تكاد تكون أيام السنة زاخرة بالأحداث والمناسبات والذكريات الغالية الوطنية، تلك الأيام التي سطرتها جماهير الأقلية العربية الفلسطينية في حاضرة الصمود والبقاء في جوف الوطن وعليه، في معركة مستمرة لم تنتهِ منذ ان بدأت قبل سبعة وستين عامًا مضت في صراع ليس تاريخيا وإنما وجوديا مع حكام وأسياد الدولة العبرية والحركة الصهيونية.
هذه أيام تُحكى وأحداث تُروى ومناسبات وذكريات مزروعة على مدار الوطن والشعب غالية التضحيات نافذة وكبيرة تفوق القيمة المتساوية لمشوار النضال الدؤوب والمعقد والمركب في آن واحد، لمسيرة شعب لم يتكاسل ويتوانَ في يوم من الأيام عن النضال والسعي الدؤوب في سبيل استرداد حقوقه المشروعة والمغتصبة من اجل عدالة ذلك الهدف الوطني والقومي الشامخ الذي يلاحق الامبريالية والصهيونية والرجعية ليعلن على الملأ ان حقوق الشعب الفلسطيني والجماهير العربية في الداخل هي حقوق ثابتة مشروعة قوية غير قابلة للمساومة أو التنازل عنها في يوم من الأيام.
ولهذا يصر شعبنا وجماهيرنا الباقية وفي أماكن الشتات والتواجد الفلسطيني المشرد في زوايا الأرض، ونحن على أبواب ذكرى يوم الأرض الخالد، ان نسميه شعب الفداء وأبا التضحيات، وكما قال رمز الفداء والتضحيات ياسر عرفات باننا شعب الجبارين شعب المآثر العظمى، تتحد قوته وإرادته الصلبة والحرة في قدرته على الصمود ومحاربة الاستسلام، فاكتسب عن جدارة الشجاعة والألقاب النضالية في قاموس الرسوخ والثبات لحركة وكفاح الشعوب التحرري، حيث بذل الغالي والرخيص في سبيل العطاء والفداء ضمن معركة ومسيرة بدأت ولم تنتهِ بعد، لتحقيق غايته في الحرية والاستقلال في رفرفة العلم فوق القدس وصيانة الهوية وتحقيق الدولة الحرة المستقلة، وحق من تشرد بالخوف عن أرضه ووطنه ان يعيش حلم العودة واقعًا حرًّا كريمًا فوق تراب وطنه في الجليل والمثلث والنقب والساحل وعلى امتداد السنتمترات الصغيرة التي تتشكل منها مساحة الوطن.
أيامنا الوطنية النضالية هي أيام شعبية عارمة في مقارعة السياسة الصهيونية، وهي أيام تحققت بإرادة المجموع والمجترحة بالتضحيات والصمود، ودفع مهرها بالدم والدموع والسجن والاعتقال، حيث كان المخططون والمنفذون لها هم أكثر الناس التزامًا ووعيًا وأكثر تجربة على الصمود وتقديم التضحيات والوقوف في وجه السلطة وقوانينها العنصرية. فكان وما زال الشيوعيون والوطنيون الصادقون، يملؤون ساحات النضال ويضعون المهمات النضالية ويدعون إلى أوسع وحدة جماهيرية عربية يهودية لمجابهة أكثر السياسات الصهيونية تشددًا واقتلاعًا ونهبًا للأرض، وأكثر أنظمة الحكم ظلمًا وقهرًا للإنسان العربي الفلسطيني على وجه الخصوص.
وتقف جماهيرنا العربية اليوم وعشية الذكرى التاسعة والثلاثين ليوم الأرض الخالد، أمام تحديات جسيمة أمام خطر الاقتلاع والطرد والترحيل من الوطن والنقب ومصادرة ما تبقى هنا وهناك، يضاف إلى ذلك نقش العنصرية وشرعنتها في قوانين حكومية للحيلولة دون ان يهدأ للعرب أصحاب الأرض والوطن أي بال بالعيش والتطور على ارض الآباء والأجداد. كما تحاول السلطة الاضطهادية بقوانينها السلطوية ان تصادر وتلغي وتحرم من شعبنا في الداخل أهم مناسبتين وطنيتين لهما اثر كبير في صقل الذاكرة الفلسطينية وامدادها بينبوع الصمود والنشوة وتجديد العهد على الصمود والمواجهة مع حكومة العنصريين، وهما يوم الأرض الخالد في الثلاثين من آذار، ويوم النكبة الذي يحل في الشهر القادم والذي تحول إلى يوم عالمي، وعن حق العودة ما في عودة.
