للسياسي عدة معانٍ؛ منها ان يعاد توزيع المصادر بين من معه ومن لا شيء معه (ارسطو)؛ ومنها التأكيد على ان حق الجميع في المواطنة هو القوة الرافعة للتحويل الاجتماعي (الثورة الفرنسية). وقد ابرزت الانتخابات الأخيرة للكنيست، والتي جرت في تاريخ 17/03/2015، هذه المعاني، فحتى يوم الانتخابات ظننا ان هذه الانتخابات هي حول المواطنة الاجتماعية (والتي تتطلب معالجة، وبإلحاح، مشاكل الوصول الى المسكن لدى العائلات الشابة، ارتفاع أسعار مواد استهلاكية أولية، واتساع الفجوة بين الفقر والغنى المفرط) الا ان كلمة بنيامين نتانياهو في يوم الانتخابات بان "الناخبين العرب يتجهون بأعداد كبيرة الى صناديق الاقتراع" اعادتنا الى موروث الثورة الفرنسية (حقوق الانسان والمواطنة). هذه الكلمة مثلت تجاوزًا وتناقضًا مع كلمة رئيس لجنة الانتخابات، القاضي سليم جبران، والتي ألقيت عبر شاشة التلفاز عشية يوم الانتخابات حيث أشار فيها الى قانون الكنيست الخاص بكرامة الانسان وحرياته وما يتضمنه هذا القانون من حقوق فردية مثل حق التصويت. في نظر نتانياهو، اعتبرت ممارسة العرب لحقهم في التصويت وبالنتيجة لمواطنتهم "تهديد فكرة وطنية ويهودية الحكومة".
في البداية، اعتقدت ان هذه الانتخابات تفتقد الى السياسة لان الجدل الأيديولوجي بين تيارات ومقترحات مختلفة قد تم تغييبه لأسباب تقنية (رفع نسبة الحسم) او لأسباب ترتبط بمفهوم معين للهوية (خطاب وحدوي). لكن، ما سمعته من كلمات، عشية الانتخابات ويوم الانتخابات، جعلني ان أدركان هناك علاقة بين هذه الكلمات، والتي ارغب هنا ان اوضحها. في نظري، ان الهوية الجماعية التي ابرزتها القائمة المشتركة هي، أولا وقبل كل شيء، هوية تستند على حقوق. فالهوية الجماعية ليست هدفا بحد ذاتها وانما هي مدخل لتحقيق الحقوق الفردية والمساواة بين جميع المواطنين. ما ذكره القاضي سليم جبران في كلمته حول الإقرار القانوني بالحقوق الفردية هو ضروري لكنه غير كاف كشرط لحقوق ولمساواة فعالة .فقط من خلال الاعتراف بالحقوق الجماعية تصبح الحقوق الفردية أكثر فعالية. وهذا ما تشير اليه عملية التحرر التي جرت على الأرض الأوروبية، فقد نال اليهود تحررهم كمجموعة في فرنسا 1791 وفي بروسيا 1829. ومنذ العام 1830 أصبحت كلمة التحرر تشير الى تحرر الافراد لكن أيضا المجموعات كما يرى المؤرخ والمفكر الألماني رينهارت كوزليك. وقد ابرزت القائمة المشتركة هذه الهوية كأساس للمطالبة بمساواة وحقوق فردية، ويمكن ان نضيف ان هذه الحقوق الفردية لا تعني بان تكون المطالبة بها والصراع من اجلها فرديا لأنها لا بد وان تستند على فعل جماعي لكي تتحول الى ما هو فعال وحقيقي.
يعتبر بعض الأصدقاء ان فوز حزب الليكود بأغلبية بسيطة فوّت الفرصة على القائمة المشتركة بان تشكل قوة داعمة لحكومة ضيقة بقيادة هرتسوغ وبالنتيجة ان يكون لها تأثير على القرار الإسرائيلي. في نظري، ما اولدته هذه الانتخابات من خريطة سياسية يمنح القائمة المشتركة فرصة مهمة بان تتولى دور المعارضة الأساسية والامامية لحكومة يمينية عنصرية وان تكون اهم قوة سياسية تدافع عن الدمقراطية في إسرائيل. من غير المعقول الحديث عن دمقراطية وربع سكانها تقريبا يتم النظر إليهم بأنهم مواطنون من درجة ثانية (خوان لينز). من المهم هنا الإشارة الى امرين بسيطين؛ أولا، لا يمكن ان تكون المطالبة بالمواطنة المساواتية الا في إطار الدولة (فهذه المطالبة لا تتحول الى حقوق الا في إطار الدولة)، وثانيا، المواطنة كمشروع معياري تفترض مسافة بين المواطنة وأجهزة الدولة الرسمية وتفترض توترًا تغذيه فكرة دمقرطة الدمقراطية في إسرائيل وفكرة حقوق انسان.
لا بد من لفت الانتباه الى ان هناك تغيرًا إيجابيًا في شروط تعزيز المواطنة المساواتية وذلك في ظل خطاب دولي ممتعض من حكومة يمينية تدعم نظامًا كولونياليًا وعنصريًا شكل سبب وجود قانون دولي بعد الحرب العالمية الأولى.والمفاجئ في الامر، هو ان الأصوات التي تعبر عن هذا الخطاب الدولي تأتي من قبل جهات لم نكن نتوقعها وتنطلق بالذات من وضع فلسطينيي الداخل. فقد صرح متحدثون باسم البيت الأبيض عن استيائهم من موقف رئيس الحكومة تجاه مجموعة من مواطنيه (حتى وان مثلوا شعبًا اصلانيًا تواجد قبل اقامة الدولة). ان ذلك يفتح الباب امام تطوير مستوى آخر لتقديم حقوق هذه المجموعة. وهذا المستوى هو المستوى الدولي. لم يعد ما يجري داخل الدولة امرا داخليا بحتا، يكفي ان ننظر الى تجربة يهود الاتحاد السوفييتي سابقا والتي اعتبرت مسألة حقوق انسان ووضعت على اجندة المفاوضات الامريكية السوفييتية خلال فترة الثمانينات.
(رئيس كرسي اليونسكو/جامعة النجاح)
