//هناك اجماع حول مطلبنا بأن تكون إسرائيل دولة جميع مواطنيها. اذن، لا يجوز لنا أن نتصرف وكأن الدولة هي دولة اليهود فقط، ولا دخل لنا بالقضايا الإجتماعية والاقتصادية والسياسية فيها. هذا هو الاقصاء الذاتي بعينه
احتلت إسرائيل المرتبة الـ 22 من بين 177 دولة، حسب مؤشر التطوّر البشري للأمم المتحدة في عام 2007 (مكان لا بأس به!)، لكن عندما جرى الفصل بين المجتمع العربي والمجتمع اليهودي ظهرت صورة قاتمة جدا. فقد احتل المجتمع اليهودي المكان الـ 19، بينما احتل المجتمع العربي المكان الـ 66، أي بفارق 42 درجة، حيث سجل معدل الدخل العام لليهود 20 الف دولار سنويا، مقارنة بستة الآف دولار فقط لدى العرب.
لذلك عندما نتحدث عن عدالة اجتماعية لا يمكن لأحد أن يزاود على العرب. فالوضع الاقتصادي المزري للمجتمع العربي في إسرائيل هو نموذج صارخ لانعدام العدالة الاجتماعية في البلاد، وذلك لأسباب عديدة أهمها سياسة التمييز المنهجية والمتواصلة ضدنا. ولكن لندع للحظة هذه الصورة جانبا.
تشير الأبحاث، في العقد الأخير، الى استشراش ظاهرة العنصرية في المجتمع الإسرائيلي ضد كل من هو "الآخر"، وعلى وجه الخصوص ضد المواطنين العرب. فقد أشار بحث جمعية حقوق المواطن في السنة الأخيرة عن ارتفاع بنسبة 100% في كراهية المواطنين اليهود للمواطنين العرب.
المجتمع العربي في اسرائيل عانى من تهميش متواصل منذ قيام الدولة، ولكن في السنوات الأخيرة، فان عملية التهميش هذه تحوّلت إلى عملية إقصاء تام للعرب وفرض قطيعة عليه من قبل المجتمع الاسرائيلي اليهودي. فالعربي يكاد لا يُذكر في الإعلام والخطاب الإسرائيليين (التغطية الإعلامية للعرب في الإعلام الإسرائيلي تصل إلى 1% فقط)، بل وتتزايد الأصوات المطالبة في إبعاد العربي جغرافيًا، وليس فقط إقصاء العربي من الحيز العام الإسرائيلي (أي ترانسفير).
تعتبر الحكومة الاسرائيلية الحالية والكنيست الحالي الأكثر تطرفًا. وينعكس ذلك في تحوّل المجتمع الإسرائيلي إلى مجتمع يميني عنصري اكثر مما كان عليه في السابق، وهذا بدوره ينعكس سلبا على المجتمع العربي. فالمجتمع العربي يعاني، في السنوات الأخيرة، من أزمة هوية حقيقية، أزمة اقتصادية وسياسية واجتماعية تنعكس، بدورها، بازدياد العنف الأسري والعنف المجتمعي والعنف على الطرق.
المجتمع العربي فَقَدَ الأمل من الاندماج في المجتمع الإسرائيلي، بعد نضال طويل دام أكثر من ستة عقود. وهذا أدّى الى التقوقع، تزامنًا مع تفشي ظاهرة العنصرية ضده، كما فَقَد المجتمع العربي الأمل من وجود شريك يهودي في النضال ضد سياسية التمييز التي استفحلت في السنوات الأخيرة. فاليوم يشعر غالبية الشباب العرب، إما بالإحباط واليأس وفقدان الأمل بالانخراط في المجتمع الإسرائيلي على أساس متساو، وإما بعدم المبالاة مما يجري في المجتمع الإسرائيلي، وبالتالي الاتجاه نحو التقوقع الداخلي.
لكن، الفترة الأخيرة، بدأ الشارع الإسرائيلي العبري بالتحرك مقلّدًا بذلك الشارع المصري تحديدًا، الذي سجّل نموذجا لتحرّك شعبي مشرّف. لأول مرة في تاريخ إسرائيل يقوم حِراك شعبي حول "قضايا اجتماعية واقتصادية غير سياسية" (بحسب منظمي المظاهرات) تحت شعار "عدالة اجتماعية". فقد التقى الأطباء والأزواج الشابة والشرائح المستضعفة ضد غلاء المعيشة وغلاء المسكن طالبين العيش الكريم.
