تشهد المنطقة في الآونة الاخيرة حراكا استراتيجيا مكثفا تجسد بمكوك من الجولات التي قام ويقوم بها رموز التيارات الاقليمية في الشرق الاوسط وكونيا من امريكيين واوروبيين وايرانيين واتراك. فالرئيس التركي الطيب اردوغان قام بزيارة الى ايران وصفت بانها كانت حميمية وقبلها زار سوريا ويزور منطقة كردستان العراق، ومندوب الرئيس الامريكي الى الشرق الاوسط جورج ميتشل حضر في نهاية الاسبوع المنصرم الى اسرائيل ومناطق السلطة الفلسطينية تمهيدا وتحضيرا لزيارة وزيرة الخارجية هيلاري كلينتون بهدف محاولة تحريك عجلة العملية التفاوضية الاسرائيلية – الفلسطينية الراكدة. ويبرز في سياق هذا الحراك السياسي المكثف لقاء فيينا يوم الخميس قبل عشرة ايام بين ايران والدول الخمس دائمة العضوية في مجلس الامن الدولي – روسيا والولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا والصين زائد المانيا وما تم التوصل اليه من اتفاق وتفاهم حول برنامج ايران النووي. كما ان الجمعية العمومية للامم المتحدة ستبحث يوم بعد غد الاربعاء من هذا الاسبوع تقرير لجنة غولدستون الاممية حول جرائم حرب اسرائيل في قطاع غزة.
السؤال الجوهري الذي يطرح نفسه هو هل يحمل هذا الحراك الاستراتيجي في طياته مؤشرات ودلائل لها مدلولاتها السياسية الهامة على ساحة التطور والصراع.
** ألحق بحاجة الى قوة تسنده!
نعتبر ان النظام الايراني انتصر في الصراع المرير مع قوى البلطجية العدوانية الامبريالية – الاسرائيلية حول برنامجه النووي للاغراض السلمية. فقد فشلت جميع التهديدات بشن عدوان عسكري على المنشآت النووية الايرانية، كما فشلت جميع اجراءات الحصار الاقتصادي الامبريالي في كسر ارادة الشعب الايراني المتمسك بحقه الشرعي بتطوير الطاقة النووية للاغراض السلمية وفقا للقانون الدولي. فصمود الموقف الايراني الصلب جعل تعاطي امريكا والغرب مع هذا الملف من سياسة المواجهة والعربدة التهديدية بقبضة القوة الى سياسة التعاون والتفاهم. فحسب ما تم الاتفاق عليه في لقاء فيينا فان ايران تنقل الى روسيا ثلثي اليورانيوم الايراني المخصب بدرجة (3,5%). ويجري في روسيا تخصيب هذا اليورانيوم حتى يصل الى درجة (20%) وعندما ينقل الى فرنسا لتحويله الى وقود نووي سائل ستستغله ايران في المجالات السلمية – في المجال الصحي لمعالجة امراض السرطان وغيره. النظام الايراني لم يرفض هذا الاتفاق وانما اقترح ادخال بعض التعديلات عليه ، وبالاساس ادخال تعديلين، التعديل الاول ان يجري نقل اليورانيوم الايراني الى روسيا بالتدريج وليس دفعة واحدة، والتعديل الثاني انه مقابل كل كمية يورانيوم ايراني مخصب بدرجة (3,5%) ينقل الى روسيا، مقابل ذلك تتسلم ايران حالا من روسيا نفس الكمية من اليورانيوم المخصب بدرجة (20%) وبدون الانتظار حتى انتهاء عملية التخصيب. ودافع الايرانيين لطرح هذه التعديلات الاشتراطية هو التخوف من ان تجري عملية سرقة او اخفاء اليورانيوم المخصب من قبل الامريكيين او عملائهم. ونحن على ثقة ورغم التحريض الاسرائيلي الرسمي الذي يشكك بنوايا ايران وباحتمال توقيع اتفاق فيينا، نحن على ثقة ان الاتفاق سيوقع في نهاية المطاف. وثقتنا نابعة من حقيقة ان الحق بحاجة الى قوة تسنده. وهنالك عدة عوامل تصب في دعم الموقف الايراني وتبرز ايضا في الحراك الاستراتيجي المكثف الذي تشهده المنطقة، واهم هذه العوامل هي:
* أولا: زيادة القوة العسكرية الايرانية في السنوات الاخيرة جعل المغامرين يفحصون حساباتهم جيدا.
