الممانعة ما بين الرجعية ومجلس خيانة سوريا

single

مصافحة حارة.. غليون ووزير الخارجية الفرنسي جوبيه

 

*فشل رأس حربة الإمبريالية، اسرائيل، في الحسم العسكري مع المقاومة، أخرج الرجعية العربية من موقع الظل الذي تحبذه للصدارة - أي أن تقود معركتها علانية  دون أن يندى لها جبين. أن تصريحات غليون في اعقاب فشل الالة العسكرية الاسرائيلية يجعل من المجلس اداة الرجعية والامبريالية ان لم يكن رأس حربتها في ضرب الممانعة

*من يفرط بسوريا الممانعة لقاء السلطة, لن يؤتي بالمدد للشعب الفلسطيني، بل باتفاقية خيانة للاجئيين الفلسطينيين, على غرار اتفاق عربة الاردني الاسرائيلي, على سبيل المثال، واقل تقدير

 


" لديك اقوى سلاح دمار شامل" (من رسالة تنديد لعمال الجزيرة للفنانة وردة الجزائرية)

 

على وتيرة الاحداث في سوريا، اشتدت السجالات والنقاشات حول السياسة الخارجية السورية وفي الصلب منها الممانعة. والموضوع من السعة لدرجة ان الكاتب قد يعي خطوة البداية دون ان يرى افق النهاية، لذلك فالمقالة تنحو الى ملامسة ما أمكن من الامور الجوهرية، مع التأكيد على انه لا غنى عن بحث مستفيض.
يختار الاعلام الرسمي موضوعاته ومصطلحاته بعناية، لكي تتحول الى وعاء للفكر في تحديد مواقفه، وزاوية الرؤية لولوج اي تحليل. ان القصف الاعلامي بالحل الامني المتلازم مع مشاهد الجولان الهادىء وسط هدير الدبابات السورية في المدن، كان يشي بما يضمر - فكر بالجولان حينما تتحدث عن وطنية القيادة السورية، ومن ثم النصيحة: لا تأخذك الرأفة بالجيش السوري وشهدائه، لكونه قوة قمع لا اداة للتحرير.
ان تقرير المراقبين العرب هو شهادة ادانة للاعلام الرسمي، والقوى التي استماتت لادخال المراقبين تستميت اليوم لاخفائه اعلامياً وشعبياً وحتى في الامم المتحدة، بالرغم من طلب المندوب الروسي وضعه على طاولة البحث. يحتاج الاعلام الى معالجة خاصة في مقام آخر. تحت وطأة نشيج الاعلام حول الجولان المحتل، تمحورت وسيرت الاقلام بكثير من الخفة والنزق، والادلجة السفسطائية، والاقتباسات الهوجاء الرعناء، لتعزف لحن اللا وطنية، او الخيانة للقيادة السورية دون ان تدرك بأنها الصدى الاجش، لا الصوت الرخيم. والاخلاق حينما تجمح تحت وطأة القصف الاعلامي بالدماء السورية دون روية او تفكير، يكون مؤداها النقيض. ولسان حال الشعب السوري، الذي لطالما عانى من الاقصاء والعقوبات السياسية والاقتصادية المذلة، يقول بأي ذنب عوقبت طيلة اربعة عقود؟ هكذا تسفه تضحيات الشعوب باسم الاخلاق، او هكذا تسفه الاخلاق باسم الاخلاق.
بعد ان تقدمت قطر الى ناصية الاعلام، اخذت بيدها الاخرى تنسج مركزاً للفكر، لتجتمع بيديها اداتين لتطويع العقول: الاعلام والفكر. والمركز قد يوحي وهماً بان الاعلام القطري، لا يندفع بموجب الاهواء السياسية ومصالحها، بل نتاجاً خالصاً، للتحليل والتمحيص والاستقراء السياسي الفكري، وعمل الخبراء في شتى المجالات.
في تاريخ 31.01.2012 أصدرت وحدة تحليل السياسات في المركز العربي للابحاث ودراسة السياسات، مادة بعنوان "الموقف الاسرائيلي من الاحداث في سورية"، لن نقتحم الموضوع باسهاب حول الحقائق والمصادر والانتقائية وما الى ذلك، بل سنقتبس الخاتمة والتي سبكت على الشكل التالي:
"هناك آراء مختلفة في اسرائيل عما اذا كان سقوط النظام السوري في مصلحة اسرائيل ام العكس، وعلى الرغم من التباين في مواقف النخبة الاسرائيلية بشأن ما يجري في سورية من احداث، فإن هناك شبه اجماع على نقاط محورية تخص المصلحة الاسرائيلية في الاحداث السورية:
1. النظام الحالي مريح جداً في كل ما يتعلق بالجولان. وهناك خشية في الدولة العبرية ان يؤدي انهياره الى انهيار الهدوء على جبهة الجولان.
2. اي نظام قادم في سورية سيتخذ موقفاً معادياً لاسرائيل، لانه سيكون في حاجة الى شرعية داخلية. في حين ان النظام الحالي – اذا بقي- فهو سيكون في حاجة الى شرعية خارجية، وسيضطر الى تليين موقفه تجاه اسرائيل.
3. من ناحية اخرى، فان الاحداث تعد فرصة لخروج سوريا من التحالف مع ايران وحزب الله، وهذه مصلحة اسرائيلية عليا.
4. قد تؤدي الاحداث الى انتقال اسلحة كيماوية وبيولوجية وصواريخ ارض- ارض وصواريخ مضادة للطائرات الى مجموعات مسلحة معادية لإسرائيل، وفي مقدمتها المقاومة اللبنانية وحزب الله. وهذا تطور كارثي بالنسبة الى اسرائيل.
5. ليس لاسرائيل تأثير في مجريات الامور في سورية، لكن تداعياتها تؤثر فيها. ويدعو الرأي السائد الى التقليل من الكلام والى تجنب التدخل الا اذا كان هناك اجتياز لخطوط حمراء، وبالاخص نقل اسلحة متطورة او غير تقليدية الى حزب الله."
النص أعلاه يوحي بالموضوعية والمهنية، الا انه من اكثر النصوص ديماغوغية وتشويهاً للفكر، وللتدليل نسجل الملاحظات التالية:
* التركيز على الجولان، ليسهل بخس القيادة السورية اية قيمة وطنية، ومع ذلك فالنص لا يجافي الحقيقة تماماً، بل يؤكد أن خروج سوريا من التحالف مع ايران وحزب الله هو مصلحة اسرائيلية عليا. وعلى الرغم من كونه كذلك، وبدوافع قميئة يتم موضعته في البند الثالث لا الأول.
* ان النغمة السياسية في البندين الاول والثاني، هدوء ومواقف ستلين، او القول بان النظام السوري قبل الازمة كان جيداً لاسرائيل، وسيكون افضل في حال بقائه.
ومع ان البحث يتضمن اراء اسرائيلية متضاربة بشأن افضلية انهيار النظام السوري، الا ان معد الخاتمة ارتأى باسم الموضوعية بالطبع، ان يتجاهل ذاك الانقسام ليقر رؤية الجنرال المتقاعد غيورا ايلاند دون سواها، حتى لو كان معتنقها من عيار وزير "الأمن" ايهود براك. وباسم الموضوعية ايضاً يتجاهل البحث ذاك الاحتفاء الاعلامي بتصريحات برهان غليون.
* قد يبدو البند الثالث ملتبساً، لكونه يريد ان يقول بأن بقاء النظام سيؤدي الى تليينه وبالتالي خروجه من التحالف مع ايران وحزب الله، بدون ان يستند على اي نص سياسي اسرائيلي يفيد ذلك. لذلك اقحمت كلمة هلامية على نسق "الاحداث" في البندين الثالث والرابع، وبعد الرجوع لتصريحات الساسة والمحللين الاسرائيليين، نجد بان الاحداث تعني سقوط النظام السوري. فوفقاً لعاموس يدلين: سقوط النظام سيؤدي لخروج سوريا من ذاك التحالف. اعتماداً عما سبق، اذا حاولنا صياغة البند الثالث باستبدال كلمة الاحداث، بسقوط النظام، نكون امام النص التالي:
 من ناحية اخرى، فان سقوط النظام يعد فرصة لخروج سورية من التحالف مع ايران وحزب الله، وهذه مصلحة اسرائيلية عليا.
* والبند الاخير، يرفع عن اسرائيل اية شبهة، مع العلم ان ايوب قرا اجتمع وعلى اتصال مع المعارضة السورية، ومع العلم ايضاً بأن الفرنسي الصهيوني برنار هنري ليفي عقد لقاءً للمعارضة بمشاركة الاخوان المسلمين، ومع العلم بان السلاح الاسرائيلي اجتاح الاراضي السورية.
وسط هذا الكم من اللغط، هناك كلام بالايماء وبالايحاء للمسألة الجوهرية، ورأيي ان انتصار حزب الله في عدوان 2006 لم تقرأ نتائجه العسكرية والسياسية، ولا اسقاطاته ومدلولاته بالنسبة لاطراف التحالف، الرجعية العربية، اسرائيل، والامبرياليات.