يوم الأرض الذي أصبح يعتبر على الصعيد المحلي عيدًا وطنيًا للتشبث والتمسك بالأرض والحق وكل الحقوق القومية، وفلسطينيًا غدا يوم الأرض يعتبر احد أهم المناسبات الدالة على جماهيرية وشعبية وقومية المناسبة مغروسة ليس كمناسبة وطنية فحسب، بل أصبحت مناسبة وطنية بأبعاد سياسية لترسيخ الجذور والعمل على استرداد المسلوب، ليس من الأرض وإنما ما بُني فوق الأرض الفلسطينية من المستوطنات الكولونيالية، فيما غدا يوم الأرض بالنسبة للمواطن والفلاح الفلسطيني، يوم تجديد العهد والوفاء مع الأرض المعطاءة وتشجيع الزراعة وخاصة الزيتون الذي تشتهر به بلادنا فلسطين على امتداد مئات السنين الغابرة. فيما ينظر المواطن الفلسطيني المشرد والقابع في مخيمات اللجوء القسري في دول الجوار أو في بقاع الأرض المنتشرة في أوروبا وأمريكا اللاتينية وإفريقيا، إلى ذكرى يوم الأرض الخالد والنكبة على اعتبار ان حلم العودة في يوم من الأيام مهما طال الزمن، يوم يعيش فيه المواطن الفلسطيني بكل أحاسيسه وجوارحه، حالة من التعبئة الوطنية والطاقة القومية للتزود بالقناعة الراسخة التي لا تغيب حتى عند المولود الفلسطيني الجديد، ان له حقوقا وواجبا ان يستردها في يوم من الأيام. واذا قلنا ان يوم الأرض أصبح يمثل بشكل عام يومًا قوميًا ووطنيًا مطلبيًا، فان ذكرى النكبة وحق العودة التي تحل على البقية الفلسطينية المنزرعة في تراب وطنها في نيسان القادم، هي امتداد ما بين الوفاء للأرض والوفاء للحق والوطن وإرادة بناء وتنشيط وتفعيل مطلب العودة بما ينسجم مع التطورات الجديدة والحاصلة في منطقتنا وضرورة إعادة ترتيب الاستراتيجية الفلسطينية، في ضوء التعنت الإسرائيلي وتجميد المسعى السلمي بل الغياب الكلي والشامل، في تهميش الحل السلمي العادل والتهرب من استحقاقات أوسلو المنتهية فعلا وواقعًا، لان حكام إسرائيل وبالرعاية الأمريكية أخرجوها من مسارها الطبيعي نحو تحقيق حلم الدولة الفلسطينية في حدود الـ 67. وبالمقابل وصل التشدد الإسرائيلي اليميني الذي يقف على رأسه نتنياهو إلى قمته العنصرية، في أعقاب التوجه والتمسك الفلسطيني بالحق والأولوية إلى الأمم المتحدة وباقي المنظمات الدولية وعلى رأسها محكمة الجنايات الدولية. اذ انزلق الليكود وحكومة اليمين المتطرف إلى منزلق اكبر وأكثر خطورة على حقوق الفلسطينيين والأقلية الفلسطينية التي تعيش في وطنها، وهي محاولاتهم العنصرية الفاشلة في سن قانون "يهودية الدولة" هذا القانون الذي لو نفذ أو تم إقراره يشكل خطرًا كبيرًا على قضية السلام في المنطقة، ويسهل الأمور نحو اندلاع حرب جديدة وموجات من النزاعات الأقليمية فيما يقوي موجات الإرهاب ليس على صعيد المنطقة وإنما في العالم اجمع، وان المستهدفين منه بصورة رئيسية هم المواطنون الفلسطينيون الصامدون على ارض وطنهم، فيما يضع حدًّا لقرارات الأمم المتحدة بتنفيذ قراراتها المتعلقة بالحقوق الشرعية والثابتة للاجئين الذين هجروا من مدنهم وقراهم سنة 1948.
فالمسيرة التحررية للشعب الفلسطيني شائكة وصعبة، ولكنها حققت نتائج كبيرة على الصعيد الوطني والسياسي، فالزخم الدبلوماسي الدولي يزداد، فيما يضعف أو يتقهقر وينكشف الموقف الإسرائيلي في ظل أسوأ الحكومات الإسرائيلية في كل تاريخها معاداةً للشعب الفلسطيني وحقوقه المشروعة. لقد فرضت أجواء وأيام وسنوات الصراع مع حكام إسرائيل والحركة الصهيونية ان أفرزت واقعًا وطنيًا جديدًا وغدت المناسبات الوطنية على خارطة الرزنامة الفلسطينية على امتداد أيام السنة، هذه المناسبات ما هي إلا ينبوع متواصل يتدفق باستمرار في تسجيل وتدوين انجازات وبطولات هذا الشعب الجبار بدءًا من كفرقاسم إلى يوم الأرض إلى هبة أكتوبر إلى مسيرات النكبة، فنحن مستمرون حتى بزوغ فجر التحرر والاستقلال.
والمعركة لم تنتهِ وإنما تتجدد وباستمرار.
(كويكات/أبوسنان)
