كل عام ونحن جميعًا بألف ألف خير

single
  • بعض الجَهَلة ممن يسمون انفسهم أئمة أو مشايخ أعلنوا في خطبهم يوم الجمعة الماضي عن تحريم المعايدة على أبناء شعبنا العربي الفلسطيني من الطائفة المسيحية.. هذه الفتاوى ان كانت عن قصد او بدون قصد فانها لا تخدم الاسلام، بل تخدم السلطة الحاكمة وبشكل خاص هنا في بلادنا

 

عندما قرأت مقال الصديق والأخ جواد بولس الاسبوعي في جريدة "الاتحاد" يوم الجمعة الموافق 2011/12/30 وكنت قد سمعت قبلها كلمة الاخ والصديق النائب حنا سويد يوم ذكرى الاربعين للمرحوم الرفيق صابر شبايطة، كنت في الحقيقة اعرف سبب مثل هذه الكلمات الهامة والضرورية وشعورها الانساني الصادق، خصوصًا وانني سمعت ايضا ان هناك بعض من يسمون انفسهم أئمة أو مشايخ قد أعلنوا في خطبهم يوم الجمعة الماضي عن تحريم المعايدة على أبناء شعبنا العربي الفلسطيني من الطائفة المسيحية! وأكثر من ذلك هناك احد الجهال تمادى ايضا على عميد الادب العربي طه حسين وعلى الكاتب المرموق نجيب محفوظ ودعا الى عدم قراءة كتبهما لأنهما "كفرة" في الوقت الذي أعرف جيدا ان مثل هذا الداعي لم يقرأ ولو كتابا واحدا لمثل هؤلاء العلماء الأفذاذ. والعالم كله وليس العالم العربي والاسلامي فقط قد استفاد من انتاج هؤلاء العباقرة الذين أنجبهم شعبنا العربي في مصر. وفي الحقيقة هم اكبر بكثير من ان ينال منهم أقزام.
ان هذا الواقع المر شدني الى مراجعة ما حدث وما يحدث في الماضي والحاضر في عالمنا العربي الواسع وفي مدننا وقرانا العربية الفلسطينية التي بقيت متمسكة بأرضها ووطنها متآخية ومتحابة بجميع  طوائفها وأديانها على مر العصور، وفي الوقت نفسه بدأت ايضا أستعرض اين كنا واين اصبحنا؟ هل نحن نتقدم الى الامام في تطورنا وثقافتنا وعلاقاتنا الاجتماعية، ام نحن في تراجع الى الوراء في مثل هذا الواقع الذي نعيشه اليوم في مرحلة زيادة نفوذ الاسلام السياسي في عالمنا العربي؟
 فمع زيادة هذا النفوذ يرى البعض انه يحق لهم اليوم ما لا يحق لغيرهم من التمادي ويعملون على شدنا مئات السنين الى الوراء، ويحاولون ان يزرعوا الفتن بين ابناء الشعب الواحد على اساس طائفي او ديني، ان كان ذلك في مصر او تونس او سوريا وكذلك هنا في قرانا ومدننا العربية الفلسطينية. ان هؤلاء ينسون مقولة المجاهد الشيخ عز الدين القسام الذي قال بكل وضوح: "الدين لله والوطن للجميع".
ان هؤلاء يخرجون علينا "بفتاوى واقوال" باسم الاسلام ولكن الحقيقة ان مثل هذه الفتاوى والاقوال لا تمت بأي صلة الى الدين الاسلامي، بل هي عمليا تشويه لجوهر الدين الاسلامي السمح.
ان هذه الفتاوى ان كانت عن قصد او بدون قصد فانها لا تخدم الاسلام، بل الحقيقة انها تخدم السلطة الحاكمة وبشكل خاص هنا في بلادنا، لان حكام اسرائيل منذ قيام الدولة عملوا وما زالوا يعملون من اجل بذر بذور الفتنة بين ابناء شعبنا الواحد، وعلى هذا الاساس لا يتعاملون معنا على اننا ابناء اقلية قومية فلسطينية في هذه البلاد، بل يتعاملون معنا على اساس طوائف وملل واديان وعائلات وعشائر، والهدف هو بث الفرقة بيننا حتى يهون عليهم السيطرة علينا نحن الجماهير العربية التي بقيت على تراب هذا الوطن الغالي شوكة في حلق هؤلاء الحكام.
