في عام 1973 وصمت الأمم المتحدة الصهيونية بالعنصرية، وفي معرض رده على القرار وصف ممثل إسرائيل في الأمم المتحدة آنذاك حاييم هرتسوغ، ومن أصبح فيما بعد رئيسا لدولة إسرائيل، وصف القرار بأنه إدانة لأقدم الديانات التوحيدية في العالم، بمعنى إدانة لليهودية وليس فقط للصهيونية. لم يعانِ هرتسوغ من فهم المقروء وإنما بسبق إصرار وترصد أراد للعالم أن يخلط بين الصهيونية واليهودية، فقد هرب من السياسة إلى الدين ولجأ إلى التبرير الديني الغيبي لما ترتكبه السياسة الصهيونية العنصرية بحق الجماهير الفلسطينية الرازحة تحت الاحتلال. وحين يطرح وزير القضاء الإسرائيلي يعقوب نئمان رؤيته وحلمه في أن تتبنى إسرائيل الدولة أحكام الشريعة اليهودية بدلا من القوانين المرعية في الدولة فانه لا يتملق الدين أو رجالات الدين ولا حتى الفكر الديني، وإنما يبرر الفعل السياسي المتعصب والعنصري بتبريرات دينية غيبية، وهو الأمر الذي ذهب إليه قيادات وآباء الفكر الصهيوني السياسي والذين لا يمكن اتهامهم بالتدين. لكنهم أدركوا مبكرا قدرة الفكر الديني على شحذ مشاعر التعصب القومي، وهو ما تتقنه الصهيونية السياسية من خلال الاستيطان وامتطاء المشاعر الدينية في تنفيذ المشروع الصهيوني برمته وليس فقط بشكله الكولونيالي في مناطق الاحتلال.
لقد ارتبطت الصهيونية منذ نشأتها بالاستعمار، بل شكلت رأس حربته في الشرق الأوسط، بمعنى انه لا يمكن النظر إلى المشروع الصهيوني بمعزل عن المصالح الاقتصادية والجيوسياسية للقوى الاستعمارية الطامعة في منطقة الشرق الأوسط اقتصاديا وعسكريا وسياسيا، وقد اعترف ماكس نوردو ضمنا بهذا الترابط في قوله :" لو لم تقم الحركة الصهيونية لكان على بريطانيا ابتكارها" وليس صدفة أن تتحالف الصهيونية مع أشد القوى الاستعمارية شراسة لتصبح إسرائيل - كنتاج لنشاط الصهيونية - في تبعية مطلقة للاستعمار في المنطقة.
بدا جليا في أعقاب حرب 1967 أن إسرائيل تجاوزت سقف تطلعات الاستعمار الكلاسيكي في المنطقة، فكان عليها الذهاب إلى الصيغة الأشرس للاستعمار والارتباط العضوي بالإمبراطورية الصاعدة – الولايات المتحدة الأمريكية، وقد وجدت الكولونيالية الإسرائيلية دعما غير محدود في استعمار مناطق الاحتلال، لكن كان لهذا الشكل الكولونيالي سيكتب الفشل لو اعتمد كليا على سياسة القوة العسكرية دون الركون واستخدام الدين وقوة الأفكار الدينية ، إذ أن فكرة الوعد الرباني قادرة على التضليل بما يفوق قدرة البندقية، وجذب جماهير اليهود وخاصة المتدينين منهم ومنحهم امتياز استعمار الأرض العربية وبسط هيمنة الدولة عليها، لذا لا غرابة في طرح وزير القضاء الإسرائيلي حول دولة الشريعة ، بل تسعى الصهيونية إلى تعميق هذا المزج بين القوة العسكرية كشكل من أشكال تجلي السياسة العدوانية، وقوة الفكرة الغيبية الدينية حول ارض الميعاد والوعد الرباني، لما في ذلك من قدرة على إنتاج مثل تلك الطفيليات الاستيطانية التي تعيث فسادا في الأراضي العربية المحتلة، مستندة إلى كل أشكال الدعم السياسي من حكومة إسرائيل والغيبي من المؤسسة الدينية اليهودية الأرثوذكسية في إسرائيل. والسؤال هو هل تجاوز نئمان صهيونيته من خلال تصريحاته المنافية لوثيقة استقلال دولته؟ أم انه عبّر أكثر من غيره عن طبيعة التشابك بين الصهيونية واكثر عناصر الفكر الديني اليهودي رجعية وانغلاقا !
