أهدي هذه كلمات الى خالي محمد خير الحاج احمد المولود – ابو الشباب وروح خالتي توأم ايوب؛ الملاك خيرية ام علي التي صبرت عمرها في كوخ فوق رمال جل البحرعلى شواطئ صور. تأخر قارب احلامها؛ بقيت ديشوم و طبريا و جسر بنات يعقوب حلما يغذي روحها... وكما ايوب، روح خيرية بالآمل مدثرة، صبرت، تقوس ظهرها، لم تعد تنظر الى السماء فتآخت مقلتاها و الرمل، رحل جسدها الى جوار اشقاء احلامها وقد بذرت السماء صبارا وعودة.
*مقدمة ضرورية*
رفض اهل قرية ديشوم (جيران اهل علما و الريحانية و المالكية قضاء صفد) عروض و اغراءات عصابات الصهيونية قبل 1948. خاض رجالها مواجهات دموية قصيرة مع تلك العصابات، التي مكر رؤساؤها بحقدهم وانتقامهم من اهل ديشوم. عندما قايض الحكام العرب كراس مخلعة بفلسطين واهلها، انتقم الصهاينة فارتكبوا المجازر و قتلوا الكثير من اهل البلاد الاصلين بأرضهم متشبثين. عمر شعبان، عازف المجوز المشهور في قرى الجوار و نسيبه صالح كانا بين الشهداء، لا لسبب لان ابو علي نعت مطارديه اوغاد المستوطنين بـ "الخنازير" حسب ما نقل في وقت متأخر ابو خضر شاهد العيان للحوار الاخير بين عمر شعبان و نفرالعصابة. الحاج حسن الاخرس من قرية عيثرون انقذ علي شعبان من كيد جهلة جيش "الانقاذ" من سلموا الجليل بردا وسلاما للصهاينة بعد ان امروا السكان الاصليين بإخلاء قراهم بدعوى التحرير..! اراد "الانقاذيون" قتل ابن البلاد متهمين اياه زورا و باطلا بالعمالة و الخيانة وبلا حجة ولا يقين، فقط لأنه كان عائدا من قريته ديشوم من رحلة بحث عن ابيه ونسيبه.
تربى عمر شعبان يتيما وحيدا في كنف اخواله عرب الحمدون، عاد شابا الى قريته ديشوم، ساعده شريف الحسين في بناء بيت يؤويه. تشارك عمر وصديقه محمد مزيان في شراء عدة عنزات راحا يرعيانها فوق التلال الخضراء ويمتعان العيون بشغف ماعزهم يقضم بلوطا يدر حليبا وافرا لذيذ المذاق. اعتاد الرجلان المبيت مع ماعزهم في (العزيب) المرعى. في ليلة ظلماء سقطت قذيفة انجليزية ربما صب فولاذها كوفنتري حيث استقر وابنائي فقتلت مزيان. سارع البطالة و السفلة من حثالات القرية الى ورثة مزيان الذي كان وحيدا؛ راحوا يتحضرون لمهاجمة عمر ان لم يأخذوا حصتهم. هدد وتوعد القوي راعي "العجال" (قطيع العجول) صالح الحاج محمد كل من يقترب من عمر شعبان وقطيع ماعزه.
في مخيمات اللجوء في لبنان؛ جَرّمَ بل خَوّن أهل ديشوم كل من حابى او القى التحية على مخبري الاجهزة الامنية؛ فكانت وحدتهم في احيائهم و لهجتهم سدا منيعا يصم أذان المخبرين ويعمي عيونهم. في الثورة المعاصرة وعصر منظمة التحرير كان لأهل ديشوم في سوريا و لبنان دورا مبادرا؛ هجر محمد خالد سالم التعليم في الجزائر ملبيا نداء الثورة فقضي في ريعان شبابه شهيدا فوق تراب فلسطين. الشاب عمر سعيد محمد (زيغود) قضى من اجل الوطن فسكن جسده الى حين مقابر الشهداء المجهولين من سماها الصهاينة "مقابر الارقام".
لاقى ربه الخميس، يوم الجمعة، 19 تشرين الثاني 2004 في مدينة كوبنهاغن، القيت نظرة الوداع الاخيرة على وجهه. مبتسم الوجه، بل ضاحكا، تذكرت المرة الاولى التي رأيت فيها وجهه وهو شاب. لم تحيرني تلك الابتسامة و لم أردّ اسبابها الى عالم الغيب، تذكرت تغنيه مكررا عباراته المعجونة بحنين الشوق الى الارض التي لفحت تربتها وجهه ثوب سمرتها. اجزم انه رأى في تلك اللحظات ديشوم التي كان يتغني بغناها فيبدو له العالم صحراء قاحلة في حضرتها؛ صدق علي شعبان، و ادين له ان جاء بي الى هذه الدنيا فلسطينيا. رأيت ديشوم في الاحلام، سحرها يسكنني و لقاؤها تلاعبت بقدره تقلبات الاشهر والاعوام الى ان وقع لي ما لم اخططه بل جاد الاحبة به مطرا بعد ان بذر حقله بالزرع اهل مبادئ الخير و الزمان.