* ثانيا: الارتباطات والعلاقات المصلحية الاقتصادية والاستراتيجية بين ايران وكل من روسيا والصين والتي كانت عامل ردع في كبح جماح مواقف مغامرة حربية واقتصادية امبريالية – اسرائيلية ضد ايران.
* ثالثا: اتساع دور ونفوذ ايران في المنطقة، في العراق وفي لبنان وفي المناطق الفلسطينية المحتلة وحتى في افغانستان، اضافة الى ما يشبه التحالف الاستراتيجي الايراني مع سوريا والسودان وبعض القوى في الخليج العربي. وبعد فشل الاستراتيجية الامريكية في اقامة تحالف استراتيجي – سياسي من الانظمة العربية المعتدلة واسرائيل في اطار ما يسمى "الشرق الاوسط الجديد" معاد لايران ولسوريا ولحركات المقاومة، بعد هذا الفشل فمن غير المستبعد – حسب رأينا، وانطلاقا من سياسة الحوار التكتيكية التي تنتهجها ادارة اوباما الامريكية، التفتيش عن وسائل توافقية ايرانية – امريكية تخدم المصالح الاستراتيجية الطبقية والسياسية لكلا الطرفين. فلايران دورها المؤثر والناشط في العراق ومع الحوثيين في اليمن ومع الصدريين وغيرهم في العراق ومع حماس في المناطق المحتلة وخارجها ومع الطاجيك في افغانستان وغيرها. فاذا فشلت محاولات الامبريالية في تأجيج الصراع بين السنة والشيعة باعتباره الصراع المركزي في المنطقة، فانها، أي الامبريالية وخاصة الامريكية، على استعداد لبلورة تحالفات استراتيجية عابرة للانتماءات المذهبية من مختلف الانظمة التي تربط فيما بينها مصالح طبقية واستراتيجية سياسية تضمن لايران في اطار حصتها من "كعكة" المصالح في المنطقة وكونيا وتعترف بدورها ونفوذها المؤثر.
* رابعا: يتبلور شكل من اشكال التحالف الاستراتيجي بين ايران وتركيا وسوريا وما يرتبط بهم من قوى مقاومة. كان بودنا ان يكون هذا التحالف من حيث طابعه ومدلوله السياسي تحالفا معاديا ومناهضا للهيمنة الاستراتيجية الامبريالية الامريكية والحلف اطلسية والاسرائيلية، وان يكون تحالفا يخدم المصالح الحقيقية لشعوب هذه البلدان وبلدان المنطقة برمتها. فلطالما توقعنا قيام جبهة شرقية مناهضة للمخططات العدوانية الامبريالية والاسرائيلية. ويلعب النظام التركي دورا ناشطا في اطار بلورة هذا التحالف. ودبلوماسيا سياسيا غيّر النظام التركي برئاسة الطيب اردوغان وحزب العدالة والتنمية ذو الاصول الاسلامية من قواعد مواقفه وعلاقاته التقليدية التي من ابرزها تراجع في العلاقات الاستراتيجية العسكرية والسياسية والاقتصادية والانتقال من التحالف والتعاون الى النقد الصارخ والادانة لجرائم اسرائيل العدوانية ضد الفلسطينيين، التضامن مع الفلسطينيين وتوثيق العلاقة الاستراتيجية مع سوريا بعد عداء طال سنوات طويلة، والعمل على تحسين العلاقة مع اكراد العراق، ولعل احد عوامل التقارب الايراني – التركي – السوري – العراقي هو الموقف المشترك المعادي للحقوق القومية الشرعية الكردية في كل من ايران وسوريا والعراق وتركيا. وتركيا تنشط ليكون لها نفوذ ودور اقليمي مؤثر قد تستغله لرفع اسهم دخولها الى الاتحاد الاوروبي وخدمة الاستراتيجية الامريكية في المنطقة. ويجب ان لا ننسى للحظة ان تركيا لا تزال عضوا في حلف الناتو ولم تقطع جميع الخيوط الاستراتيجية مع اسرائيل وقد تستغل علاقاتها المتعددة مع مختلف اطراف الصراع في المنطقة لتقوم بدور الوسيط الاقليمي بين العرب واسرائيل وحتى بين ايران والولايات المتحدة الامريكية وبين اسرائيل والفلسطينيين.
