*إقامة اللجنة القطرية للدفاع عن الاراضي- أحداث يوم الأرض الخالد*
*من هذا المؤتمر التاريخي إنبثقت لجنة الدفاع عن الأراضي وكان قد انتخب القس شحادة شحادة رئيساً لهذه اللجنة والرفيق صليبا خميس سكرتيراً لها، وبدأت تأخذ دورها الطليعي في توجيه معركة الدفاع عن الأراضي العربية وقيادة نضال الجماهير العربية في هذه البلاد من أجل هذا الهدف الذي يعتبر من أهم الأهداف في المعركة من أجل البقاء في هذا الوطن الغالي*
منذ نكبة شعبنا العربي الفلسطيني في سنة 1948 وحتى يومنا هذا لم تتوقف الجماهير العربية في هذه البلاد عن مجابهة السلطات الاسرائيلية بمختلف الوسائل ضد السياسة العنصرية التي اتبعتها ولا زالت تتبعها ضد جماهير شعبنا وكان وما زال دائماً يقف في طليعة هذا الكفاح الحزب الشيوعي الاسرائيلي والذي عمل على اقامة الأطر الوحدوية بين جماهيرنا العربية من أجل تنظيم كفاحها العادل. ولقد جابهت جماهيرنا مختلف أنواع الإضطهاد القومي والتمييز العنصري والحكم العسكري وسياسة سلب الأراضي العربية التي هي من أخطر السياسات الموجهة ضد جماهير شعبنا، ولذلك لم يكن صدفة كون معركة الدفاع عن الأراضي قضية محورية في نضال جماهير شعبنا. وكان منذ أوائل الخمسينيات والستينيات يجري العمل على إقامة لجان من أجل الدفاع عن الأراضي ولكن هذه اللجان لم تكن الا لجان محدودة وما تلبث أن تنتهي بانتهاء المرحلة التي على أساسها أقيمت. ولكن في سنوات السبعينيات الأولى من القرن الماضي إشتد هجوم السلطات على الأراضي العربية من أجل وضع وتنفيذ مخططات لمصادرتها. وهنا بدأ العمل المنظم بقيادة الحزب الشيوعي من أجل مجابهة هذا المخطط السلطوي الذي يستهدف من الناحية العملية وجودنا. وقد عرف هذا المخطط باسم مشروع (تهويد الجليل) والذي يهدف "لبلع" حتى أقسام كبيرة من الأراضي في بلداتنا العربية المعدة للبناء، وغيرها من الأراضي التي من المفروض أن تكون ضمن منطقة نفوذ هذه البلدات. وبناءً على هذا الواقع القديم الجديد. كانت هناك المبادرة من أجل مجابهة هذا الواقع، وبدأت المشاورات لإقامة لجنة قطرية للدفاع عن الأراضي العربية وكان على رأس المبادرين من أجل عقد اجتماع تشاوري لهذا الهدف، الرفاق طيبي الذكر: محامي الأرض حنا نقارة وعضو سكرتارية اللجنة المركزية للحزب الشيوعي في ذلك الوقت الرفيق صليبا خميس، وقد عقد هذا الاجتماع التشاوري في حيفا بتاريخ 29.7.1975 وقد شارك بهذا الاجتماع عدد من رؤساء وأعضاء السلطات المحلية العربية وعدد من الأطباء والمحامين واصحاب أراضي وصحفيين، وفيه تقرر إقامة لجنة مبادرة للدفاع عن الأراضي وقد بدأت هذه اللجنة بأخذ دورها الطبيعي والطليعي في قيادة المعركة للدفاع عن الاراضي العربية المتبقية. ومن أجل أن يكون العمل أوسع أو أكثر شمولاً وحتى يتخذ طابعاً شعبياً دعت هذه اللجنة المبادرة الى اجتماع موسع والذي عقدته في مدينة الناصرة بقاعة فندق غراند-نيو بتاريخ 15.8.1975. وكان الاجتماع واسعا وفيه اتخذ قراراً أساسيا وهو عقد مؤتمر شعبي عام للجماهير العربية من أجل المطالبة بوقف المصادرة للأراضي العربية وفي الوقت نفسه إصدار نداء الى الرأي العام من أجل حثه على معارضة المصادرة وكذلك تأييد المؤتمر الذي أقر عقده في هذا الاجتماع الهام وقد وقع على هذا النداء الاف المواطنون وعدد من الهيئات الشعبية والمجالس المحلية العربية في اسرائيل وبعدها عقدت عشرات الاجتماعات الشعبية في مختلف قرانا ومدننا العربية في الجليل والمثلث والنقب وجميعها أكدت على أهمية وحدة الصف الكفاحية من أجل مواجهة هذا المخطط العنصري ضد جماهيرنا العربية.