  • أصدفة غليون؟

كثيرة هي "المصادفات" في الازمة السورية، ومن ضمنها ما تمخض عنه المجلس فولد غليون رئيساً له، سليل مدينة حمص! والذي اختار ان يخص السياسة السورية الخارجية بالنقد المتشح بالعلمية، في الفترة التي أعقبت العدوان على لبنان، وما تركه الصمود الاسطوري للمقاومة في نفوس الشعوب العربية، والعالم.

بتاريخ 13.10.2007، يحرر غليون بحثه، "سياسة سورية الخارجية او نهاية الحقبة الامبراطورية". بداية يضع غليون سياسة الاحتواء او كما يسميها سياسة التوسع العسكري والسياسي تحت طائلة النقد، ولا غضاضة في ذلك، خاصة وانها لطالما سببت الاذية لاطراف عدة.
ترد في البحث الجملة التالية: "ومن الواضح اذن ان هذه السياسة القائمة على استخدام النفوذ داخل الاطراف العربية لمنع تسويات محتملة لا تراعي اسبقية المصالح السورية قد وصلت الى طريق مسدود." لن نرفق لهذه الجملة باي تقييم من لدننا، خاصة وان غليون يعلم بان عزمي بشارة كان احد رجالات وافرازات هذه السياسة، ومع ذلك فالبحث يسكت عنه، ويذكر حلفاء سورية من الفصائل الفلسطينية.
التماساً للموضوعية، سنترك لغليون ان يشرح منشأ سياسة الاحتواء:
"هكذا سترتبط سياسة التوسع السياسي والعسكري بنشوء طبقة ريعية لا تعيش على استغلال الاقتصاد الداخلي وفوائضه الاقتصادية بالدرجة الاولى، وانما على فوائض الاقتصاد الاقليمي الريعي، التي تتجاوز بما لا يقاس ما ينجم عن فرص الاستغلال الداخلية."
وفي رصده لاثر السياسة الخارجية على الداخلية، يكتب:
"لكن سرعان ما ستنتقل اساليب التسلطية الخارجية الحبلى بالعوائد، وكذلك اشكال اقتسامها مع مافيات المال والاعمال الحليفة هنا وهناك، الى الداخل لتطبق على العلاقة مع المنتجين المحليين..."
لمزيد من العينية حول علاقة السياسة الخارجية بالداخلية، وبالتالي ارتباط مصالح فئات اليهما، نورد النص الغليوني التالي:
"وما كان من الممكن للتركيز المستمر على مسألة الصراع الاقليمي والدولي الا ان يقود الى اخضاع جميع المصالح الاجتماعية والوطنية العديدة، بل التضحية بها، لصالح مصلحة واحدة وحيدة هي التي تنسجم مع ضمان استمرار النفوذ الخارجي وما يرتبط به من عوائد سياسية واقتصادية ورمزية تضمن سيطرة النخبة الحاكمة واعادة انتاجها. من هنا ستفقد السياسة الداخلية معناها وقيمتها، ولن تعود هناك اي اهمية لتحقيق تنمية اقتصادية تعمل على تحسين شروط حياة السكان، او على خلق فرص عمل او تحديث الدولة والادارة، او تطوير الخدمات الاجتماعية الضرورية، .... او بضمان تمتع الافراد بامنهم وسلامتهم، وممارسة الحد الادنى من حقوقهم المدنية والسياسية."
ترتيباً لما يقوله غليون: الصراع الاقليمي والدولي في خدمة سياسة النفوذ الخارجي او الاحتواء، التي تعيد انتاج الفئة الحاكمة، وبالمقابل تفرغ السياسة الداخلية من محتواها، خدمة المواطن، واحقاق حقوقه. وبعبارة ادق هذه السياسة الداخلية من تلك الخارجية.

