تقديم
في كل عام في ذكرى ثورة الضباط الأحرار في مصر ، التي التف حولها جماهير الشعب المصري وخاصة الطبقات الكادحة والفقيرة ، التي رأت بها وبشعاراتها الأساسية منقذا لها مما هي فيه من بؤس ، وكانت الإتحاد القابلة لهذه المقالات ، وبعضها ما زال في موقع الجريدة .
وفي هذه المناسبة حاولت الدخول إلى موقف الثورة من العلم والأدب من خلال خطابات وكلمات الرئيس الخالد جمال عبد الناصر ، بالإعتماد على خطبه الموثقة ، وذلك لأنها تعكس فكر الرجل وفكر النظام في تلك المرحلة من تاريخ العرب ، ونرى أيضا كيف تحبط مثل هذه الثورات أحيانا من داخلها ، وأخرى من خارجها حتى وصل بنا الحال من فتور عام ، وواجب النهوض وعدم الإستكانة لهذا الفتور الذي ليس من طبيعة الشعوب الحية وذات الحضارة والماضي العريق .
ثورة ، إصلاحات وأخطاء :
قامت ثورة 23 يوليو تموز بزعامة القائد الخالد جمال عبد الناصر بكنس النظام الملكي الفاسد في مصر واستلام زمام السلطة في أكبر وأهم دولة عربية في ذلك الوقت ، وكانت هزيمة الملوك والرؤساء العرب ومؤامرات بعضهم ضد الشعب الفلسطيني والسير في ركاب الإستعمار البريطاني ، المحرك والنار التي أوقدت شعلة هذه الثورة من خلال مجموعة الضباط الأحرار وقوى الشعب العاملة لتغيير النظام الملكي إلى نظام جمهوري ، وضع أمامه قانون الإصلاح الزراعي كمحرك وعامل لتحسين ظروف الشعب المصري العريق ، وتأميم رأس المال الأجنبي كجزء هام من تحرير البلاد التي كانت غارقة حتى الأذنين في الديون والإستغلال للشركات والمرابين الأجانب ، كما أمم النظام الناصري رأسمال البرجوازية المصرية الكبيرة المستغلة وقسم من البرجوازية المتوسطة .
لم تكن هذه الإصلاحات الهامة والصحيحة دون أخطاء ودون التخلي بل سجن أحيانا للقوى الحليفة في هذا التغيير وهي القوى الثورية وخاصة الشيوعيين والديمقراطيين الثوريين ، ذلك لأنهم يدركون أن ليس التسمية المهم بل العمل ، ولما كان العمل للثورة من طرد الأجانب ، إلى الوقوف ضد الإستعمار وإلى غير ذلك فإن ذلك أدى منذ البداية لمشاركة خالد محيي الدين وغيره من الضباط الأحرار الشيوعيين والماركسسين بالثورة وإشعال أوارها أمثال الضابط يوسف صديق وغيرهم .
مفهوم المجتمع الإشتراكي لدى عبد الناصر:
وقد حدد عبد الناصر مفهومه " للمجتمع الإشتراكي " في خطاب له في عام 1960م في مدينة بور سعيد إذ قال : " إذا أعلنا أننا نتحرك تجاه المجتمع الديمقراطي الإشتراكي التعاوني فإنه ضروري إضافة أننا نفعل ذلك من أجل أن يشعر شعبنا بأننا نعمل على تحقيق أمانيه . ماذا يعني المجتمع الديمقراطي الإشتراكي التعاوني ؟ إنه المجتمع الذي يرتفع فيه مستوى المعيشة والذي يتميز بالعدالة الإجتماعية والذي قضى فيه على الإقطاع والإستغلال وسيطرة رأس المال ، والذي توجد فيه الفرصة لكل مواطن يعيش في هذا البلد ، لا عبيد لدينا ولا أسياد ، وكلنا مواطنون في جمهورية واحدة ، وإننا متساوون ونشعر بكرامتنا " .
وبعد ثلاث سنوات أي عام 1963م أعلن ميثاق العمل الوطني إختيار مصر عبد الناصر للطريق الإشتراكي للتطور ورفض الطريق الرأسمالي " وكانت هذه خطوة هامة في ترسيخ التوجه الإشتراكي للثورة .
وحدد الميثاق كذلك الرقابة الشعبية على وسائل الإنتاج وبين أنها ليست بالضرورة تأميم كافة وسائل الإنتاج والقضاء على كامل الملكية الخاصة ، ولكنه وضح أن مثل هذه الرقابة بإمكانها النجاح من خلال إقامة قطاع عام فاعل ، يقوم بالدور الأساسي في كل قطاعات الإقتصاد المصري ويتحمل المسؤولية الأساسية عن تنفيذ خطة التنمية .