*امنية ام سمعان*
تحققت امنية ام سمعان، طرب قلبي لسعادتها تعانق ابا اليسار، محياها سكنته الفرحة والانشراح وسنوات البعد رحلت كأنها غيمة صيف. سعادة اتمها سلام ـ ابو البشار طاردا من نفسي توتر العبور والتعب المصحوب بالاعراض الجانبية لقلق طول الانتظار و لحظات اللقاء. مذ عانقنا الماجد يستقبلنا على ارض مطار اللد؛ كنت بين اهلي و عائلتي الصغيرة. جميع افراد العائلة والاقارب؛ لبعضنا قدمنا ابو اليسار بسلاسلة كلماته وسحر توابله فتعانقنا قبل ان نلتقي بزمان، فأزفت ساعة اللقاء تتم اللقاء. حتى عندما التقاني الطفلان اليانعان يوسف وايوب سلما بحرارة و قالا "عمي احنا بنشوفك في الجريدة". كنا و ابو اليسار ندلل ارواحنا بدفء ضيافة ايفا، ماري وعواطف تدثرنا اشعة نظرات ام سمعان وسميرة. عندما جاء ابو ايوب بيت ابو الديب، لم يكن ابو اليسار قد فرغ من تقديم المهندس الشاب الذي سحب باحترام عربي اصيل بساط الكلام من ابو اليسار.
بدون مقدمات وجه ابو ايوب حديثه الى ابو اليسار فقال "خالي، جولتكم الى الشمال حيث قرية حسين، عندي، انا ابن المنطقة و اعرفها منيح". بلا تردد ولا خجل، بل اكاد اقول كنا اشبه بفتاة نضجت عناقيدها فجائها نصيبها الطيب في لحظة النضوج فارتمت في كفي قاطف العنقود دون تمنع و قبل الذبول. تلقفنا الدعوة و افرطنا في الدلال، فاخترنا يوما يناسبنا فكان يوم الثلاثاء 4 حزيران 2013. اكتملت فرحتنا باكرا صباح الثلاثاء باكتمال نصاب رحلتنا حين ارسل دمث الاخلاق، طيب اللسان، محضره سعادة و مرح؛ سليمان دلة ـ ابا الصادق خبرا يقول انه سيتولى بسيارته مشاركتنا رحلة البحث عن ديشوم. تربع موقد نارنا ثمانية ارجل لأربعة رجال فوقها قدر نحاسي ملأته نخوة و بركات سيل بشاشة وجه "ابونا" ابا الصادق ولسع نهفاته تقوي مناعة الجسد تعويذة تطرد التوتر و تسترخي مستسلمة لدغدغاتها الاعصاب.
وفقا لطلب ضيوف الدلال انطلق ابو الصادق بسيارته الرباعية الدفع شمالا فولجت عجلات سيارته نهريا. ابو ايوب؛ الدليل الوطني والمرشد الروحي مشغول بالتعريف و التقديم، هذا مستشفى نهريا الى يساركم و هو من ارقى المستشفيات و لا مثيل له الا...، الى يمينكم ابنية من ثلاثة او اربعة طبقات يسكنها العملاء الذين فروا من جنوب لبنان؛ يوم تقوست ظهورهم لثقل اجساد اسيادهم و تعجلهم الهروب نفاذا بجلودهم رعبا من رجال حزب الله. بعض الشقر، هم بالنسبة لنا الاجانب يستجمون عند الشاطئ المعد والمجهز بأساليب و عمران حديثة تراعي المعايير السياحية و مقاييس الراحة الجسدية وفق احدت المتطلبات.