  • احقًا هو الاعتدال..

لسنا بصدد التعقيب على تحليلات غليون، ان ما يشدنا هو السؤال عن مآل هذا الحشد من النقد والتنظير والتحليل وربط الخارج بالداخل، مع التركيز على الفئات المستفيدة. وغليون لا يتركنا صرعى للحيرة، بل يفضح الطابع الايدولوجي للنوايا السياسية، ليصدح بالخيار الثالث التالي:
"وهل من الصحيح انه ليس هناك خيار ثالث سوى الخضوع لسياسة الولايات المتحدة الامريكية واملاءاتها او التمرد عليها وعلى حلفائها من الدول الاوروبية والعربية المؤيدة لها او القريبة منها في توجهاتها؟ وهل من الصحيح ان جميع الدول العربية والعالمية التي لا تقف في مواجهة السياسات الامريكية والاوروبية بصورة مباشرة او صدامية، قابلة بخيارات واشنطن حتماً وعميلة لها؟ وهل هناك امل فعلا في ان تخدم سياسة المواجهة الراهنة مع الولايات المتحدة الامريكية مصالحنا الوطنية الكبرى افضل مما يمكن ان تخدمه المقاربات الدبلوماسية والسياسية كما حصل في حقبة سابقة؟"
نقر بان غليون في فقرته هذه لم يجمح الى الانحطاط والخسة واحضان الافتراء ليصم السياسة السورية باللاوطنية او الخيانة، ولكنه في المقابل اذ يربط الداخل بالخارج فلأمر في نفسه، النيل من سياسة المواجهة مع الولايات المتحدة المفيدة للفئات الحاكمة لا الشعب. هكذا تتسربل الديماغوغية بالحلي البراقة. ولاجل الحض على العزوف عن طريق الالام، درب المواجهة، يأتي دور الفذلكة والخروج من التفكير المربع، اي باجتراح الشيء الجديد، والفكرة النضرة، البديل الثالث والذي ما هو بالواقع سوى البديل الثاني بحلة تنكرية. واصلاً على مر التاريخ وعند وقوع الواقعة، واشتداد عقدة الازمات، واستفحال اصطفاف القوى، كان البديل الثالث بامتياز سياسة الاقوى ولخدمته، ومن خرج عن الامام علي باسم بديل المعسكرين، لم يخرج الحق للانام، بل اخرجت الاعناق عن الاجسام، والمثل من قبيل العبرة لا المماثلة.
للمفارقة، فان فئات من المثقفين واشباه السياسيين وحملة الفكر السوريين من السوربون وغيره استفادت واتخمت بالهدايا والعطايا والوان الشهرة والعظمة والسؤدد الفكري، من نقد السياسة السورية والتمثيل بها، بلوغاً ووصولاً الى انتزاع رئاسة المجلس، بتجزية مالية من قطر وغيرها، ولسان الحال يقول لهم، رميتم بتهمة الانتفاعية تورية.
تسليماً دون اخضاع مقولة الاثراء بالمواجهة تحت مجهر النقد، نقول ان من سمات خبث البحث انه لا يجيب لماذا لم تسلك الفئة الحاكمة الدرب الافضل للثراء، ونعني سياسة الاعتدال على غرار الفئة الحاكمة في مصر والتي امتهنت تجارة المواقف السياسية بالمفرق والجملة، وصولاً الى دور الوسيط بين الفرقاء اسرائيل ومحيطها؟ هل يصح فكرياً سياسياً فصم السلوك السياسي للفئة الحاكمة السورية عن مصلحة العمود الفقري للمجتمع الاقتصادي السوري، البرجوازية الوطنية، والعمال والفلاحين؟ خصوصًا ان تجربة الانفتاح المصري ماثلة وحاضرة، وبالتالي فان المواجهة ورفض الاملاء الاقتصادي والسياسي، وسلوك درب الاكتفاء الذاتي وبالاساس الغذائي، دون التورط بمديونيات، كانت بالمجمل وعلى حدة تعبر عن المصلحة الطبقية للبرجوازية الوطنية الغضة والعمال والفلاحين على وجه الخصوص. ومن ثم هل يجوز فصل سياسة المواجهة عن أساس شرعية الحكم ونعني عقيدة حزب البعث؟
لن نخوض غمار موضوعة إثراء الفئة الحاكمة بالمواجهة نقداً أو تشذيباً، لان ما يهمنا هو رصد مسار التفكير الغليوني الذي عالج الداء بالسم المميت، والغريب ان المنظّر للديمقراطية والحريات لم يفقه بان الاثراء منشأه مستنقع الاحتكارية وتغييب الفعالية الشعبية والشفافية، لا سياسة المواجهة.
كنا في مقالة " الموقف من الاحداث في سوريا" قد شرحنا باسهاب الخلفية الطبقية للاحتجاجات.