وعمق عبد الناصر النهج الإشتراكي الثوري وفي عام 1964م أفرج عن الشيوعيين وأصدقائهم الذين كانوا مخلصين لكل ماهو إيجابي داخل الثورة وبقوا كذلك في السجون ، وبعد وفاة عبد الناصر،ذلك لأنهم رأوا واستوعبوا كل ماهو إيجابي في برنامج الثورة وهم بالأصل شركاء بهذه الثورة ولذلك أيضا ساهموا ومن خلال نقاش بينهم وبين تنظيماتهم المختلفة ومن خلال ألم بالأجهزة الإعلامية وخاصة الكتابات الفكرية والعلمية والفلسفية للثورة نذكر الآن من بينهم محمود أمين العالم وغيره .
وتبنت الثورة من خلال زعيمها نهجا مستقلا وسياسة مستقلة عن سياسة المحاور هي سياسة عدم الإنحياز وسياسة الإنحياز الإيجابي الذي قض مضاجع الإستعمار والرأسمالية العالمية ولذلك شددت عداءها للثورة ، هذه الثورة التي طورت علاقاتها مع القوى الثورية في إفريقيا ورأت بمحاربة تجارة الرقيق ، والوحدة الأفريقية ، ومساعدة دولها على الإستقلال عن الدوائر الإستعمارية هدفا وممارسة أكسبها الإحترام والتقدير لدى الشعوب الأفريقية ، ورأى عبد الناصر بالدائرتين العربية والإسلامية دائرتين هامتين للثورة لتنشر أفكارها الثورية والإنسانية والمعادية للإستعمار والإقطاع ، ورأى أهمية للدائرة الآسيوية فعزز علاقاته مع الإتحاد السوفييتي ( سابقا ) ومع الصين ومع العديد من دول آسيا الأخرى .
الحاجة لدولة العلم :
كل هذا كان بحاجة لدولة العلم أيضا فركز في خطبه على العلم وجعل للعلم ويوم العلم عيدا ليحث الشباب على نهل العلم وعلى التعلم وعلى البحث العلمي ، ففي عيد العلم العاشر المنعقد احتفاله في جامعة القاهرة يوم 14-12-1964م قال عبد الناصر في خطابه :
" يقيني بأن العلم هو الوعاء السليم ، يستطيع أن يضم الإحلام والخطط والنضال ، وأن يحفظها ، وأن يصل بها إلى حيث تريد الإرادة الوطنية لها أن تصل . إن العلم في جميع المجالات هو بمثابة المصابيح الكاشفة ، نوجهها إلى كل ما حولنا لننسج بالنور تصورنا لشكل المستقبل ، ثم لنخطو بالنور وصولا إليه ، وبغير المصابيح الكاشفة للعلم في جميع المجالات فإن تصورنا للمستقبل ، وحركتنا إليه ، تصبح تحسسا أو تخبطا في المجهول وفي الظلام " ص367-366 من مجموعة خطبه .
ويتابع عبد الناصر حديثه عن العلم الذي يفيد الشعب بقوله :" إن العلم بغير أن يلتزم بالمجتمع يتحول _ كما قلت هنا أمامكم مرة من قبل – إلى نوع من ممارسة السحر ، الذي كان يقوم به بعض الكيميائيين في العصور الوسطى حين تستبد بهم المطامع ، ويضيع منهم العمر في محاولة عقيمة لتحويل الحديد إلى ذهب . " ن.م ص378 .
وفي 14-02-1965م وجه كلمة لوفد جامعات العراق في القصر الجمهوري في مصر جاء فيها : " إن الأمة العربية تعلق على جيل الشباب في كل مكان آمالها العزيزة ، وأملي أن يوفق كل منكم في دراساته ... فإن ذلك هدف مهم لا بالنسبة للفرد منكم ، وإنما هو في نفس الأهمية لبلادكم ووطنكم العربي ، فكلما تزودت الطليعة بالعلم والثقافة والمعرفة ، ازدادت بذلك القاعدة الواعية المثقفة للطليعة القيادية ، التي ستعمل في جميع الميادين وتحقق التطور في جميع المجالات . " ن.م ص430 .
