عندما تظاهرنا قبل عدة أشهر أمام مركز الشرطة في الناصرة، احتجاجًا على التحقيق الاستفزازي مع النائب محمد بركة، حضر شخص يهودي، لا متضامنًا بل.. محتجًا على تظاهرنا، وفي حينه أراد هذا المتظاهر إسماعنا آرائه، وقال له من قال، بأدب، يا عمي كف شرك عنا. نحن هنا لنتضامن لا نناقشك.
على كل حال، ما يهم هنا أن في نهاية هذه التظاهرة، قام هذا الشخص واشتكى لشرطي بأن هنالك من اعتدى عليه. ومن حيث لا أدري، وبدون مقدمات وجدت الشرطي يشير إلي أن اقترب. أنا؟ تساءلت مستغربًا. وعندما اقتربت، وفي اللحظة الأخيرة، انتبه المشتكي فأخبر الشرطي أنني لست بالشخص المعني. وبسرعة البرق أشار إلى رفيق آخر، اسمه رجا زعاترة، وفي هذه الأثناء، كان الشرطي على "إيدو" الطيبة، أو كما قال عادل إمام: "إنت أشّر يا جميل". هو يؤشر والشرطي ينفذ. مثل طفل مدلل ينتقي ألعابه. إذا مش عاجبك هذه اللعبة يوجد غيرها. إذا مش عودة.. فيه رجا. وإذا مش رجا.. فيه علي.. التشكيلة كبيرة. أصلا لماذا نحن هنا؟ "إنت فقط أشّر".. لحسن الحظ فقد توقف هذا الشخص عن الاختيار، لأنه لو أخذ راحته في الاختيار، لوجدنا أنفسنا جميعًا في بيت خالتنا.. الله ستر!
ألحقيقة أن المؤسسة حينما تصر على أن إسرائيل هي دولة يهودية، فهي تدرك ما تفعل، والقضية ليست مجرد اسم؛ فـ"دولة يهودية" ستنتج، لا محالة: "شرطة اليهود" و"شركة كهرباء اليهود". وفي الموضوع الذي نحن بصدده فسينتج لدينا أيضًا: "مستشار قضائي اليهود"، والمقصود هنا ليس كل اليهود، فهنالك يهود كثر معارضون لهذه السياسة، وهم حلفاؤنا في النضال من أجل السلام والمساواة.
وهنا لا حاجة للذهاب للتطرق للأمور الكبيرة. فلو أنها كانت مظاهرة لليمين، ولو أن عربيًا اندس بين المتظاهرين ليستفزهم، لخرج من بينهم "كفتة"، وفيما بعد ستعمل الشرطة على "تحميره" في فرنها الحنون، بتهمة التعدي على مظاهرة اليمين.
الاتهامات ضد رفيقنا محمد بركة هي اتهامات قراقوشية، وتزعق للسماء لفرط عبثيتها. مثلا عندما يحاول شخص يميني الاعتداء على المناضل أوري أفنيري، ابن الثمانين عامًا، في مظاهرة لليسار، ويتم صد هذا المستفز، فيصبح في نظر الشرطة المعتدي ضحية، والمعتدى عليه متهمًا. والسؤال هنا، ألم يكن بالإمكان سؤال هذا اليميني سؤالاً واحداً فقط: ماذا تفعل في مظاهرة لليسار، سوى الاستفزاز؟
على كل حال، الوضع كله على بعضه مش طبيعي. يتم تشريد شعبًا بأكمله، وهذا الشعب متهم الآن بالإرهاب. ومن عالم عادل إمام، يمكن اختصار القضية بجملته اللامعة: "ضربني بوشو على إيدي يا بيه". يصفع ويشتكي. أما الشرطة فوجدت جملة أكثر لمعانًا في فصل "الصفع"، حينما اتهمت النائب بركة بأنه صفع شرطيًا "بإصبعه".. "برضو" يوجد هنا تقدم. جرّمت إصبعًا وبرأت أربعة أصابع.
ولذلك فمحاكمة النائب بركة تأتي في هذا الباب؛ باب تزييف التاريخ وباب دوس العدالة، وفي تاريخ الإنسانية الطويل، الممتلئ بالشوك، حوكم مناضلون كانوا قبلة أنظار شعبهم. فلم تزد هذه المحاكمات من هيبة السلطان ولكنها، في المقابل، عززت مكانة هؤلاء المناضلين لدى شعوبهم. وبالنسبة لنا فإن محمد بركة، منذ نعومة أظفاره حتى يومنا هذا في مركزه القيادي الهام، عنوان للاعتزاز ومثل يحتذى، مبدءاً وتطبيقًا. وهذه التهم القاراقوشية البائسة ستتحطم على صخرة صموده، صمودنا، وثقته، ثقتنا، بعدالة قضيتنا.
