نحن أمة مُبعثَرة (بفتح الثاء)، ومُبَعْثِرة (بكسرها). أمتنا تستعذب البعزقة. (بَعْزَقَ) فعل نردده في لغتنا المحكية لكنه من فصيح الكلام.
تتقاذفنا العواصف الفكرية والمادية لأننا مصابون بداء نفسي واجتماعي اسمه "البعزقة".. أعراض هذا المرض هدرٌ وتبذير وتبديد للوقت والمال. حمّى هذا المرض تُنسينا أن الاتحاد قوة وأن هزائمنا تستولدها فيروسات التمزق والانشطار.
يستحيل على العرب الانضواء تحت لواء دولة واحدة اسمها (الولايات المتحدة العربية).. كيف يمكن للعرب أن يتوحدوا وهم مفككون متناهشون؟! كيف نتوحد وخيراتنا يتقاسمها الغرباء العاملون على تقسيمنا وتفريقنا؟! كيف يمكن أن يتوحد الوطن وقوام تضاريسه مجموعات من القرى والمدن تسكنها قبائل متناحرة وعوائل متخاصمة ومذاهب متناهشة؟!..
على صعيد الأفراد، نحن مُقسّمون ومُنقسمون!.. الجار يكره جاره.. المتشيع لمذهب ما يعادي المتشيعين لغير مذهبه، ناهيك عن الأحقاد والأنانيات التي تُباعد بين أبناء الوطن الواحد. لقد أمست البعزقة أسلوب حياة به نبعزق أوقاتنا الثمينة على وفي شتى التفاهات، والحصيلة أعداد متزايدة من البؤساء.
في أفراحنا وتحديدًا في فصل الصيف ننوء تحت أعباء الإنفاق الذي لا مبرر له سوى التشاوف والتنافس والأضواء والبريق. ألرابحون في هذه الأفراح هم أصحاب القاعات ومصممو الأزياء ومصففو الشعر والمصورون والمطربون والمطربات والرقصون والراقصات.. أما الخاسرون فهم أهل الفرح وجماعات المدعوين. والمضحك المبكي أن غولَ البعزقة يلازمنا حتى وداع الحياة، ففي أتراحنا نشاهد أكاليل الورد وباقاته تتكدس على المدافن ويموت الورد ذابلاً يبكي اتعابًا وأثمانًا تبددت سدى. لقد أمست أفراحنا وأتراحنا أدوات تبذير في زمن نحتاج فيه إلى حُسْن تدبير؟! بئس بعزقة تأتينا بالقهر والضياع!.