وفي عيد العلم في جامعة القاهرة في 18-12-1965م قال عبد الناصر أمام المحتفلين من العلماء والطلاب : " إن العلم هو أملنا الحقيقي والوحيد ... " ص992 . ن.م . وتابع في نفس الخطاب قوله " إن النجاح أمر صعب والإحتفاظ به أمر أصعب ، وعمل العالم أو المفكر أو الفنان ليس ضربة حظ تسبح به وسط أضواء الإعجاب أو الشهرة ، وإنما الخلق المبدع عناء وعذاب كل يوم . وأود أن أضيف أن مجتمعنا أعطى فرصة لحرية الفكر والثقافة ، غير متاحة في الكثير من البلدان " ن.م ص993 .
الأدب والفكر في عهد الثورة :
وفي عهد عبد الناصر نمت الكثير من المجلات الهامة والفكرية والتقدمية والعديد من الشعراء والأدباء والنقاد والمغنين أمثال سيدة الغناء العربي أم كلثوم ، ومحمد عبد الوهاب موسيقار العصر ، وعبد الحليم حافظ مالك مشاعر الشباب والشابات والذي غنى للثورة وقال " ولا فيش مكن للأمريكان في هذه الديار " وكانت جماهير الشباب تنتشي طربا وتستعد مقاومة .
د. محمد مندور ، محمود أمين العالم ، لطفي الخولي ، فتحي رضوان ، توفيق الحكيم نجيب محفوظ ، كل القامات الأدبية الشامخة في مصر والعالم العربي إتكأت على تراث وموقف ومساندة الثورة .
وكانت مجلات أمثال مجلة " المجلة " التي كان يرأس تحريرها يحيي حقي وهيئة التحرير تكونت في العام 1964م من أنور المعداوي وفؤاد دوارة ويوسف الشاروني تقدم النصوص والأبحاث القيمة لأسماء مثل د. زكي نجيب محمود ود. صلاح الدين عبد الوهاب ود. زكريا إبراهيم ود. مراد كامل والشاعر محمد إبراهيم بو سنة ، والأديبة الفلسطينية سميرة عزام ، ود. محمد محمود غالي في مقالاته العلمية الميسرة حول الإشعاعات الذرية وكانت مجلة المجلة تستعرض المجلات العربية الصادرة في العالم العربي والمجلات الفرنسية والإنجليزية والفرنسية والرسائل الجامعية التي تقدم بالأساس في الجمهورية العربية المتحدة .
أما مجلة الفكر المعاصر فكان يحررها في حينه الدكتور زكي نجيب محمود المفكر الفلسفي المعروف ، وكان سكرتير تحريرها جلال العشري ومن كتابها في ذلك الوقت الدكتور يحيي هويدي والأستاذ عبد الحميد فرحات ، والدكتور حسين فوزي النجار والدكتور ماهر حسن فهمي وسهيل إدريس ويوسف إدريس وغيرهم .
وكانت مجلة الطليعة ذات التوجه التقدمي البارز تركز على دراسة التعليم والقطاع الخاص والعام وتحاول الإستفادة من تجارب الشعوب الأخرى وكان يحررها الدكتور لطفي الخولي ، ونجحت مجلات مثل دراسات إشتراكية بإصدار العديد من الأعداد ولكل من يرغب في دراسة هذا الجانب نقول له أن جامعة تل أبيب تحتفظ بالعديد من النسخ الأصلية لهذه المجلات وغيرها .
كل هذا أوردناه لندلل على دور هذه الثورة في بناء عمران علمي وأدبي عربي ثوري يهتم بالمجتمع وبالناس وحيواتهم ومستقبلهم وأتاحت مساحات واسعة من النقاش والحوار الأصيلين ، وأن الإبتعاد عن فكر الثورة الحقيقي للعديد من الأدباء والكتاب والعلماء هو الذي أدى إلى جانب أسباب تجيير الثورة ومفاهيمها ببطء نحو التعاون مع الإستعمار والرجعية إلى ما وصل إليه حال مصر والعرب .
وبهذه المناسبة نتقدم لشعب مصر العربي الأصيل وإلى الأدباء والشعراء والمثقفين في مصر والعالم العربي بأحر التهاني بمناسبة هذه الذكرى الخالدة .
إشارة :
الإقتباسات من أقوال الرئيس ، مأخوذه من " المجموعة الكاملة لخطب الرئيس جمال عبد الناصر – إعداد الدكتوره – هدى جمال عبد الناصر ، الكتبة الأكاديمية ، شركة مساهمة مصرية ، كما أشير في المقال للصفحات عينيا ،
( عرعرة – المثلث )
