ثمرات التصدي للتخريب

single

*تكتسب المبادرة التي أطلقها هيثم مناع أهمية استثنائية. فهذا المعارض السوري ذو السيرة المحترمة وقف منذ البداية ضد التدخل العسكري الأجنبي، ودعا إلى تغليب نهج الحوار بين القوى ذات الحضور داخل البلد*

 


تواجه سورية منذ استقلالها صراعين يتواكبان معًا ويتداخلان على الدوام: صراع في داخلها بين القوى المتنافسة على السلطة، وصراع من خارجها بين الدول العربية وغير العربية التي تتنافس في ما بينها لجرّ البلد كلّه إلى هذا الجانب أو ذاك. في جولات الصراع الداخلي، استُخدمت الوسائل الشائعة في العالم الثالث، وكثيرًا ما كانت الجولات دامية. وفي الصراع الثاني، استُخدمت الوسائل التي تلجأ إليها الدول، الوسائل جميعها، وما أكثر ما استخدمت الوسائل العسكرية.
في الصراعين، على الدوام، أيضًا، بحثت الأطراف الداخلية عن دول قريبة وبعيدة تستند إليها، ووجدت الأطراف الخارجية قوى داخلية  تستند إليها. الصراع الذي جرى لإلحاق سورية بمشروع الهلال الخصيب واكبه الصراع الذي احتدم داخل البلد بين القطاع المحافظ من البرجوازية وبين قطاع آخر منها تحالف مع القوى الصاعدة آنذاك، أي مع  حزب البعث والحزب الشيوعي. في هذا الصراع، اضطربت أحوال البلد، ونشأت، بدعم اميركي، ديكتاتورية العسكر، حسني الزعيم، سامي الحناوي، ثم أديب الشيشكلي، وانقسمت دول العرب إلى معسكرين: واحد تزعمه العراق، وآخر تزعمته مصر، واستفادت الدول الامبريالية، خصوصًا الولايات المتحدة، من الانقسامات الداخلية والعربية، فعززت مصالحها، وحققت إسرائيل جولة أخرى من جولات قضم الأرض العربية، فعززت هيمنتها على سهل الحولة، وجففت البحيرة التي تحمل هذا الاسم، وأجلت سكان المنطقة عنها.
كانت تلك جولة معقدة ومتشابكة القوى والدوافع. وكانت الوسائل التي استُخدمت لتطويع سورية لما تريده الامبريالية هائلة الحجوم. بالرغم من هذا، حسمت نتائج الصراع الداخلي نتائج الصراع الخارجي، فسقطت ديكتاتورية الشيشكلي، وتولى التجمع الوطني الذي يضم البعثيين والشيوعيين وقطاعٍ ذي وزن من البرجوازية الوطنية السلطة. وأنشأ هذا التجمع النظام الديمقراطي البرلماني الأكثر شهرة والأصفى وطنية والأوضح تقدمية في تاريخ سورية. وفي ظل هذا النظام، احتدمت جولة جديدة، بل جولات من الصراع بوجهيه الداخلي والخارجي، الجولة التي استهدفت تطويع سورية للالتحاق بحلف بغداد، الجولة التي جرت لحمل سورية إلى الاستجابة لمشروع أيزنهاور.. إلخ. وفي كل جولة، دون استثناء، كان احتدام الصراع الخارجي يؤجج الصراع الداخلي، وكان العكس صحيحًا.
في كل الجولات، كانت سورية واقعة بين فكيّ الكماشة اللذين يكتنفانها الآن أيضًا: إسرائيل من الجنوب وتركيا من الشمال، وكانت الدول العربية تنقسم في الموقف تجاه ما يجري، وكان الاتحاد السوفييتي يدعم القوى التي ترفض تطويع سورية لرغبات الإدارات الأميركية وما على شاكلتها. وفي المحصلة، خرجت سورية من كل جولة، من كل جولة دون استثناء، وقد تغلب فيها التحالف المناوئ للنفوذ الامبريالي ضد القوى المستندة إلى هذا النفوذ، وكسبت سورية بهذا، السمعة التي صارت لها.
الجولة الحالية هي أصعب الجولات، أقساها، وأكثرها دموية، وأوسعها، وقد تصير أطولها أمدًا. يحدث هذا لأسباب ليس من الصعب وضع اليد عليها. في مقدمة هذه الأسباب، على الصعيد الداخلي، أن النظام القائم في سورية اختلف عن الأنظمة السابقة. فمؤسس هذا النظام بناه على قاعدة تحالف غير مكتوب نسجه مع قوى اجتماعية وسياسية كثيرة في البلد وحقق به لسورية فترة استقرار ونمو مشهودين، في حين عمل هو نفسه على تحويل نظامه من نظام حكم الحزب الواحد إلى نظام حكم الفرد، فأوقعه في التناقض الذي نشهده الآن، أو الذي، بالأصح، نشهد الآن نتائجه: النمو الاقتصادي والاستقرار الأمني اقترنا بضمور سياسي غيّب حضور