في الثقافة والسياسة

single

مع تشكّل أنظمة عربية ديمقراطية مستندة إلى إرادة الجماهير ستدخل القضية الفلسطينية منعطفاً نوعياً لم نعهده من قبل

 


*غالبية الفضائيات التلفزيونية التي تكاثرت في محيطنا العربي كانت مكرسة لإلهاء الناس عمّا يجري من حولهم، وعما يُرتكب بحقّهم وبحقّ أوطانهم من جرائم وعسف وتطاولات، ومن فساد وسرقة وتخريب للاقتصاد الوطني لمصلحة نخب طفيلية، وكان من نتيجة ذلك ظهور التشوّهات في البنى الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والأخلاقية.. لكن الثورات الشعبية العربية تجعل هذا الوضع في طريقه للاندحار*


يعيش الوطن العربي من الماء إلى الماء وضعاً نوعياً غير مسبوق بعد اندلاع الثورتين الشعبيتين التونسية والمصرية وما تلاهما من ثورات مرشّحة لأن تضع شعوبنا العربية، ومن ضمنها الشعب الفلسطيني، على طريق الحرية والكرامة والديمقراطية والعدالة الاجتماعية، وذلك بإنجاز بناء الدولة المدنية التي تترسّخ فيها المواطنة، من دون تمييز أو امتهان لكرامة الإنسان، أو إثارة للنعرات الطائفية أو الإقليمية.

وكما يبدو من سياق ما يجري من ثورات شعبية ومن تظاهرات احتجاجية في عدد من الأقطار العربية، فإنّ زمن توحّش السلطة السياسية الحاكمة في الدولة العربية القطرية ذاهب إلى نهايته المتوخّاة، وإنّ زمن إبعاد الجماهير عن السياسة وعن الثقافة الجادة والفن الراقي، وإغراقها في الوقت نفسه في فيض من منتجات الثقافة الاستهلاكية المسطّحة التي تخاطب الغرائز وتحتقر العقول، إنما هو في طريقه إلى الاندحار ليحلّ محلّه زمن جديد قد لا يكون سهلاً لكنه غير بعيد، من سماته المتوقّعة عودة الجماهير بفاعلية واقتدار إلى ميادين السياسة وإلى مسرح التاريخ، ليكون لها رأيها في كل شأن من شؤونها وشؤون الوطن سواء بسواء. ومن سماته المتوقّعة كذلك، الاهتمام الجاد بالثقافة الوطنية ذات الأبعاد التقدمية الديمقراطية والإنسانية، باعتبارها التعبير الصحيح عن إنسانية الإنسان، وعن تحصين وعيه ضدّ الخرافة والوهم وغسل الأدمغة، وصرف الشباب عما تعيشه مجتمعاتهم من قضايا لا يجوز الانصراف عنها إلى غيرها مما لا ينفع المجتمع ولا تستقيم معه الحياة.

لقد شاهدنا في السنوات العشرين الماضية مئات الفضائيات التلفزيونية التي تكاثرت في محيطنا العربي، وكانت الغالبية العظمى منها مكرسة لإلهاء الناس عمّا يجري من حولهم، وعما يُرتكب بحقّهم وبحقّ أوطانهم من جرائم وعسف وتطاولات، ومن فساد وسرقة وتخريب للاقتصاد الوطني لمصلحة نخب طفيلية أثرت وملأت جيوبها وحساباتها السرية في مصارف العالم، بأموال مسروقة من عرق الشعوب العربية وكدّها وكدحها.

وكان من نتيجة ذلك، ليس فقط ظهور التشوّهات في البنى الاقتصادية للمجتمعات العربية، بل إن التشوّه طال البنى الاجتماعية والثقافية والأخلاقية وأدى إلى قلب المعايير. وكنا نحن، ونحن نعاني من فداحة الاحتلال قد تأثرنا بذلك إلى حدّ غير قليل، فانهارت القيم النبيلة، قيم الصدق والنضال والتضحية والوفاء، وحلّت محلّها قيم الأنانية والغشّ والخداع والتعصّب والنفاق. وانهار مستوى التحصيل العلمي في المدارس والجامعات، وضعفت مكانة الثقافة الجادة ولم يعد لها دور ملموس في حياة الناس، واستفحلت نزعات المحافظة والترويج للخرافة والترّهات التي لا يربطها رابط مع التفكير العلمي، وتعمّق التمييز ضدّ النساء، وخفتت الأصوات المنادية بالمساواة بين المرأة والرجل، وانتعشت الثقافات المحلية التي تعلي من شأن العائلة والعشيرة على حساب الانتماء للوطن، والتي تجد ضالتها المنشودة في تغذية النزعات الجهوية في أوساط الناس.