وكل هذه الاجتماعات كانت مقدمة لعقد المؤتمر الشعبي العام الذي قررته اللجنة التحضيرية؛ وقد عقد هذا المؤتمر في مدينة الناصرة بتاريخ 18.10.1975 وشارك فيه الالوف من جماهيرنا العربية وكان أكبر مؤتمر شعبي في تاريخ الجماهير العربية في هذه البلاد.
في هذا المؤتمر الهام اتخذ قرار إعلان الاضراب العام للجماهير العربية والتظاهر أمام الكنيست اذا لم تتراجع الحكومة الاسرائيلية عن مخططات المصادرة وتهويد الأراضي العربية.
من هذا المؤتمر التاريخي إنبثقت لجنة الدفاع عن الأراضي وكان قد انتخب القس شحادة شحادة رئيساً لهذه اللجنة والرفيق صليبا خميس سكرتيراً لها، وبدأت تأخذ دورها الطليعي في توجيه معركة الدفاع عن الأراضي العربية وقيادة نضال الجماهير العربية في هذه البلاد من أجل هذا الهدف الذي يعتبر من أهم الأهداف في المعركة من أجل البقاء في هذا الوطن الغالي. وقد بدأت في تلك المرحلة إقامة لجان الدفاع عن الأراضي المحلية في مختلف مدننا وقرانا العربية وبدأت هي أيضاً تأخذ دورها المحلي في قيادة المعركة هذه التي من الضروري خوضها مهما كلف الثمن.
بعد أن رأت لجنة الدفاع عن الأراضي أن السلطات الاسرائيلية لم تتجاوب مع مطالب الجماهير بوقف هذا المشروع الإجرامي بحق العرب داخل اسرائيل. دعت لجنة الدفاع عن الأراضي الى اجتماع موسع في مدينة الناصرة في تاريخ 6.3.1976 ودعت أيضاً الى هذا الاجتماع اللجنة القطرية لرؤساء السلطات المحلية العربية، وقد حضر هذا الاجتماع من الرؤساء 20 رئيساً. وفي هذا الاجتماع اتخذ القرار التاريخي بإعلان الإضراب العام بتاريخ 30.3.1976 من أجل استنكار سياسة مصادرة الأراضي العربية ومن أجل وقف سياسة التمييز العنصري تجاه الجماهير العربية أصحاب الأرض الأصليين.
في الواقع كان هذا القرار قراراً تاريخياً معبراً عن إرادة الجماهير العربية في تصميمها على مقاومة الظلم مهما كلف الثمن.
بعد هذا القرار التاريخي لم تقف السلطات مكتوفة الأيدي، بل أخذت تعمل بالسر والعلن من أجل إفشال هذا القرار. وبدأ سيء الصيت متصرف لواء الشمال المدعو "يسرائيل كينغ" بدعوة الرؤساء الى مكتبه من أجل تخويفهم وردعهم عن الموافقة على قرار الإضراب وهو المعروف بوثيقته العنصرية والتي كشف عنها في أوائل آذار من سنة 1976 والتي يضع فيها خططه الجهنمية من أجل ضرب الجماهير العربية وشق وحدتها الكفاحية التي هي سر قوتها.
في تلك الفترة دعت السلطات لإجتماع واسع لكل رؤساء السلطات المحلية العربية بتاريخ 25.3.1976 في مدينة شفاعمرو، وقد شارك فيه متصرف لواء الشمال يسرائيل كينغ ومستشار رئيس الحكومة للجماهير العربية شموئيل طوليدانو وضباط شرطة وأرادوا من هذا الاجتماع الفرض على رؤساء السلطات المحلية اتخاذ قرار من أجل الغاء الإضراب.
