لكل إنسان نصيب من اسمه فهذا هو الغطاس الّذي كان يغوص في بحار العلم ليستخرج لآلئ المعرفة ودررها من أعماق المحيطات ورحم الله شاعر النيل حافظ ابراهيم الّذي وصف اللغة العربية بقوله:
أنا البحر في أحشائه الدرّ كامنٌ فهل سألوا الغواص عن صدفاتي
وأمدّ الله في عمر الموسيقار العبقري عمّار الشريعي الغواص في بحر النغم.
وهذا هو الغطاس والغواص في التاريخ القديم والمتوسط والحديث منذ بدء الخليقة وحتّى أيامه المديدة الأخيرة، الراحل غطاس غطاس، كان يدرك ما حوله ويهتم به ويحلّله باحثًا عن الحقيقة ومدليًّا برأيه في الأحداث ولم يكتف فقط بسرد الأخبار والتواريخ والأحداث، ومن يراجع كتابه "البستان العامر والروض الزاهر" يتأكد من صدق هذا الادعاء (أنظر مثلا تعقيبه على قضية حرق القائد طارق بن زياد للسفن الّتي حملت جنوده لاحتلال اسبانيا (ص 111) ومن المهم أيضا مراجعة رأيه في ثورة 1936 (ص 478 – 491).
لو واجهت الناس القريبين منه مشكلة كانوا يتساءلون ويهمّهم أن يعرفوا ما هو رأي غطاس فهو البوصلة الّتي تَهدي التائهين.
ما قالته عنه عائلته في حياته فجميع أفرادها يعرفونه وكان هو لا شك يعرفه، أمّا بعد وفاته فخير من عبّر عن رأي العائلة أو رأي الشعر الّذي كان في يوم من الأيام ديوان العرب، أقول خير من عبّر عنه هي كنّته زوجة ابنه د. باسل، الشاعرة سوسن الّتي اعتبرته بوصلة الرؤى الّتي تهدي الضالين إلى الاتجاه الصحيح، سواء كانوا في البحار أو في الجو أو في البر، كل ضال ومنحرف عن طريق الحق والصواب بحاجة إلى بوصلة تدلّه على الاتجاه الصحيح الّذي بحث عنه، ومن منّا لا يبحث عن الاتجاه الصحيح أو يدّعي أنّه يبحث عنه، مواقفه وهو في الاعتقال في أعقاب نكبة 1948 ومواقفه في كل مجلس كان يحضره مشهودة ومشهورة وكان الكل ينتظر أن يعرب غطاس عن رأيه في موضوع البحث المطروح، كان شجاعا في البحث عن الحق واعتباره هاجسه الأول وبوصلته الأولى والهامة على مدى حياته المديدة، وكل من عرفه يؤكّد على تمسّكه بالحق والبحث عنه، وما قال يوما كلمته ومشى، بل كان يقول كلمته أو رأيه مدافعا عنه وملتزما به، ومحاولة اقناع الآخرين بصوابيّته وصدقه، لم يكن يخاف في الحق لومة لائم، وله موقف جريء يوم زار اوري طاهون المستشار الخاص لوزير المعارف والثقافة في حينه يغئال الون دار السيد حنا مويس ودعاه مع من دعاهم من مديري المدارس والمعلمين، وآخرين ممن لهم علاقة بالتّربية والتّعليم والتّدريس، وبعد الانتهاء من تناول طعام الغداء سأل الضيف الحاضرين ثلاثة أسئلة على النحو التالي:
الأول عن رأي الحاضرين في المستوى المتدنّي لمعلمات روضات الأطفال خريجات دار المعلمات في حيفا. والسؤال الثاني كان عن إحجام الشبان المسيحيين عن التطوع في الجيش الاسرائيلي، أمّا السؤال الثالث والأخير فكان عن سبب تصويت 600 شخص في الرامة للحزب الشيوعي.