القوى السياسية المتعددة، لصالح نمو حضور الحاكم الفرد. وعلى الصعيد الخارجي، اختلفت أهداف الدول الامبريالية هذه المرة عن أهدافها في سابقاتها. فالدول التي أدركت عجزها عن ضمّ سورية إلى ركب الدول التابعة، وجدت ذاتها في حاجة إلى التخلص من الأنموذج السوري كلّه، السوري وليس الأسدي، فقط، فعملت هذه المرة على استثمار الصراع الداخلي من أجل تدمير البلد، وليس من أجل استبدال نظام بنظام. هذه الحاجة نجمت من حاجة أعمّ تتصل بالمسعى الأشمل لفرض الهيمنة على مصادر الطاقة في المنطقة كلها، ما يوجب تدمير أي مناوئ لهذه الهيمنة وكلّ مناوئيها.
نضال القوى السورية المبغضة للحكم الفردي لم يتوقف في أي وقت، لكنه واجه الإشكالية التي صعبت مهمته: هذا النظام الفردي يتبع سياسة خارجية يصعب التحريض ضدّها دون تزوير الوقائع، ويتبع في الداخل أوجه سلوك تسترضي قطاعات واسعة في المجتمع، قطاعات تؤثر على غالبية المجتمع. بصفته هذه وبالتعقيدات التي واجهته، أفرز النضال من أجل الديمقراطية قوى داخلية متمرسة، جماعات وأحزابًا ومؤسسات مجتمع مدني وشخصيات ذات وزن، أي أنّه أفرز ما ظفر بتسمية المعارضة الداخلية، هذه التي راكمت خبرة وكسبت احترامًا حتى من غير المنضمين إليها.
المعارضة الداخلية، هذه، انتعشت بتأثير انطلاقة الربيع العربي الأولى، فشدّدت مطالبتها المثابرة بالإصلاح، وشرعت في جولة صراع أخرى مع النظام. ولأن هذا تزامن مع اكتمال التوجه الامبريالي لتدمير سورية وتحويل دولتها إلى دولة فاشلة دون بديل، فإن تحرك المعارضة الداخلية الذي يستهدف تحقيق وضع أفضل للبلد لم يوافق العازمين على تدميره. وهكذا، كان ما كان، مما غدا كله معروفًا، نُحيّت المعارضة الداخلية عن ميدان التأثير وحل محلها، بفعل فاعلين، معارضات مفبركة وُضِعت في أيدي ناسها معاول التهديم. واستُثمرت طبيعة النظام الفردي غير العازم على التخلي عن فرديته، ودُفع هذا النظام إلى ردود الفعل التي تُفاقم الوضع بدل أن تعالجه والتي تُسهم بدورها في أعمال التهديم.
تنحية المعارضة الداخلية شكلت التعبير الأدق عن الهدف الفعلي، وليس المدّعى ادعاء، لهؤلاء الذين وضعوا السلاح في أيدي زمر التهديم وغمروها بالمال وفتحوا لها حدود الدول المجاورة كي تفعل ما تفعله الآن.
وفي الغضون، سعى مستهدفو تخريب البلد إلى منع الشروع في النهج الوحيد الذي قد يجنّبه الخراب، فمنعوا الحوار الداخلي، وأحبطوا جهود دعاة الحل السياسي، ودفعوا كوفي عنان إلى اليأس، وشرعوا في الشيء ذاته مع الأخضر الإبراهيمي حتى قبل أن يبدأ مساعيه، ولم يبقوا أي باب مفتوح إلا باب التخريب الذي يدمر البلد.
مع هذا كلّه، يظل صحيحًا الآن ما كان صحيحًا دائمًا، وهو أن نتيجة الصراع بوجهيه سيحسمها صراع القوى داخل البلد. من هنا تكتسب المبادرة التي أطلقها هيثم مناع أهمية استثنائية. فهذا المعارض ذو السيرة المحترمة وقف منذ البداية ضد التدخل العسكري الأجنبي، ودعا إلى تغليب نهج الحوار بين القوى ذات الحضور داخل البلد. وها هو ذا قد جدّد الدعوة مؤخرًا إلى عقد مؤتمر داخل سورية لقوى المعارضة الداخلية من أجل التحاور بشأن الحل الذي يُجنب بلدها كارثة بدأ تحقّقها.
مبادرة مناع تظهر أن كل مال النفط، إن نجح في تجنيد القابلين للفساد، فقد فشل في إفساد المناضلين المحترمين، وأن في سورية، داخل المعارضة، من يتصدّون لمقاومة التخريب الخارجي لبلدهم، حتى لا يظل النظام هو وحده المتصدي لهذا التخريب، وحتى لا يجني هو وحده ثمرات هذا التصدي.

قد يهمّكم أيضا..
featured

يعلم الله قلب من سيحترق!

featured

"ضبابية" المصالحة و "منغصاتها"!

featured

هل الديمقراطية عصيّة؟

featured

عن أبو سنان وأخواتها

featured

وأعطي نصف عمري ....

featured

العمّ الغالي سميح.. الإنسان الرّائع

featured

تمنيات حركة الإخوان المسلمين