بحكم عملي في فروع الشبيبة في قطاعي البطوف وشفاعمرو كان من واجبي ان أكون متواجداً في هذا الاجتماع في شفاعمرو وأذكر في ذلك اليوم بأني سافرت في الباص الذي كان يتوجه الى الناصرة عن طريق شفاعمرو وعندما صعدت الى الباص للتوجه الى شفاعمرو وجدت في الباص السيد محمد نمر حسين رئيس مجلس ديرحنا في ذلك الوقت وبعد أن طرحت السلام، قال لي: "لوين يا توفيق بدكو توصلونا بدكو تحبسونا؟" وطبعاً قالها لي بمداعبة نتيجة للمعرفة التي بيننا فأجبته أيضاً بمداعبة: "ياعمي أبو عزيز انت رئيس مجلس لا يستطيعوا أن يعتقلوك بل يعتقلوا أمثالنا" وكان معه في الباص أيضاً نائبه المرحوم السيد مصطفى الحسن، وقال له أيضاً: "اذا كنت تخاف يا أبو عزيز تنازل لي وانا على استعداد للمجابهة في مثل هذه القضايا" وسار بنا الباص الى شفاعمرو حيث عقد داخل مبنى البلدية هذا الاجتماع والذي خططت له السلطة أن يتخذ قراراً مغايراً لقرار لجنة الدفاع عن الأراضي وأرادوا أن يجروا تصويتاً سرياً من أجل اتخاذ قرار بإلغاء الاضراب الذي أقرته لجنة الدفاع عن الاراضي والذي كان قرار شعب بأغلبيتة المطلقة والذي قرر التصدي لكل مخططات السلطة الجهنمية والموجهة ضد جماهير شعبنا العربي في هذه البلاد. في البداية حاول الرؤساء والذين كانوا مع قرار الاضراب شرح الموقف بشكل عقلاني ومسؤول ومن المعروف أن الرفيق طيب الذكر، توفيق زياد كان قد انتخب قبل عدة أشهر من هذا التاريخ رئيساً لبلدية الناصرة وكان من بين الحضور في هذا الاجتماع. وعندما رأى ان النقاش مع مثل هؤلاء لا يفيد وأنهم يحاولون أن يلعبوا لعبة قذرة عندها تصدى الرفيق توفيق زياد للرؤساء أعوان السلطة ووقف معه عدد آخر من رؤساء السلطات المحلية الذين تواجدوا هناك وقد قال لهم الرفيق توفيق زياد: "ان الذي اتخذ قرار الاضراب ليس انتم بل لجنة الدفاع عن الأراضي وهي وحدها لها الحق في اتخاذ القرار وأن الجماهير قررت الإضراب ولا توجد قوة تستطيع ان تثني هذه الجماهير عن قرارها."
وقد كان من بين الرؤساء الذين وقفوا الى جانب الرفيق طيب الذكر توفيق زياد طيبي الذكر: حنا مويس رئيس مجلس الرامة المحلي والذي كان رئيس لجنة الرؤساء للسلطات المحلية العربية ومحمد محاميد رئيس مجلس أم الفحم ومحمود نعامنة رئيس مجلس عرابة. وأمد الله في أعمارهم الرفيق أسعد يوسف كنانة رئيس مجلس يافة الناصرة وجمال طربية رئيس مجلس محلي سخنين وأحمد مصالحة رئيس مجلس دبورية المحلي ويونس نصار رئيس مجلس محلي طرعان وكذلك الرفيق حسن محمود خطبا الذي كان نائباً لرئيس مجلس محلي الرينة والرفيق أمين عساقلة عضو المجلس المحلي في المغار.
ان جميع هؤلاء تصدوا بشجاعة للمؤامرة التي أحاكتها السلطة ضد الجماهير العربية وعندما رأت السلطة وعملائها أن لعبتهم أصبحت مكشوفة ثارت ثائرتهم ولكنهم لم يتمكنوا من تحقيق أهدافهم في تلك الجلسة.
(يتبع)
