بعد ان اصدر الحاكم العسكري المصري لقطاع غزة قرارا بتشكيل الهيئة العامة الفلسطينية للكشافة والمرشدات فكانت بمثابة امتداد لجمعية الكشاف العربي الفلسطيني، وقد جمعت هذه المنظمة اربع هيئات كشفية هي:
1. جمعية الكشاف البحرية.
2. جمعية الكشاف الجوية.
3. جمعية الكشافة البرية والفتيان.
4. جمعية المرشدات.
هكذا ظلت هذه الجمعيات تعمل في انحاء قطاع غزة كافة حتى عام 1967 عندما احتلت اسرائيل قطاع غزة ومنعت أي نشاط كشفي.
بينما انضم كشاف الضفة الغربية في اطار حركة الكشاف الاردنية، وهكذا في عام 1983 تم تشكيل الحركة الكشفية الفلسطينية في الضفة الغربية وقطاع غزة وانضمت اليها معظم المجموعات الكشفية وتم انتخاب المجلس الأعلى الكشفي من ستة اعضاء وتم الاعتراف بهذه المنظمة دوليا عام 1996
الجدير بالذكر ان الكاتب سلط الأضواء على أحد مظاهر الحضارة لدى الشعب الفلسطيني وهي اقامة الاتحاد الرياضي الفلسطيني الذي كان في محتواه التنظيمي والاداري لا يختلف عن أرقى الاتحادات الرياضية التي كانت قائمة في العالم آنذاك، فقد أقام هذا الاتحاد فرقا متميزة في كرة القدم وكرة السلة وكرة الطائرة والمصارعة والعاب القوى المختلفة حتى سباق الدراجات، كما نظم هذا الاتحاد مباريات دورية متميزة واقام الملاعب الاولمبية أهمها ملعب البصة في يافا وكان أكبر ملعب في فلسطين مزودًا بالمدرجات وبالعشب الأخضر وبعد احتلال مدينة يافا بقي هذا الملعب يحمل ذات الاسم حتى سنة 1960 ثم استبدل باسم (بلومفيلد) الحالي ولا ننسى أن المنتخب الفلسطيني في كرة القدم قد شارك مرتين في مباريات كأس العالم احدها سنة 1934 والثانية سنة 1938.
*التنظيم الاسلامي يتحول الى تنظيم قيادي *
عمل الفكر الاسلامي الاصلاحي على جمع كلمة المسلمين في فلسطين منذ بداية العشرينيات هكذا ظهرت في مصر مجلة (المنار) ناطقة باسماء بعض القيادات الاصلاحية الاسلامية امثال احمد عرابي باشا ومصطفى كامل وحتى سعد زغلول، في هذه الاثناء كان بعض الشباب الفلسطيني يتعلمون في الازهر ويتابعون نشاط هؤلاء القادة الاصلاحيين ويتأثرون بأفكارهم.
في هذه الفترة الغنية بالتأثر وافكار الحرية ظهر الشيخ عز الدين القسام ( 1871- 1935 ) الذي قدم الى فلسطين واستقر في حيفا واعلن ان طريق الجهاد المسلح ضد سلطات الانتداب هي الطريق لتحرير فلسطين، لقد آمن الشيخ عز الدين القسام بان النضال يجب ان يتمحور حول العروبة والاسلام وان السبيل الوحيد لانتزاع الحرية والاستقلال هو الكفاح المسلح وان فلسطين لا يمكن ان تتحرر الا بواسطته، ولكن استشهد القسام اثر كمين نصبه له الجيش البريطاني عام 1935 ودفن جثمانه في قرية بلد الشيخ قرب مدينة حيفا.
اما الحاج امين الحسني (1897- 1973) فكان أصغر الزعماء سنا وقد عين مفتشا لعموم فلسطين ورئيسا للمجلس الاسلامي الأعلى في فلسطين والذي حوّله الى قيادة وطنية فلسطينية تشمل المسلمين والمسحيين.
الى جانب هذين القائدين ظهرت مجموعة من المفكرين الاصلاحيين الفلسطينيين عملت على دعم الفكر الثوري الفلسطيني وخلدت صفحات ناصعة في سبيل الدفاع عن فلسطين ومنهم:
الشيخ سعيد الكرمي (1852- 1935) والمفتي الشيخ عبد الله الجزار ( 1855- 1939 ) والشيخ منيب هاشم ( 1855 – 1924) والشيخ علي الريماوي ( 1860- 1919 ) والشيخ خليل الخالدي ( 1863- 1941 ) و الشيخ طاهر الطبري ( 1895 – 1959 ) و الشيخ عبد الله القلقيلي ( 1899- 1973 ) والشيخ عبد الله غوشة ( 1908 – 1977 ) وغيرهم.
