بعد قرار حكومة بنيامين نتنياهو وقف المفاوضات بسبب الانجاز الفلسطيني نحو اتمام المصالحة الوطنية، اعلنت هذه الحكومة اليمينية أمس أن الجانب الفلسطيني، والرئيس محمود عباس بالذات، هو من أفشل المفاوضات. فالعقليات المتغطرسة المغرورة تظن أن بوسعها خداع المنطق السليم للبشر من خلال اقتراف الموبقة جهارًا نهارًا، ثم اتهام ضحيتها بفعلتها، قبل انقضاء 48 ساعة عليها!
تزعم هذه الحكومة الاستيطانية العدوانية بأن أبو مازن "أطلق رصاصة الرحمة" على المفاوضات بسبب ما عاد وأكده أمس. لكن هذه المزاعم الاسرائيلية محض أكاذيب رخيصة ليس أكثر. فالحقيقة هي أن الرئيس الفلسطيني لم يطرح أي جديد بالمرة.. بل عاد وأكد الثوابت والمطالب الفلسطينية: "لا مفاوضات بدون درة التاج القدس، والعودة للمفاوضات مرتبطة بالتزام إسرائيل بوقف الاستيطان بشكل كامل وإطلاق سراح الأسرى... لا مفر لنا إلا بالوصول إلى الحقوق الثابتة وبإقامة الدولة المستقلة وعاصمتها القدس الشريف، ونحن متمسكون بحق العودة بالاستناد إلى مبادرة السلام العربية وبناء على القرار 194".
تكذب حكومة اسرائيل على مجتمعها ومواطنيها، وتحاول خداع العالم، وكأن الشعب الفلسطيني قد "فاجأها" بمطالبه المذكورة. لأن حكومات اسرائيل تعرف جيدا ان هذا هو الموقف الرسمي لمنظمة التحرير الفلسطينية منذ "اعلان الجزائر" قبل أكثر من ربع قرن!
ربما أن الجديد الهام هو تعاطي حركة حماس الايجابي المعلن مع خطاب الرئيس الفلسطيني، لكن هذا هو بالذات ما تتجاهله حكومة الاحتلال. وهذا بالضبط ما يعيد كشف سياستها العدوانية المناقضة للسلم والعدل، والواضحة لكل ذي بصيرة. وهذا بالضبط ما يكشف أن حكومة الاحتلال أرادت المفاوضات، ولا تزال، فقط للظهور بمظهر من يتفاوض، ولكن بعيدًا جدًا جدًا عن استحقاقات أي تفاوض ذي مضمون.
قلنا ونعيد التأكيد: إن القضية الفلسطينية العادلة بحاجة الى استراتيجية لمواجهة جميع الاحتمالات، فهذا الاحتلال الاستيطاني قد يحاول الآن الهرب الى الأمام نحو مربعات العدوان.. وهذه الاستراتيجية يجب أن تستند الى حقيقة ثابتة: إن الانقسام الفلسطيني كان أكبر "كنز استراتيجي" للاحتلال الاسرائيلي، بينما المصالحة الفلسطينية هي أكبر "كنز استراتيجي" لكفاح الشعب الفلسطيني العادل.