الموتى اللي فوق والموتى اللي تحت

single
هناك مسرحية للكاتب المسرحي المصري نعمان عاشور تحت عنوان (الناس اللي فوق والناس اللي تحت) ولكن من يتأمل في العنوان قد يجد أيضًا أن هناك (الموتى اللي فوق والموتى اللي تحت) ليس من منطلق المعنى الكلاسيكي أن هناك موتى ولكن في الواقع هم يعيشون ويتزوجون، بل هناك موتى لهم المقابر والرعاية والفخامة! وهناك موتى تُرمى جثثهم في الأراضي الغريبة دون أن تجد الرعاية والانتباه ومع الزمن يكون الزوال..!!
كنت أتساءل عن مصير هؤلاء الذين يهربون عبر البحار من اوطانهم، أين تنام جثثهم نومتها الأخيرة؟ خاصة الجثث الفلسطينية التي نسمع عنهم يوميًا، قبل عدة أيام اعلن عن غرق أحد القوارب المحملة بشبان فلسطينيين، ولم يكلف الإعلام نفسه بمتابعة مصير الجثث العائمة، التي ماتت وهي ترتعش، وقد صدقت حينها قول أحد الجدود كالمستجير من رمضاء الوطن بنار الغرق، وقد يقول قائل ان الأحياء لا يجدون الرعاية والاهتمام ويعيشون العيش الملعون بالملاحقة والردم والفقر والجوع والتشرد.. حتى تحولت حياتهم الى سلسلة من العذاب التاريخي، فكيف سنكرم الموتى، حتى أن اسرائيل تقوم بنبش المقابر أو نسفها واقامة المستوطنات والحدائق فوقها، لكن كان السؤال في رأسي أين يذهبون بجثث الفلسطينيين المشردين في الشتات، أين تذهب جثث الغرقى.. وفي أي أرض تكون وهل هناك من يهتم بها؟  
هل من قبيل الصدف أن تكون آخر قصائد الشاعر الفلسطيني معين بسيسو الذي ولد في غزة  و مات في لندن ودفن في القاهرة ( قصيدة في زجاجة ) حيث يقول فيها:
وطن يفتش عن وطن
زمن.. زمن
زمن تكون فيه وحيدًا به
كالفراشة في سحابة...
حياة الشاعر معين بسيسو تلخص حياة الفلسطيني الشارد، التائه، هو لم يسافر في البحر، لكن هناك المئات  سافروا  في البحر في رحلة الموت متعلقين بحبال النجاة، لكن الموت صرعهم،  ثم يحصون جثتهم مع باقي الجثث التي حاولت الفرار، فكان قرار الغرق في انتظارها، وبدلًا من الوصول الى شاطئ الأمان يكون شاطئ النهاية، واذا كان هناك الحظ الوافر للشاعر معين بسيسو أنه مات على سرير نظيف في العاصمة لندن، ودفن في مدينة القاهرة وليس في وطنه، هناك مئات الفلسطينيين يواجهون وحشية البحر الذي  يقسو عليهم كما تقسو عليهم الظروف السياسية والأنظمة والمؤامرات.
وما دام الشاعر معين بسيسو الآن يقف خارج  الذاكرة، فهو الغزي الذي دفن بعيدًا عن غزة، هناك مقبرة في غزة ليس لأهل غزة والفلسطينيين ولكن للغرباء... قبل سنوات، حين كان السفر الى قطاع غزة متاحًا والحركة التي كانت تنبض ببركة اللقاءات، حيث يتنفس عطر الوطن في الضحكات والمشتريات والأسواق والشوارع والملاهي والأرصفة التي تشعر أنها تستقبلك رغم الحواجز المقيتة ووجوه رجال الجيش والأمن الاسرائيلي، الذين كانوا يحفرون تحت الأصل والفصل، يتفقدون جسمك وصوتك، وبعد أن تهترئ صفحات الهوية من كثرة التقليب، وهم يحدقون في الملامح، يسمحون لك بعد الدخول عبر الحواجز الضيقة التي هي أشبه بحلابات البقر حسب رأي الذين يعملون في الحظائر.
كانت مدينة غزة تستقبلنا فرحة بالجزء الآخر من الوطن.. في احدى المرات ونحن نتجول وصلنا الى  مساحة شاسعة، خضراء، كيف في هذا الازدحام والبيوت الملتصقة بعضها ببعض، والعمارات المشرئبة بطولها تناطح الضباب هناك منطقة هادئة؟؟ المنظر غريب وكأنه قطعة من الجمال سقطت من السماء، العشب الأخضر اليانع المرتب والمقصوص بعناية، يحتضن شواهد المقابر بطريقة غريبة، كقطع الدومينو، قال لنا المسؤول ان هذه المقابر هي (مقبرة الانجليز) تضم رفات جنود بريطانيين وغيرهم من الجنود من عدة دول، هؤلاء الذين أتوا لقتال الدولة العثمانية مع قوات الحلفاء في الحرب العالمية الأولى (1914- 1918)، تعجبت من هذا الاحترام الفائق لتلك الرفات، وتعجبت من أهالي غزة الذين ما زالوا يملكون الأخلاقيات في الوقت الذي طعنتهم بريطانيا في الظهر والبطن بسكين وعد بلفور، وانحيازها الى الدولة الصهيونية دائمًا، لكن المرارة الأكبر حين عرفت أن أرض هذه المقبرة  هي هبة من أهالي فلسطين لتكون مقر الراحة الأبدية لجنود الحلفاء تخليدًا لذكراهم، يا لهذا الكرم الحاتمي، كأنهم لم يكتفوا بالذي اعطوه للدولة الصهيونية، ها هم يحاشرون أهالي غزة أيضًا.
 حارس المقبرة الذي أطل وطلب منا الدخول والتجوال في المقبرة، أكد لنا  أنه  يسكن هو وزوجته وأولاده في المقبرة ويتلقون الرواتب من هيئة الكومنولث البريطانية التي اسستها بريطانيا للإشراف على مقابر الحروب، المقبرة تمتاز بهندستها الجميلة وأشجارها وزهورها وورودها وبالرعاية الدائمة لها.  
صورة الشاعر الغزي معين بسيسو وصورة المقبرة البريطانية في غزة وبينهما صور الموتى الفلسطينيين الذين لا نعرف مقابرهم، هل مقابرهم تحت الركام في سوريا، ام في العراق، أم في السعودية أم في دول الخليج أم في السويد وفي بريطانيا..أم.. أم؟ في كل مكان ولكن هل السلطة الفلسطينية؟ وهل الفلسطينين يحافظون كما تحافظ بريطانيا  على رفات جنودها؟ ثم يعجبني هذا الوفاء الغزي لمقبرة الأعداء.. مع العلم أن غزة تعاني من الاختناق وهي بحاجة الى كل متر أرض.. والمقبرة البريطانية تبلغ أكثر  400 دونم، ويقال حتى خلال الغارات الصاروخية الاسرائيلية أثناء العدوان على غزة  التي كانت تنهال على قطاع غزة كان هناك ابتعاد عن المقبرة البريطانية، لقد كانت اسرائيل حريصة على عدم ازعاج رفات اصدقائها البريطانيين. 
قد يهمّكم أيضا..
featured

لذكرى المرحوم سليم فرحات أبو عقل

featured

قيم ثعالبيّة

featured

ثمرات التصدي للتخريب

featured

العائلة الممغنِطة

featured

الشّيخ إبراهيم اليازجيّ في معليا

featured

هوية عمال البناء، وتقاعس الحكومة!

featured

السلام للجميع

featured

الأمراض المهنية للجهاز التنفس (2-2)