في هذه الفترة أي في سنوات العشرين من القرن العشرين بدأت تظهر المنظمات العمالية ولما كانت مدينة حيفا مركزا صناعيا فقد ظهرت فيها اولى المنظمات العمالية وعلى رأسها مؤتمر العمال العرب ثم جمعية العمال العربية الفلسطينية 1925 التي اعترفت بها بريطانيا عام 1944، كان الزعيم العمالي ميشيل متري احد قادة هذا التنظيم العمالي الفلسطيني الا ان ايدي التآمر اغتالته عام 1936 مع بداية الاضراب الذي سبق الثورة العربية الكبرى في فلسطين. في هذه الفترة ظهر الحزب العربي الوطني المقرب من الحاج امين الحسيني والحزب السوري القومي ثم التيار الشيوعي بقيادة فؤاد نصار سكرتير فرع الناصرة وفهمي السلفيتي من قادة الفرع في غزة وسعيد قبلان وموسى قويدر من يافا و سامي طه وعبد الحميد حيمور، حمل التنظيم الشيوعي العمالي الجديد اسم مؤتمر العمال العرب عام 1945 وكان قد اصدر صحيفة الاتحاد عام 1944.
الى جانب الاحزاب كانت هناك عشرات الجمعيات منها الخيرية ومنها الارثوذكسية ومنها التعليمية والتربوية والجامعية والاسلامية ومجموعة كبيرة من النوادي منها النادي الارثوذكسي والاخاء العربي والاهلي ونادي الاحداث ونادي الاحرار والنادي الادبي ونادي اسامة بن زيد ونادي الامل وغيرها العشرات في مختلف المدن والقرى.
كما ظهرت مجموعات من الروابط الادبية في القدس وحيفا وصفد وبيسان ويافا والمكتبات والنشرات الادبية ثم كثرت المطابع من اجل ايصال الكلمة للقراء مع ان نسبة الامية كانت عالية الا ان الاصرار على تفعيل الاجواء الثقافية كان له النصيب الاكبر من التصميم والارادة.
وبرز دور المنظمات مثل منظمة النجادة وفرقة الفتوة وكان المحامي محمد نمر الهواري رئيسا لمنظمة النجادة، الا ان الحسينيين كانوا يؤيدون تنظيم النجادة علنا ويقاومونه سرا وكانت هذه المنظمة ذات طابع عسكري تطالب بحقوق الامة العربية كما اعلنت ولاءها للحاج امين الحسني الا ان الحزب العربي الحسيني لم يؤيد التنظيم! اشترط الحسينيون على النجادة ان تتبع الحزب العربي الحسيني فرفضت النجادة ذلك وظل الخلاف بينهما قائما.
اما منظمة الفتوة فكانت تعارض النجادة مما اضعف التنظيم، هكذا جاء عام النكبة سنة 1948 والخلاف الفلسطيني على اشده.
اختير المحامي محمد نمر الهواري قائدا لمنظمة النجادة وكان معارضا للحاج امين الحسيني اعتقد الكثير من المراقبين لأحداث النكبة بأن الهواري كان متمردا على الهيئة العربية العليا بقيادة الحاج امين الحسيني، كما اتهم هذه الهيئة بالخداع والفشل والفوضى والمحسوبية في تعاملها مع الأحداث، كما عارض دخول الجيوش العربية الى فلسطين، ومن منطلق رفضه استخدام العنف لمنع تنفيذ قرار التقسيم فقد عبر عن هذه المواقف من على صفحات كتابه سر النكبة، ص 274)) ولكنه اختلف مع مواقف الحزب الشيوعي بعد قيام الدولة.
كان موقف الهواري يدعو الى التعايش السلمي مع اليهود، وقد اعتزل العمل السياسي واكتفى بنشاطه في المحاماة و تم اختياره قاضيا في المحكمة المركزية في الناصرة.
في الفصول التالية يتحدث المؤلف عن التنظيمات العسكرية الفلسطينية العربية مثل جيش الانقاذ الذي أنشأته الجامعة العربية وضم حوالي خمسة آلاف متطوع من الأقطار العربية كافة كما أشار الكاتب الى المجاهد عبد القادر الحسيني بتحاشي الفشل في العمليات العسكرية ودوره في اقامة جيش الجهاد المقدس وقد خاض هذا المجاهد معركة القسطل واستشهد فيها وهو يدافع عن مدينة القدس، وركز الكاتب تميم منصور على دور العديد من القادة العسكريين في جيش الانقاذ ودورهم في فشل عملياته العسكرية من هؤلاء القادة اسماعيل صفوت و طه الهاشمي و فوزي القاوقجي وأديب الشيشكلي.
كانت نتيجة فشل المواجهات العسكرية مع اليهود التوقيع على اتفاقيات الهدنة مع الدول العربية التي شاركت في هذه الحروب وهي مصر والاردن وسوريا ولبنان.
الكتاب أعاد للذاكرة دور شعبنا الحضاري ومواجهته لعملية المسح والتهميش والذوبان.
واشارك الكاتبة شوقية عروق في تقييم الموقف ان تاريخنا الفلسطيني هو محبرة ضخمة ننشل منها الحروف والكلمات لنكتب الحكايات منذ البدايات وومضات الماضي الراحل التي تشير الى عطر شعب ما زالت رائحته تملأ فضاء التاريخ.