تابعنا السير شمالا، الى يسار الطريق انتصب يتيما مسجد قرية الزيب، البناء الوحيد المتبقي مذ طرد الظالمون اهلها الى لبنان. الزيب، جعل اسيادها الجدد خرابها حديقة عامة، مسبح شعبي ومحمية للراحة والاستجمام. اسلاك شائكة هنا و اخرى هناك تذكر الزائر بمغتصب وقح يزور التاريخ نهارا جهارا منذ ستة عقود ونيف. في عرض البحر، زورق حربي يغتصب المياه ليسترق النظر من فوق بساط ازرق الى قبة و مئذنة هجرها الاذان، المصلون و الصلوات وهو لا يكف عن النحيب شوقا لأهل اصبحوا في بلاد الاشقاء منبوذين، مستضعفين، ملعونين غرباء. البحر يحتضن على مرمى عصا من تكسر الامواج مواسيا باحة المسجد الحزين للقدر مستسلما مستكين. اشجار الصنوبر منتشرة في المكان، الى جانبها او تحتها وضعت طاولات وكراس خشبية لراحة ضيوف معظمهم عرب من اهل المكان هجرتهم قوانين مؤسسات املاك الغائبين التي وضعت و وزارة السياحة رسما ماليا حسب بالمليم للراغبين دخول المكان. عطا وحده لم يكن آبها بالاحتلال، عطا هذا كلب (وانتم اكبر قدر) استحضر ابو بشار جسده وسيرة حياته من معاناة شقيق له في مخيم برج البراجنة هاجر الى الدنمارك بعد ان طلق عنصرية وطائفية لصوص جعلوا من انفسهم اسيادا على اهل لبنان الطيبين.
ها انا و صحبي نقف عند الحاجز الامني عند رأس الناقورة، شاب اسمر ان لم يخب ظني هو من عرب العرامشة، يحمل مسدسا حربيا على وسطه، استقبلتنا مرحبا بابتسامة عريضة دون ان يكلفنا عناء اظهار بطاقات تعريف. اللاجئون الفلسطينيون في لبنان حرمواعلى مدى عقود من الاقتراب من ارضهم التي هجروا منها. الجيش اللبناني نصب جواجزه الامنية على بعد كيلومترات من رأس الناقورة ، الويل والثبور وعواقب الامور كانت تنتظر كل فلسطيني اقترب من ذلك الحاجز العسكري الذي لم ينصب وسواه الا لحماية امن و راحة حكومة ومستعمري الشمال وامن اسرائيل. اللاجئ الفلسطيني حسين شعبان- عثمان صالح- ابو علي – النمر، بلحمة و دمه تحميه ستة اعين ومثلها سواعد فلسطينية رغم انوف واعين مراقبي عدسات التجسس الامنية الصهيونية. في عجقة سياح هبطنا بالمصعد الكهربائي لنقف عند الباب الشمالي الذي يغلق وسط النفق الذي ربما يجلس خلفة متأهبا مقاوم جنوبي. عدنا ادراجنا جنوبا لندخل بحذر شديد سراديب مغارة الناقورة الشهيرة. مغارة تقهر صخورها الامواج العاتية فترتد الى نحرها مطلقة رعدا يسبقه برق فوق الزيب يفرح قلوب فلاحي كفر ياسيف و الجوار الى ان قالوا "برق الزيب ما بخيب".
كانت اشعة الشمس اللاهبة تسقط عمودية على رؤوسنا، توقفت عن البوابة التي منها الى الحرية عبر سمير القنطار؛ القنطار، يقول اهلي؛ لا يكسره الا قنطار وربع. تسمرت حدقات عيني للحظات عند البوابة الفاصلة الى يسارها خطت لوحة بلغات ثلاث اشارات باللون الازرق وخلفية بيضاء: بيروت 121 كلم يقابلها سهم كتب عنده اورشليم 205 كلم . خلسة طارت دمعة من عيني الى مخيم برج الشمالي حيث ينتظر العودة خالي محمد الخير الذي سقاني اولى حروف الوطنية. في مخيم جل البحر انهك الانتظار خالتي الملاك خيرية؛ تقوس ظهرها لطول الانتظار فلازم نظرها الارض. هل ملت خالتي الانتظار فقررت ان ترحل بجسدها ليجاور اهلها في مقبرة المعشوق التي سينبشها عما قريب زراع الموز و الليمون لتكون بقايا عظامها سمادا لليمون يباع لأثرياء الطوائف. كما فعل النبي موسى عليه السلام، كدت اصرخ معذبا سائلا: ارني وجهك يا الله.. هل انت هناك في اعلى السماء ترقب عبادك؟ لماذا تعذب الفقراء و الضعفاء... لماذا تنتصر للاقوياء و الاغنياء؟ نهر من الاسئلة سيبقى بلا إجابات الى أن يقبض العباد على رسن ناصية القوة والايمان بعدالة لن تتحق على الارض الا بسيف العدل و ميزان الحق يشرعه الشجعان الاقوياء.
(يتبع)
* كوفنتري المملكة المتحدة في 23 حزيران/يونيو 2013
