للدكتور باقر النجار كتاب مهم عنوانه: "الديمقراطية العصية"، وفيه يحلل الباحث معوقات البناء الديمقراطي في المنطقة، ربما ليخلص إلى أن الديمقراطية، بالمعنى الذي يعرفه العالم لها، ما زالت عصية على مجتمعاتنا .
ونحن اليوم شهود على تحركات شعبية جبّارة، يكاد يكون هناك إجماع على أن هدفها ليس المطالبة بلقمة العيش فحسب، وإنما المطالبة بالديمقراطية والمشاركة الشعبية، يصح إعادة طرح السؤال: هل الديمقراطية عصية علينا؟
القراءة الحصيفة للدائر اليوم تشير إلى أن الشعوب العربية ناضجة للممارسة الديمقراطية، وأنها أثبتت أهليتها لذلك أكثر مما أثبتت بعض الحكومات التي فرضت وصايتها على الناس، كأنهم لم يبلغوا سن الرشد بعد .
ديمقراطية الشعوب تبرز في الطريقة التي أدار بها المشاركون في التحركات تحركاتهم، إذ جسدوا سلوكا راقيا متحضرا مسؤولا، باعتمادهم العمل السلمي والمقاومة المدنية طريقا لبلوغ أهدافهم .
يجب عدم الاستمرار في ترويج الوهم بأن غياب أو هشاشة الديمقراطية في مجتمعاتنا تعود لأسباب ثقافية بحتة، تنطلق من الزعم أن شعوبنا لم تتدرب على الممارسة الديمقراطية، ولن تُحسن التصرف فيها، إذا ما أعطيت لها، فالتدريب على الديمقراطية لا ينشأ إلا عبر ممارستها، والتعود على العمل وفق آلياتها .
من يحتاج إلى التدريب على الممارسة الديمقراطية هو الحكومات وليس الشعوب، وتنشأ الآن فرصة مؤاتية في العالم العربي لتصحيح العلاقة بين الحكومات والشعوب، قد تكون الفرصة مؤاتية لتفادي انفجارات قادمة، على الطريقتين التونسية والمصرية، إذا ما أحسن الماسكون بالقرار التصرف .
جيد أن تجري بعض الاستجابات للاحتياجات المعيشية للمواطنين، وجيد أن تُقال حكومة هنا أو هناك، وتشكل حكومات جديدة، ولكن إذا ظل الأمر في حدود المسكنات، من دون المساس بـ "السيستم"، المولد للفساد والبيروقراطية والقمع، فإن الأمر لن يعدو كونه ترحيلاً للأزمات، لا حلها .
يجب ألا تمر هذه المرحلة التاريخية السانحة من دون استثمارها من أجل إصلاح أحوال المجتمعات إصلاحا جديا، وإزالة بواعث الاحتقانات الاجتماعية والسياسية، عبر بلوغ تسويات داخلية تاريخية .
وهذه ليست مهمة مستحيلة، لكنها تتطلب شجاعة القدرة على تقديم تنازلات مهمة من قبل الحكومات .