وانظروا الى مدلول المفارقة الغريبة العجيبة التي لا تخدم المصلحة الوطنية الفلسطينية في التحرر والاستقلال الوطني. فحركة حماس لم توقع على اتفاقية المصالحة في القاهرة لتجاوز الانقسام الجغرافي والوطني الفلسطيني الكارثي. وتدور الشائعات ان رفض حماس وخاصة قادتها في الخارج جاء تحت تأثير مكابس الضغط السورية والايرانية نكاية بالسلطة الوطنية الفلسطينية، وبرئيسها محمود عباس. فهل هذا الموقف يا قادة سوريا وايران يدعم الحق الفلسطيني ام يضعفه ويصعّد من عدوانية المحتل الاسرائيلي وجرائمه الوحشية الاستيطانية والدموية! مقابل هذا الموقف المتخاذل والمعيب يبرز الموقف الامريكي لادارة اوباما. فقد وصل مندوب الرئيس الخاص للشرق الاوسط جورج ميتشل ووزيرة الخارجية هيلاري كلينتون في جولة جديدة من المحادثات مع حكومة نتنياهو ومع السلطة الفلسطينية ورئيسها محمود عباس، تأتي في وقت لم تغير فيه حكومة نتنياهو موقفها بالتوقف عن عمليات الاستيطان ومواصلة جريمة تهويد القدس العربية الشرقية جغرافيا وديموغرافيا. لا احد يتفاءل بان يتمخض عن هذه الجولة أي استئناف للمفاوضات بل يجري تسريب بعض الاخبار عن سيناريو امريكي تآمري جديد، انه على ضوء التعنت الرفضي الاسرائيلي لا امل في المنظور القريب باستئناف المفاوضات المباشرة، ولهذا يجري الحديث عن مفاوضات غير مباشرة عبر وساطة امريكية، كما كان التفاوض غير المباشر بين سوريا واسرائيل عبر الوسيط التركي. كما تسرب خبر ان كلينتون ستشارك اليوم الاثنين او غدا الثلاثاء في اجتماع وزراء الخارجية العرب "لحثهم" على دعم الرئيس ابو مازن في تنفيذ قراره باجراء الانتخابات البرلمانية الفلسطينية للتشريعي والرئاسي في شهر كانون الثاني الفين وعشرة. انها لا تستهدف تقوية موقف الرئيس محمود عباس بل اضعافه حتى تسهل عملية ابتزاز تنازلات سياسية لصالح المحتل الاسرائيلي. فاجراء الانتخابات البرلمانية اذا ما جرت فستكون في ظل الانقسام وعلامة سؤال كبيرة حول مشاركة اهالي القطاع ومؤيدي حماس وغيرها في الضفة الغربية. ومن جهة اخرى يجري الاعداد لاتمام الاتفاقية بين اسرائيل وحماس عبر الوساطة المصرية والالمانية لاطلاق سراح المئات من اسرى الحرية الفلسطينيين مقابل اطلاق سراح الجندي الاسرائيلي الاسير جلعاد شاليط. اننا مع اطلاق جميع اسرى الحرية ولكن حذار من محراك الشر الذي يعمل على تحويل الفرح باطلاق سراح الاسرى الى ترح ودق الاسافين في قلب الوحدة الوطنية الفلسطينية.
بالامكان لخبطة جميع هذه السناريوهات وافشال مدلولاتها السياسية اذا التزم قادة الشعب العربي الفلسطيني من مختلف الوان الطيف الفلسطيني بالموقف الوطني الصادق الذي يخدم المصلحة الوطنية العليا بالتحرر والاستقلال الوطني بعيدا عن المصلحة الفئوية الضيقة. فالحق الوطني بحاجة الى القوة ولا قوة اقوى من الوحدة الوطنية الكفاحية المتمسكة بثوابت الحقوق الوطنية غير القابلة للتصرف والمستعدة للتضحية دفاعا عن هذه الحقوق. الرئيس الايراني احمدي نجاد علق على اتفاق فيينا قائلا"ان الغرب انتقل في تعاطيه مع الملف النووي الايراني من سياسة المواجهة الى التعاون".
اليس بمقدور الوحدة الوطنية الكفاحية الفلسطينية ان تصل الى هذا الاستنتاج وتعلن للعالم اجمع " ان المجرم المحتل الاسرائيل اضطر الى الانتقال من ساحة العربدة والجرائم الى الاعتراف بحق شعبنا بالحرية والدولة والقدس والعودة".