  • جوهر يميني

يصدمنا غليون في بحثه بالفقرة التالية:
"ولا ينبغي ان نحتج ايضاً بالتوجه الجديد للعديد من الدول العربية الرئيسية وجهة الاستراتيجية الامريكية. فلم يجر هذا التوجه بمعزل عن توجهاتنا فقد تطرف الاخرون في اتجاه التماهي مع الاستراتيجية الامريكية بقدر ما تطرفنا نحن في اتجاه التخلي عن المنظومة العربية وقبلنا بالعمل في اطار سياسة الرئيس الايراني احمدي نجاد الذي يقود المنطقة الى المواجهة، مثله مثل الرئيس الامريكي. فهو ينطلق من مصلحة ايران القومية من دون اي حسابات اضافية او اعتبار لمصالح الشعوب والامم الاخرى، تماما كما ينطلق الرئيس الامريكي من مصلحة الولايات المتحدة القومية بصرف النظر عن اي اعتبارات اخرى، سياسية او دولية او اخلاقية. فكلاهما يطمحان الى اخضاع العالم باكمله لارادتهم الفردية".
ان هذه الفقرة حافلة بالموبقات الفكرية، ولكن الاهم بانها تضع يديها على العصب الذي يؤلم الامبرياليات والرجعيات، ونعني العلاقة مع ايران. ولاجل الوصول للهدف المرسوم مسبقاً والمطلوب من جهات سياسية عداً ونقداً، نقض تلك العلاقة، يعمد غليون بكل الفظاظة الفكرية الى مساواة دولة تخضع لعقوبات مع امبريالية تفرضها، دولة تدافع عن استقلالها وثرواتها وامبريالية استباحت كل ثروات الشعوب ومن ضمنها الشعب الايراني في فترة الشاه. والانكى ان تتهم ايران لا اسرائيل او الولايات المتحدة بقيادة المنطقة للمواجهة، وكأن موازين القوى في المنطقة التي خطت بايدي الامبرياليات والرجعيات هي من المقدسات، التي لا تستوجب الخروج ضدها، واما الخارجون فهم في عرف هذا الغليوني مارقون.
امعاناً في النذالة السياسية بقذف غليون بالحمم التالية:
"بالرغم من مظاهر القوة الخادعة التي توحي بها، لا تملك هذه السياسة– سياسة المواجهة ش.ع.- أي صدقية، ولا يمكن ان تقود الى تحقيق اي مصلحة وطنية. كل ما يمكن ان تساهم فيه هو تأجيل الاستحقاقات التاريخية من تنمية اقتصادية، وانفتاح سياسي يعيد الى دائرة القرار، مما لم يعد من الممكن تجاهله او تأجيله، واصلاحات اجتماعية، وتحديث مؤسسات الدولة والادارة والتعليم، وبناء شبكة العلاقات الدولية الكفيلة بتقريبنا من هدفنا الوطني الاكبر في استعادة الجولان..."
"... والحال ان احداً لن يكافىء سياسة يعتبر انها تخدم غايات سلبية، وتستخدم وسائل لا اخلاقية ولا سياسية. لن تنقذ مثل هذه السياسة النظام، ولكنها سوف تزيد من تكبيله بالقيود والاتهامات، وتفاقم من عزلة سورية وفقرها وتراجع اقتصادها، ولن يفيدها شيئاً دفاع ايران عنها، ولا تحالفها معها، ولا تقديم المساعدات لها. ولن يتغير الموقف هذا لو حصلت الحرب وتعرضت فيها اسرائيل لضربات مؤلمة وموجعة، ولكن ستزداد ارادة الدول الكبرى والدول المجاورة ايضاً في عدائها لنا ودفعنا الى العزلة. سنخسر جميع الفرص التي تمكننا من تحقيق شروط تنمية سريعة، نحن بأشد الحاجة اليها لامتصاص البطالة والفقر،... ولن تقدم لنا سياسة القطيعة والمواجهة اي فرصة لفكفكة النزعات والتوترات والاحقاد المذهبية والدينية والفكرية الكامنة او الدفينة، ولكنها تهدد بتغذيتها، وربما باشعالها..."
