في كل واحدٍ منّا "متشائل" صغير

single

يشرّفنا جميعًا أن نكون هنا هذا المساء، لتدشين ميدان على اسم أحد أبرز الشخصيات الحيفاوية، أحد أهم الأدباء، وأحد أكبر القادة. يشرّف مدينتنا حيفا أن يزيّن اسم إميل حبيبي الميدان الرئيسي في وادي النسناس؛ الحي الذي وُلد فيه وترعرع فيه، وكتب وناضل وأبدع وبقي، في المدينة التي ارتبط بها وصارت رديفًا له، وبقي فيها.
"باق في حيفا". قد لا يفهم الغرباء ما الذي يجعل البقاء بهذه الخصوصية. وربّما أنا أيضًَا، الذي وُلدتُ في عصر آخر، وإن وُلدتُ في نفس المكان واخترت نفس الطريف الفكري والسياسي؛ ربما أنا نفسي لا أفهم حقًا كم كان البقاء في حيفا أمرًا غير مفهوم ضمنًا بالنسبة للجيل الذي ذاق مرارة نكبة العام 1948 على جلده.
بالنسبة لي ولأبناء جيلي، ثمة خيار واحد فقط: البقاء. في حيفا والجليل والمثلث والنقب. ونحن مدينون بهذا الخيار لإميل حبيبي ورفاق دربه، توفيق طوبي وماير فلنر وإميل توما وتوفيق زيّاد وحنا نقارة، وغيرهم ممّن تشبثوا بالوطن، ورفضوا قبول الضربة القاصمة التي حلـّت هنا قبل 65 عامًا.
ثمة أربع زوايا، أو أربع اتجاهات لميدان إميل حبيبي. أتخيّله جالسًا هناك، ينظر نحو الشمال، نحو البحر الذي أحبّه حبًا جمًا، نحو عكا التي التجأ إليه بطله، سعيد أبو النحس المتشائل، في ليالي النكبة المظلمة والمؤلمة، باحثًا عمّا يعزّيه.
أتخيّل أبا سلام يدير ظهره لشارع الأمم، الذي أصبح يسمّى شارع الصهيونية. أو كمان أصرّ هو وأصررنا من بعد على أن نظل نسمّيه: شارع الجبل. ويا جبل ما يهزّك ريح! وتهبّ من الغرب ريحُ ألنبي، الجنرال البريطاني الذي احتل المدينة. ومن الشرق تهبّ رياحٌ شرقية. من هنا هبّت كذلك جيوش الأنظمة العربية، التي لم تأت لمنع قيام الدولة اليهودية، بل لمنع قيام الدولة العربية. في الشرق نجد أيضًا شارع العراق، الذي يسمى اليوم "كيبوتس غليويوت". من هنا سافر إميل حبيبي عشرات السنين من الناصرة إلى حيفا، ذهابًا وإيابًا. من البيت إلى الجريدة وإلى اجتماعات طويلة ومصيرية، ذهابًا وإيابًا. وفي النهاية، كما هو معروف، فقد بقي في حيفا.
وفي الوسط، في الميدان، يجلس إميل حبيبي، عابسًا أو عابثًا. ولعلـّه لا يجلس هناك، ولعلّ هذه كلـُّـه مجرّد وهم، نتاجُ الخيال الشرقيّ الجامح الذي عزا إليه أبو سلام قدرتنا على العيش هنا، في الدولة الديمقراطية الوحيدة في الشرق الأوسط.
هنا، في هذا الحي، سنجد أنفسَنا نقتفي أثره كيفما مشيْنا. في "الاتحاد"، الجريدة التي حوّلها إلى يومية؛ في المطبعة؛ في نوادي الحزب؛ في بيوت صغيرة وحكايات نازفة؛ لكن بالأساس: في الناس. ففي كلِّ واحدٍ منا "متشائلٌ" صغير. وكما كتب أحد تلاميذه، الشارع محمود درويش: "كم أنت? ?يا حبيبي،? ?كم فيك من تناقضٍ هو أحدُ مرايا تناقضاتِنا التي? ?تكسر اللغةَ من فرط نزوع المأساة إلى ارتداء قناع الملهاة?. ?في? ?كل واحدٍ منّا واحدٌ منكَ ونحنُ جميعًا فيك?".
في شارع ألنبي، بالمناسبة، قرب شارع "بن غوريون"، هناك عريشة بطيخ. ومن طرائف حبيبي أنه كان يحمل "بطيختين"، بطيخة السياسة وبطيخة الأدب. وفي الحوار الأخير معه، الذي نُشر في مجلة "مشارف" بعيد وفاته، سُئل إذا ما كان سيرمي إحداهما لو عاد إلى البداية، قال: "لو عدت إلى البدايات مع تجربتي لاخترت، بالطبع، طريقًا آخر"، ثم استدرك "لكن لو أعدتني طفلا مع ظروف شعبي كما كانت، فأعتقد أنه لا يكون أمامي إلاّ العمل في السياسة".
ويُسأل السؤال: هل ظروف الشعب الفلسطيني اليوم، بعد 65 عامًا من النكبة، و46 عامًا على النكسة، و20 عامًا على أوسلو، أفضل؟ لو كان حبيبي بيننا اليوم، فأيٌ من البطيختين كان يختار؟
إنّ ميدان إميل حبيبي جميل، ولكن طريقه ليس أقل جمالا. وبالأساس: فإنه الطريق الوحيد الذي يمكنه تحويل هذا المكان إلى مكان طبيعيّ. 17 عامًا مرّوا منذ رحيله وحتى اليوم. فكم عامًا نحتاج كي يحظى شعبنا بالحرية في وطنه؟ عشرة؟ عشرين؟ خمسين؟ مَن منكم متفائل؟ مَن منكم متشائم؟ ألمْ أحكي لكم، يا محترمين، أنّ في كل واحد منّا "متشائل" صغير؟

 

(ألقيت في حفل تدشين ميدان إميل حبيبي في حيفا، وأمسية خاصة بالمناسبة، في 26 أيّار 2013)

قد يهمّكم أيضا..
featured

من اجل استنهاض الجهود لتوحيد الشيوعيين العراقيين

featured

لإنقاذهم من أنفسهم!

featured

"اتحاد الكتاب" بين العصبويّة الفئوية والانفتاح

featured

لنخصّص لإسقاط "برافر" 10% فقط مما نقدّمه في أية انتخابات..

featured

وزيران ظلاميان جاهلان بالثقافة

featured

سلاحٌ ذو حدَّين

featured

صوت الإنسان أغابيوس

featured

نحن لسنا من ضيعة صغيرة