ان هؤلاء الذين يعملون على زرع الفتن بين ابناء الشعب الواحد على اساس ديني وطائفي يجب نبذهم لانهم يعملون ضد وحدة شعبنا الطيب والطاهر بجميع طوائفه وأديانه وعلينا ان نعمل على تعميق الوحدة الاخوية والكفاحية بين جميع اطياف شعبنا.
ماذا يريد هؤلاء الذين يعملون على بث النعرات الطائفية والمذهبية والدينية بين ابناء الشعب الواحد - مع اننا نعرف ان هذه الاديان والطوائف قد تعايشت مع بعضها البعض على مر العصور بتآخٍ ووحدة ومحبة وتفاهم وهذا عمليا ما يغيض هؤلاء الجهلة الحاقدين والمتآمرين على وحدة هذا الشعب.
كيف يمكن لي انا الانسان العادي الذي رأى على مدى اكثر من سبعة عقود ابي واعمامي واخواني يعايدون على اخواني من الطائفة المسيحية في عرابة وهم بدورهم يأتون الينا للمعايدة بشكل دائم، ان استمر بمثل هذه العادات الانسانية  الصادقة. من أعطى لمثل هؤلاء المفتنين الحق بأن يحكموا ما هو الحلال وما هو الحرام، اننا نعرف جيدا ما هو الحلال وما هو الحرام اكثر من هؤلاء الجهلة في تاريخ شعبنا وحتى جهلة في جوهر الدين الاسلامي السمح.
كيف يمكن لي ان لا اعايد على رفاقي واصدقائي واخواني الذين عملت معهم على مدى اكثر من ستة عقود جنبا الى جنب في مقارعة الظلم والظالمين الذين فرضوا علينا جميعا الحكم العسكري على مدى سنوات، وسلبوا ارضنا وحقوقنا بمختلف القوانين والاساليب الجائرة. ان هؤلاء الذين سُجنت وعُذبت معهم خلال نضالنا المشترك ومواجهاتنا اليومية مع السلطات من اجل الدفاع عن حقوق شعبنا القومية واليومية المغتصبة، هؤلاء هم اخواني واصدقائي ورفاقي في الايام الحلوة والايام المرّة، كيف لي ان لا افرح لفرحهم واحزن لأحزانهم؟!
انني اقول للجميع بمناسبة رأس السنة الميلادية واعياد الميلاد المجيد كل عام وانتم ونحن جميعا بألف خير وسلام.
انني ادعو جميع العقلاء من ابناء شعبنا الى التصدي وبحزم لمثل هذه الظواهر السلبية والغريبة والبعيدة عن ثقافة شعبنا التي تميزت دائما بالحب والوحدة والتمسك بتراب هذا الوطن الذي لا وطن لنا سواه.
نعم يا اخي جواد بولس ان الصوت العاقل والواعي مهما كانت الظروف التي نعيشها صعبة سيبقى عاليا مدويا ومجلجلا مهما يكلف من ثمن. اقول في النهاية انه علينا التصدي بكل عزيمة وقوة لكل انواع الفتن والى كل النظرات المنغلقة التي تصدر عن البعض الذي يحمل فكرا جاهليا.
ومرة اخرى كل عام ونحن جميعا وشعبنا كله والعالم اجمع بألف خير وسلام ومحبة.

 

(عرابة البطوف)

قد يهمّكم أيضا..
featured

إجرام حكومي سافر

featured

جبروت إسرائيل والبعبع النووي الإيراني

featured

تحوّلات التصوف في الإسلام

featured

ثقافة الحوار: عندما نعمل ونطور للشراكة التعددية وتقبل الآخر المختلف

featured

ثورة 23 يوليو تموز والأدب والعلم

featured

"من يزرع الريح يحصد العاصفة"

featured

المعركة بين سلامنا واستسلامنا