وسكت الجميع وأخذوا ينظرون الى بعضهم البعض ولم يجرؤ أحد منهم على الإجابة، وشخصت الأبصار وتوجهت الأنظار والعيون الى غطاس الّذي زان الأمور بميزان الربح والخسارة واعتبر أنّ عدم الاجابة يعتبر اهانة له ولكرامته ويمكن أن يفسّر الحاضرون سكوته خوفا وجبنا، وهو لا يتّصف بهذه الصفات السلبية بل إنّه كان يحافظ على كرامته واحترامه لنفسه أكثر من أي شيء آخر، وكل ما يمكن أن يخسره إذا أجاب هو أن تمتنع الوزارة من ارسال دفاتر امتحانات البجروت في أسئلة الجغرافيا والتّاريخ لتصحيحها (أكثر من ألف دفتر كانت تدرّ عليه دخلا هو بحاجة اليه)، لكنّه أمام هذه "الخسارة" سيربح ضميره وشرفه وكرامته ويحافظ على موقفه إذا أجاب بصراحة وليكن ما يكون، وفعلا أجاب وأجاد، وأقنع كما هي عادته، وعندما ارفضّ الجمع وقبل أن يفرنقعوا، قام الضيف وسلّم عليه وهو يودعه بحرارة شادًّا على يده وكأنّه يريد أن يحيّيه ويقول له لا فضّ فوك أبا داود، وهذا ما كان من الضيف الّذي عبّر بلغة الجسد خير تعبير عمّا دار في نفسه بعد سماع تلك الأجوبة المقنعة والمفحمة، والّتي يمكن قراءة تفاصيلها في الصفحات 582 و 583 في الكتاب، ويذكر غطاس أنّ ذلك المسؤول لم يسلّم عليه ولم يحيِّه كما فعل مع غيره من المدعوين الحاضرين عندما حضر ودخل غرفة الضّيافة، وموقف غطّاس الشجاع نال اعجاب وتقدير جميع الحاضرين سيّما وأنّه خلّصهم من الورطة الّتي أدخلهم فيها حضرة المستشار.
موضوع آخر يتناوله الكاتب بإبداع لا مثيل له وذلك خلال رحلاته الى مصر وايطاليا والمغرب، واسبانيا والبرتغال، حيث وصف كل ما كانت تشاهده عيناه وتسمعه أذناه، تجعل القارئ يحس أنّه كان معه في الرحلة أو أنّه يستمع إليه وهو يلقي على طلابه درسا في التاريخ أو الجغرافيا من تلك الدروس الشّيّقة الّتي اعتاد أن يلقيها على مسامعنا واقفا عن ظهر قلب مستشهدا بالسنين والتّواريخ والأرقام وأدق التّفاصيل وبلغة عربية صحيحة سليمة من أي لحن أو خطأ، وهنا أقول بقناعة وصراحة وللفائدة والذّكرى انّ من يريد أن يحدّثه غطاس ما عليه الا أن يدخل الى بستانه العامر وعطره الزاهر.
واذا كان الاستاذ غطاس يعتبر مذكراته وذكرياته في الصفحات 471 وحتّى نهاية الكتاب في صفحة 585، نقول إذا كان يعتبرها مذكّرات إنسان عادي لأنّه لم يحصل على منصب إداري أو سياسي أو اجتماعي رفيع المستوى على حد تعبيره في صفحة 472، فلم يبق لنا في هذه العجالة الا أن نتمنى لو كان الناس كل الناس عاديين مثل غطاس ، رجل الثقافة والأدب والعلم الغزير والأخلاق والمواقف المشهودة وهو بنظرنا لم يكن رجلا عاديا في يوم من الأيام بل هو الرجل المثالي، والرجل القدوة والأسوة الحسنة، وهو الّذي ترك تاريخا ناصعا يفخر به طلابه ويفخر به شعبه، ويعتز من تلقى العلوم على يديه بقوله كان معلمي غطاس.
وأخيرًا فإنّ الأستاذ غطاس يستحق بجدارة أن نضيف اسمه إلى قائمة الشرف من المؤرخين الّذين حفّظنا اسماءهم ومنهم على سبيل المثال: برستد، والطبري، وابن الأثير، وابن خلدون والواقدي، والبلاذري، وابن عساكر ونقولا زيادة، وغطاس يوسف غطاس.
(دير الاسد – حيفا)
