إما دكتور وإما محام

single

أيام الطفولة غالية! ومفعمة بالأحداث التي ما نزال نتذكرها بشوق وحنين. نتذكر أيام المدرسة الابتدائية! يوم كنا نعبئ بطاقة الطالب! ونجيب على سؤال المعلمة... ماذا  تحب أن تكون يا ولد عندما تكبر؟! فنجيب بغالبيتنا.. دكتور!! تسجّل هذا الجواب في البطاقة.. ولكن بعضه لم يتحقق عند الكبر لأسباب متعددة. وليس هنا المجال لذكرها!!
يمكن تفهم دوافع الأطفال بإجاباتهم هذه! لان المجتمع يظهر من خلال سلوك أطفاله "خذ أسرارهن من صغارهن" هكذا قال المثل. مجتمعنا كان وما زال يجل الأطباء ويعتبرهم طبقة مميزة.. يحلم أن يرتقي إليها كل إنسان فيه!!
وأنا لست من الذين ينكرون هذا التميز بل اعتز به ولكن لا يمكن لمجتمع أن يتطور إذا لم يعدَّ نفسه لمختلف نواحي الحياة!! فبالأطباء وحدهم لا يتطور المجتمع!! الأطباء المحامون، المهندسون ورجال القلم والفنانون عمومًا لا يستطيعون توفير حاجات المجتمع الحياتية!! المجتمع بحاجة للمزارع الذي يزرع الحقل بالخضار والفواكه والكروم وبحاجة للمزارع الذي يربي الأبقار والأغنام والدجاج للحليب واللحم والبيض ومشتقاتها. المجتمع يحتاج البنّاء والحدّاد والنجّار و و و .
فالخدمات تتنوع مع تقدم الزمن، فمسار حياة ناجحة لأي مجتمع يتطلب تنويع المهارات واكتساب المهن  المختلفة... فتلتقي كلها مجتمعة كما تتجمع مركبات الآلة.. هنا برغي كبير وهناك برغي صغير.. هنا قوس وهناك عمود ولكنها كلها تشترك لأجل تشغيل الماكنة.. فهذه الماكنة لن تشتغل إلا إذا اشتغلت جميع مركباتها صغيرة كانت أم كبيرة وبنفس المقدار من الأهمية!
إن شعوري بالاعتزاز بشعبي العربي الفلسطيني في الداخل كان وما زال كبيرًا.. فأنا أعي يقظة الإنسان الفلسطيني لأهمية استثماره للعلم بعد أن لم يبق لنا إلا هو!! فالوطن تشتد غربته. والأرض تُصادر سنة بعد سنة، والقرى تضيق بسبب سياسة الحصار والتمييز العنصري العدائية التي تمارسها ضدنا جميع حكومات إسرائيل منذ قيامها!! فمن هنا توجه المجتمع العربي الفلسطيني نحو تعلم المهن الحرة التي تكفل للإنسان أن يعيش بكرامة دونما الحاجة لهذا الموظف الحكومي أو ذاك ليعطيه عملا يكسب منه لقمة عيشه. ولقد نجح هذا التوجه بفعل الدعم الذي وفره الاتحاد السوفييتي والكتلة الشرقية مشكورين عندما فتحوا جامعاتهم ومعاهدهم العليا مجانًا واستقبلوا الشباب العربي الفلسطيني طلاب العلم فما هي إلا برهة زمنية قصيرة وإذا بقرانا العربية تعج بالأطباء والمحامين والمهندسين وأصحاب المهن الحرة!!
انتهت هذه الفترة بكل أسف وتفكك الاتحاد السوفييتي والكتلة الشرقية برمتها وها نحن اليوم نتحسّر عليها ونبكيها لان زوالها عن المسرح السياسي قد أزال القوة التي ناصرت الشعوب العالمية المظلومة في القرن العشرين، وبزوالها أفقنا على عالم أحادي القطب ظالم يفتك بالشعوب الضعيفة ينهب ويسرق ثرواتها والشرق الأوسط اكبر الأمثلة على دوس حقوق وكرامات الأمم الضعيفة!! أما العلم فما زال موجودًا ومتوفرًا في هذه الدول ولكن على حساب الطالب!!
فماذا نتعلم إذًا؟! وأين هي المهن الجديرة باكتسابها؟! هذا سؤال من الضروري طرحه أمام أجيالنا الصاعدة، الواعدة والمتجهة نحو اكتساب العلم في المعاهد العليا.. أينما كانت!! ما هي قدراته التعليمية!! وماذا يحب هو في طبعه؟!
على الطالب أن يصارح نفسه في هاتين النقطتين لأنه يعرفهما جيدًا.. فهو اعلم الناس عن ذاته! وبحسب هذه القدرات والميول يتسجل ليكمل تعليمه في المعاهد العليا!! على الطالب أن يعرف بأنه يشغل حيزًا اجتماعيًا ومكلف هو في تأدية دوره في تطوير مجتمعه، فيتوجب عليه أن يختار لنفسه موضوعًا يتطلبه المجتمع فساهم بموضوعه هذا في تطوير مجتمعه ثم يكون بهذا قد احترف مهنة تكسبه لقمة عيشه، فليس هناك علم من اجل العلم فقط!! العلم لا يساوي شيئًا إذا لم يمكِّن صاحبه من العيش منه!! يزعجني جدًا أن أرى جامعيًا يضيع عمره في تعلم موضوع يضيق سوق العمل من استيعابه فيه!! فينعكس عليه خيبة واتكالا على غيره، والكثير الكثير منا لا يعرفون ماذا سيتعلمون بالضبط؟! يتعلمون موضوعًا معينًا ويشتغلون في موضوع آخر!!
نحن اليوم في القرن الواحد والعشرين. والتخصص متوفر في كل المواضيع تقريبًا لذا تخصصوا أيها الشباب وتعلموا.. جميع المهن خاصة تلك التي تضمن لكم العمل فيها والعيش منها. كل المهن مطلوبة ولكن المهن المنتجة مطلوبة أكثر!! فاذهبوا وتعلموها!! فليس هناك شعور يبعث على السرور في النفس اكبر من رؤية إنتاجنا المحلي في الأسواق!!
أحوالنا ستتغير إلى الأحسن، كلما ابتعدنا عن الحاجة للآخرين أو كلما استطعنا الاعتماد على أنفسنا في توفير متطلباتنا، عندها سنخالف ما قاله جبران خليل جبران قبل مائة سنة "ويل لأمة تأكل مما لا تزرع وتلبس مما لا تنسج" لكل فرد منا مكانه في صورة المجتمع المكبَّرة والمتكاملة، فلنضمنها بالعمل!!

 

(دير الأسد)

قد يهمّكم أيضا..
featured

آن الأوان لإيقاف هذا المسلسل!

featured

ثورة التغيير العربية والقضية الفلسطينية

featured

فن الخطابة وتكتيكات المراوغة والتضليل

featured

حل "المسألة اليهودية" هو باندماج الاقليات اليهودية في المجتمعات التي يعيشون فيها وليس في تجميعهم في اسرائيل

featured

صحة أهالي أم الفحم وقراها أهم من حفنة الشواقل

featured

التشكيك في حق العودة