غير أن المفاجأة التي أبرزتها الثورتان التونسية والمصرية ومن بعدهما الثورات التي لم تصل بعد إلى برّ الأمان، هي ما وقع فجأة من دون توقّعات مسبقة. فالشعب الذي ظنّ الحكّام أنهم دجّنوه بالحديد والنار والعسف وظلام السجون، بحيث لن يعود قادراً على تحدّي العسف، ثار على العسف وخيّب ظنّ الحكّام. والشعب الذي ظنّوا أنهم أمعنوا في تجهيله عبر أجهزة إعلامهم المضلِّلة، بحيث لن يتمكن من معرفة الحقيقة، لم تستطع هذه الأجهزة تضليله، فلم يستمرّ في السكوت على ما جرى ويجري من تجاوزات. بل إنه بعزيمة شاباته وشبابه كسر حاجز الخوف من الحاكم المستبد وأجهزته القامعة، ثم  مارس الدخول على نحو كثيف إلى ساحات النضال الذي سيمهّد لإنهاء حقبة طويلة مظلمة من الفساد والاستبداد.

إنّ ما جرى ويجري في محيطنا العربي له تأثير بالغ على صراعنا مع الاحتلال. ومن واجبنا أن نسارع  إلى استخلاص الدروس مما جرى ويجري، وإلى إطلاق العنان لقدراتنا الكفاحية والعلمية والثقافية والاقتصادية على النحو الذي يخدم قضيتنا الوطنية. من واجبنا كذلك، الشروع في ترتيب علاقاتنا مع المحيط العربي على نحو أكثر فعالية وخدمة للقضية الفلسطينية، خصوصاً ونحن نعلم علم اليقين أن دولة الاحتلال كانت وما زالت تستنسر علينا بفعل الضعف العربي الذي جعل التأييد العربي للقضية الفلسطينية في أضعف حالاته، ولم يكن أبداً في المستوى المطلوب.

الآن، في هذا الزمن الذي يأخذنا إلى مشارف عصر جديد، وأمام فرص تشكّل أنظمة عربية ديمقراطية مستندة إلى إرادة الجماهير، ستدخل القضية الفلسطينية منعطفاً نوعياً لم نعهده من قبل. ولذلك، علينا نحن الفلسطينيين أن نسعى إلى اصطفاف مترفّع عن المصالح الفئوية الضيّقة، لكي ننهي الانقسام بين جناحي الوطن، ولكي نتوصل إلى صيغة للوحدة الوطنية تأخذ الشراكة السياسية فيها مكانها الصحيح، بحيث يتخلّص النظام السياسي الفلسطيني من مظاهر الشمولية والهيمنة وتهميش القوى السياسية الأخرى، وبحيث يسهّل للجماهير دخولها الحرّ إلى ميدان السياسة، ويساعد على تجميع القوى السياسية وهيئات المجتمع المدني لتحقيق الهدف الرئيس الذي نصبو جميعا إليه ألا وهو: إنهاء الاحتلال الإسرائيلي لأرضنا، وانتزاع أهدافنا المشروعة في الحرية والعودة والاستقلال.

وفي ما يتعلق بالثقافة والفن في الزمن الجديد، فمن حقّنا أن نتوقّع دوراً خلاقاً للثقافة والفن في التعبير عن هذا الزمن، وفي التعبير عن هموم الناس بأساليب فنية تقتضيها أوضاعنا الراهنة المتمثّلة في استمرار المحتلين الإسرائيليين المدعومين من الإدارة الأمريكية، في التنكّر لحقوقنا الوطنية في بلادنا. وفي ظني أنّ ما نحن بحاجة إليه الآن، هو أن يمعن مثقفونا وفنانونا النظر نحو المستقبل، لاستشراف ما هو جدير بأن تشتمل عليه ثقافتنا وفنوننا من رؤى واجتهادات، وبما يعزّز إصرار شعبنا على التحرّر من الاحتلال، وعلى الإسهام الفعّال في مساندة التغيير نحو الأجمل والأفضل والأعدل الذي يشهده الوطن العربي هذه الأيام.

كاتب وأديب فلسطيني

قد يهمّكم أيضا..
featured

يوم المرأة، تحيّة ومساواة وحريّة

featured

مئتان وخمسون شمعة لحيفا

featured

بيبي نتنياهو دون كيشوت العصر

featured

أمثال أبراهام بورج ذخر

featured

التصويت للجبهة تصويت للحياة الانسانية الجميلة

featured

الضلع الأعوج مشكلة الرجل..!

featured

الردع والحماية والتثقيف معا!

featured

وشهد شاهد من اهله!!