لا يمكن فصل السياسي عن الاجتماعي الاقتصادي. وعلى الرغم من أن منظمي المظاهرات يشددون على أن تحركهم ليس سياسيا (وأنهم غير منتمين لأحزاب سياسية) ولن يتطرقوا للقضايا السياسية، الا ان كل قضية اجتماعية، حتى وان كانت صغيرة، هي قضية سياسية.
عاجلا أم أجلا سيدرك الشارع العبري أن القضايا الاجتماعية والاقتصادية هي بالأساس قضية سياسية، وهي، بالتأكيد، ستنعكس في قضية التعامل مع الأولويات: استمرار الاحتلال والاستيطان وتضخيم ميزانية الأمن، أم الاستثمار في الصحة والتعليم والمسكن ... الخ؟.
ضمن هذه الحالة، والمُراد منها، من المفترض أن يكون المجتمع العربي المشارك الأول في هذه المظاهرات. فعندما نتحدث عن المشاكل الاجتماعية، لا احد يستطيع منافستنا:
أولا: نسبة الأطباء العرب من بين الأطباء في إسرائيل، وخاصة من بين الأطباء المتخصصين المشاركين في المظاهرات، عالية نسبيا.
ثانيا: قضية غلاء المعيشة تؤثر على المجتمع العربي أكثر بكثير من المجتمع اليهودي. فنصف مَن يعيش تحت خط الفقر في إسرائيل هم من العرب.
ثالثا: مشكلة السكن في البلدات العربية مستفحلة اكثر بكثير من المدن اليهودية نتيجة لسياسة منهجية بالخنق الجغرافي (مصادرة الأراضي والخرائط الهيكلية وترخيص البناء) واضعاف البنية الاجتماعية للمجتمع العربي (مجتمع فتي بحاجة ماسة الى وحدات سكنية جديدة).
هناك فرصة، تكاد أن تكون ذهبية، لدخول المجتمع العربي (حتى ولو كان من الباب الخلفي) من جديد إلى الحيز العام، وبالتالي التأصير على الخطاب الاسرائيلي العبري، بعد عملية الإقصاء العدائية وتنامي العنصرية ضدنا في السنوات الأخيرة. تكرار الشعار أن "التحرك الشعبي ليس سياسيا"، حتى لو كنّا نرفضه، يتيح لنا المشاركة مع المجتمع اليهودي، حول قضايا اجتماعية واقتصادية مشتركة، مع الاختلاف الكبير بيننا (المجتمع اليهودي لا يعانى من قرى غير معترف بها، ولا من هدم منازل، ولا توجد قرية عراقيب لدى المجتمع اليهودي.. الخ). بالمقابل، نحن نمتلك الموقف السياسي الواضح من قضية ميزانيات الأمن، الاستيطان واستمرار الاحتلال. وهذه هي فرصتنا لطرح مواقفنا وقضايانا ومحاولة التأثير بشأنها مستفيدين من الأجواء العامة في البلاد التي باتت تسير بهذا الاتجاه. من هنا أقول ايضًا ان هناك فرصة لإعادة الحراك الشعبي لدى الجيل الشاب بين العرب، بعد صدمة أحداث أكتوبر.
هناك غياب واضح للمجتمع العربي فيما يتعلق بما يجري في الشارع الإسرائيلي اليهودي، بالرغم من وجود هذا الإجماع المطلق حول مطلبنا بأن تكون إسرائيل دولة جميع مواطنيها. اذن، لا يجوز لنا أن نتصرف وكأن الدولة هي دولة اليهود فقط، ولا دخل لنا بالقضايا الإجتماعية والاقتصادية والسياسية فيها. هذا هو الاقصاء الذاتي بعينه، حيث أن هذه القضايا هي في صميم وجودنا كأقليه قومية. من هنا يجب المشاركة في الحراك الشعبي. ولكن يبقى السؤال هل نتظاهر داخل بلداتنا العربية، أم نشارك في التجمعات الأخرى؟
(الكاتبة محاضرة في جامعة حيفا)
