حقوق المرأة في خطاب سلام فياض: السهل الممتنع

single

هل كانت المرأة تحتاج إلى تحريك مظاهرة للحصول على وزارة ما، أو أن تنظم اعتصاماً تعلن خلاله موقفاً احتجاجياً على الإجحاف الذي لحق بمشاركتها في التشكيل الوزاري للحكومة الخامسة عشرة حيث غدت نسبتها 12% من حجمها.. وذلك اقتداءً بما فعله القوم في مدينة الخليل الذي ظهر خلاله أن الحراك في الشارع؛ هو السبيل الأقصر نحو تحقيق المآرب والغايات..
لا شك بأن حكومتي د. سلام فياض الثالثة عشرة والرابعة عشرة قد تميزتا بعدد النساء المشاركات بهما، بما أوصل المشاركة النسائية إلى أكثر من ربع عدد المجلس الوزاري. وهو الأمر الذي كان أحد مصادر اعتزاز وتباهي الفلسطينيات في العالم بالمؤشرات التي تمتلكها. فقد كانت وفودنا النسائية تعتبر المشاركة في الهيئة القيادية الأولى على صعيد السلطة التنفيذية مؤشراً على تقدمها وتمايزها عن باقي الدول العربية وغيرها السبّاقة في النضال الحقوقي والديمقراطي. على اعتبار أن التقدم المنجز على صعيد المشاركة النسوية الفلسطينية يعود إلى أن بُنى السلطة الفلسطينية الذي جاء كتطور طبيعي للسياق الفلسطيني الذي شكلته القوى السياسية الفلسطينية البانية لمنظمة التحرير الفلسطينية وفكرها الاجتماعي العلماني، ملاحظة الإضافة النوعية للموقف الفكري المتقدم للدكتور سلام فياض. 
وفي البلدان التي لا تمتلك رؤية واضحة حول المرأة، أو التي لا تمتلك رؤية مُتفقاً عليها حول الهوية الفكرية للنظام السياسي، تكتسب إرادة الأفراد أهمية استثنائية في التقدم بسياسات تؤدي إلى خلق وقائع تمهد الطريق نحو تكريسها مستقبلاً. 
ومن هنا، لم تكن المشاركة النسائية المهمة نتيجة للصدفة المحضة، أو بسبب تقديم بعض الأحزاب والفصائل المرأة لتمثيلها، بل ينمّ عن رؤية امتلكها فياض وجسّدها ساعياً نحو تثبيتها كثقافة معتمدة، وهو الأمر الذي يمكن ملاحظته من خلال تعيينات نسوية مهنية على رأس مراكز مهمة وحساسة، من بينها مهمة الناطق الإعلامي باسم الحكومة وفي ترؤس هيئة سوق الأوراق المالية، وكذلك من خلال منصب رئاسة الجهاز المركزي للإحصاء. 
كما يمكن قراءة رؤية رئيس الحكومة السابقة من خلال سياساته وخطابه الاجتماعي الواضح اتجاه موقع المرأة ودورها الذي تعرفنا عليه في المناسبات النسوية في يوم المرأة أو يوم العنف الذي يرفض تبرير حقوق المرأة ومكتسباتها، مستفيداً من حقيقة أن البيئة القانونية في فلسطين مواتية، وتؤسس للبناء عليها لجهة تبني القوانين الديمقراطية من جهة، وتهيئ المناخ لتقبل عمليات التغيير، ومتصدياً بقوة للخطاب السلفي الإقصائي والتمييزي ضد المرأة.
لذلك، نتوقع من الحكومة الجديدة برئاسة د. رامي الحمد الله أن تبني وتطور الخطاب والرؤية الحكومية ومنظور إدماج المرأة في البنية المؤسساتية وفي الخطاب، واستمرار الخطاب الذي يكرس قبول المشاركة والمساواة دون شروط تحددها المرجعيات الاجتماعية والثقافية الإقصائية الموروثة، أو ربطه بمنظومة القيم التقليدية السائدة، ما يبطئ ويضعف عمليات التحول نحو المساواة وفقاً لمرجعياتنا الدستورية، ويبطئ تبني مفهوم الحقوق المتكاملة. 
نتوقع من الحكومة الحالية التي حجّمت المرأة أن تعوض عن تدني نسبتها في الوزارة، في التعامل واتخاذ الإجراءات التي تكفل تطوير المشاركة في سائر المحطات والبنى التي سيجري تشكيلها. وكذلك لا بد لها أن تعمل ما فات الحكومة السابقة عمله على صعيد المنظومة التربوية في المؤسسة التعليمية، بإعادة النظر جذرياً بها والتي لا تزال تعيد إنتاج تقاسم الأدوار التقليدية المكرسة للصور والأدوار التقليدية لكل من الرجل والمرأة. وأن تعمل على استكمال المسح القانوني الذي تمت مباشرته للتشريعات لجهة رصد التمييز في ثناياها وإصلاحها، كما وأن تعمل على دفع القوانين ذات الصلة بالمرأة ومنها قانون الأسرة وقانون العقوبات، اللذان طال انتظارهما، نحو الصدور. كما مطلوب من الحكومة مراقبة الجهات المعنية تنفيذ قرار الرئيس بوقف العمل بالبنود المخففة لعقوبة مرتكبي الجرائم ضد المرأة. وكذلك تمرير قانون حماية الأسرة من العنف ولوائحه التنفيذية الجاهز والموضوع على طاولة الحكومة. 
وبكلمات مختصرة ومفيدة، ان الخطاب المطلوب تبنيه وتطبيقه في الممارسة هو الخطاب السهل الممتنع، الخطاب الحقوقي الشامل دون عناء البحث وسوق التبريرات لتمكين المرأة في الحصول على أدوارها وواجباتها، وهو الخطاب الذي يرفض تبرير حقوق المرأة الكاملة بنضالها رغم أن البوابة النضالية والوطنية فتحت زوايا المشاركة السياسية أمامها، لأن جميع الفلسطينيات يحتجن التمتع بحقوقهن الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، دون التذرع بالعدد ومقولة نصف المجتمع، بل لأنها حق من حقوقنا الطبيعية ومبدأ من مبادئ حقوق الإنسان التي لا تتجزأ.

 

*كاتبة فلسطينية، رام الله

قد يهمّكم أيضا..
featured

منظمة التحرير في خطر (2)

featured

وأعطي نصف عمري ....

featured

لا نخجل بحزبنا وجبهتنا

featured

دولة المافيا السياسيّة الدوليّة ضد فنزويلا!

featured

ديك سميح عبد الغفور

featured

نحن حزب ثوري ولسنا جمعية خيرية

featured

لماذا هربت يا بابا نويل...

featured

عدوانٌ مجرم مخطط سلفًا