"... وبالعكس ادى ابتعاد سورية عن دول المحور العربي... وانخراطها في تحالف استراتيجي او ما يشبه ذلك، مع ايران التي تثير نظامها مخاوف بلدانه، الى دفع بلدان الخليج الى الالتصاق اكثر بسياسات الولايات المتحدة، بقدر ما اصبحت تشعر بخطر اكبر على استقراراها وتتطلع الى مساعدة واشنطن على مواجهة التحديات الاقليمية."
ما اشبه اليوم غليون بالامس السادات، وهو لم يوفر لسياسة الممانعة والمواجهة اية مثلبة او لوثة دون ان يصمها بها، فهي المسؤولة عن مآسي الشعب السوري ابتداءً من غياب الديمقراطية وصولاً للوضع الاقتصادي، ووسائلها لا اخلاقية وغاياتها سلبية، وهي تهدد بتغذية النزعات المذهبية والطائفية، واما التخلي عنها والتقرب للدول الكبرى وترك والتفريط بايران لنهب العدوانية الامريكية والاسرائيلية، مؤداه بلوغ الهدف الوطني الاكبر الجولان، وما خطه غليون كبديل ثالث انتهى الى مباركية بعمامة علماء السوربون.
كنا في مقالة "الموقف من الاحداث في سوريا" بتاريخ 7.05.11 قد اقحمنا مفكري معهد السوربون بالاسم حصراً ودورهم التحريضي، وحينها جزمنا بان سياسة سوريا الخارجية هي المستهدفة، لا احلال الاصلاحات. واصلاً ان من يضع التضاد بين سياسة المواجهة ومصالح الشعوب لا تعنيه الاصلاحات، لكونها قولة حق يراد بها باطل، وهو لا يرى في اصلاح الوضع الداخلي مدخلاً لتثوير وتنجيع الاداء الخارجي الممانع. لذلك لا غرابة ان يمعن في الغيّ ويرفض الحوار، ولا يرضى بأقل من الاطاحة بالقوة التي تجسد سياسة الممانعة على ارض الواقع ، اي القيادة السورية.
ان بقاء وصمود القيادة السورية قد عرى بديل غليون الثالث بكامل العري، وسائله الارهاب وسوائب السلفية والاخوان، واستجداء الامبرياليات حد العمالة، مع الاستعانة بكامل الترسانة التحريضية المذهبية لأئمة الاخوان، قوة المجلس وعماده، اطناب برنار ليفي. ومن يجد في رضى الامبرياليات مقدمة للتطور واسترجاع الجولان، لا يعنيه الجيش السوري، ووحدته ودمائه بل التفريط به وتمزيقه هو فاتورة الدعم الامبريالي والرجعي الاولى واستحقاقاته. والجيش هو حجر عثرة امام النكوص بسوريا الى احضان الامبريالية. وهذا البديل لا يعرف اية محرمات من الهجوم على ما سببته الممانعة من اذية اقتصادية، الى الصراخ باعلى الصوت بالمزيد من العقوبات الاقتصادية لسانًاً، وأما الايدي فتستبيح كل ثروة للوطن كأنه عدو وليس مكاناً يراد قيادته.
الكذب هو مله اصحاب المجلس واطنابه، فهم المطالبين بالمراقبين والصارخين بوجههم، ومن يرفض تقرير مراقبي الجامعة المعادية بامتياز للقيادة السورية، يقر على رؤوس الاشهاد بالضعة والنذالة واحتراف الافتراء والقتل المهني والمافيوي للحقائق، وانتهاج منهج غوبلز في الكذب حد اغتيال العقل قبل الضمير.

  • الممانعة ام عمالة المجلس؟

سننثر حديثنا على شاكلة ملاحظات:
* بالتهويش على ايران يبغي غليون تحييد الانظار عن ان التحالف السوري الايراني هو رد فعل على وجود قوة اقليمية فاعلة على الارض، بارتباطات منها جلي وآخر خفي. فمجلس الخليج الاقتصادي المسنود بقوة الامبريالية، والمتكئ خفية على ذراع اسرائيل الطولى، التي صدت بطلب سعودي عن دول الخليج التحدي الناصري القومي والاشتراكي، هو من يتوجب ادانته. ان رد ذاك الارتباط بذاك التحالف هو افتراء على التاريخ والسياسة، وسقوط مدوٍّ في فنون الدجل.
* ان الاداء العسكري الاستثنائي لحزب الله في عدوان 2006 ، قد كشف عن مهنية عسكرية، ورقي تكنولوجي في مجال الرصد ونجاعة السلاح الروسي مع بصمات ايرانية في مجال الصواريخ. وهذا الاداء قد حول التحالف لقوة اثبتت مقدرتها على رد رأس الحربة الامبريالية، اسرائيل. ان اخفاق القيادة التركية في انتزاع سورية من التحالف مع ايران تحت يافطة السلام السوري الاسرائيلي قد اخرج تلك القيادة عند الازمة للشطط ولمناهضة القيادة السورية دون هوادة ، واحتواء معسكرات لتدريب خلايا قتالية ضد سورية.
* ان انظمة العمالة الفاقدة لشرعية الحكم والوطنية في الخليج والاردن ومصر مبارك قد هالها هذا الاداء، لما يحمله من تحدّ ان لم يكن تهديداً مباشراً لانظمتهم، فاذا اضيف لذلك حملة اعادة بناء الجيش السوري، والمشروع النووي الايراني، نكون امام واقع التسريع ببناء قوة اقليمية سياسية عسكرية قادرة على الفعل ورد الصاع ضعفيه. واطراف الممانعة تعاني اليوم اقسى حملة، فهناك حكم المحكمة لحزب الله، وحكم بالاعدام الاقتصادي لايران، والحكم بالتمزيق والاقتتال لسوريا.
* في ظل احتداد الصراع بين القوى الامبريالية الهرمة مع الدول الناشئة والصاعدة على المكانة الاقتصادية، فان المعركة على ينابيع الطاقة على اشكالها وبضمنها الغاز تكتسي صبغة المصيرية، خاصة وان احتياجات اوروبا للغاز بعد التوقيع على وثيقة لصيانة طبقة الاوزون، في تزايد. ومع ارتفاع وتيرة اكتشاف الغاز في الشرق الاوسط ارتفعت اسهمه واهميته، والهيمنة على الثروة تحتاج لقوة على الارض لا تنازعها ولا تصارعها قوة. ومحور الممانعة قوة اقليمية، يحمل في طياته خطر جذب العراق، والقوى الصاعدة روسيا والصين تحديداً.
* ان فشل راس الحربة للامبريالية اسرائيل في الحسم العسكري مع المقاومة، قد اخرج الرجعية العربية من موقع الظل الذي تحبذه للصدارة اي ان تقود معركتها علانية دون ان يندى لها جبين. ان تصريحات غليون في اعقاب فشل الالة العسكرية الاسرائيلية يجعل من المجلس اداة الرجعية والامبريالية ان لم يكن رأس حربتها في ضرب الممانعة.
* لقد جمعت قطر الاعلام ومراكز الفكر، خدمة لتوسيع نشاطها الاقتصادي ونعني شركة الغاز القطرية. ان النهج القطري يشي بوجود سلطة هجينة امبريالية النزعة ومحمية للامبريالية.
* في الصلب فإن خطاب الاسد الاخير يقر على الصعيد الرسمي نهاية مرحلة الحزب القائد، مع برنامج للتطبيق قابل للنقاش والجدال والنقد، مع التأكيد بأن الاعلان لا يعني صيرورته واقعاً. واما الاهم فانه يعيد فرز القوى السياسية داخل سورية وبالتالي التحالفات، لتقف قوى التواطؤ السورية في خندق وقوى المعارضة الوطنية اسوة بالقيادة السورية في الخندق الآخر، هذا الاصطفاف تتطلبه مصلحة سورية، وقوى اليسار في المنطقة.
*  في اعقاب الافق السياسي للخروج من الازمة، فان الحسم العسكري مع خلايا السلفية والاخوان المنطلقة والمدربة من لبنان وتركيا لم يعد من مصالح سورية حصراً، بل انه شاغل لبنان، لكون حزب الله هو المستهدف التالي بعد الجيش السوري.
* في اعقاب الفيتو المزدوج التاريخي، ستحاول قوى الرجعية والامبريالية ، أن تخلق على ارض الواقع السوري وجود سلطتين، وذاك عبر سحب السفراء والاعتراف بالمجلس. وهذه معركة تحدّ ليس للمعارضة والقيادة السورية الوطنية، بل لعموم قوى اليسار، إن من ينظر لانفلات قوى الرجعية والامبريالية كراصد مآله ان تناله.
*  هذه المقالة من قبيل تسليط الضؤ على جوانب مهمة للممانعة، دون ان تستوفي الموضوع حقه. ولكن من حق الشعوب تجاه التاريخ والمستقبل ان نضع مجلس غليون في نصابه كاداة بيد الرجعية والامبريالية واسرائيل وتهديد لمستقبل سوريا الحر. من يفرط بسوريا الممانعة لقاء السلطة، لن يؤتي بالمدد للشعب الفلسطيني، بل باتفاقية خيانة للاجئيين الفلسطينيين، على غرار اتفاق وادي عربة الاردني الاسرائيلي، على سبيل المثال، واقل تقدير.

قد يهمّكم أيضا..
featured

وقفات على المفارق مع البطون الخاوية والحريّة

featured

عن كتاب "حماة الديار"، تأليف د. خالد تركي: حماة تاريخ يحمي الوطن والشعب

featured

خطاب الانفتاح والإصلاح

featured

بنار المستوطنين ووقود الاحتلال!

featured

الغام في طريق السلام

featured

التلم الأعوج من الثور الكبير

featured

شقوق في الشراكة الإمبراطورية