ديك سميح عبد الغفور

single
  • كنت في قرية اللجون ملازما لمختارها وحضرت مجلسه، فاستأنست محضره وكلامه المعسول وخاصة عندما اشار ببطولة ابناء قريته من العائلات اللجونية التي استبسلت في معارك دامت أكثر من أسبوعين في ذلك العام قرب عين الست ليلى والتي نزحت عنوة إلى القرى المجاورة ولا سيّما تلك القرية التي تدعى أم الفحم.

أعجبني ذلك الديك الذي أطلّ علينا بجناحيه المزركشين ونظر إلينا نظرات شزر مهددة  بان لا تقتربوا أيها الأنذال . فان اقتربتم فسوف أمزقكم  إرْبا  إرْبا  يا أبناء الزانيّة.
هذا هو حيز حياتي بالاتفاق مع صاحب البيت والعمارة والساحة والحديقة، التي أملك منها فسحة زمانية ومكانية بقدر.
أنا هنا الملك القدوس، الرحيم والرحوم، أنا هنا الثالوث المقدس اقرر من هو الأهم بينهم ولا يهمني من هو الشيعي أو السني، ولا أعير أي اهتمام الى الحنبليّ والشافعيّ. لا المصري ولا الشاذلي.
لا أعرف كيف وصلت تلك الحديقة التي يملكها ذلك السمين المدعو سميح عبد الغفور من تلك القرية، ولا يهمني كيف دخلت. فانا ديك من ديوك أباطرة الروم أملك الريش الملوّن والخصيتين المطلوبتين شرعا ديكيا ، هكذا أنا.
كنت في قرية اللجون ملازما لمختارها وحضرت مجلسه، فاستأنست محضره وكلامه المعسول وخاصة عندما اشار ببطولة ابناء قريته من العائلات اللجونية التي استبسلت في معارك دامت أكثر من أسبوعين في ذلك العام قرب عين الست ليلى والتي نزحت عنوة إلى القرى المجاورة ولا سيّما تلك القرية التي تدعى أم الفحم.
انا ديك جموح جئت من الأزل السرمديّ لأختلط بتلك الرقعة الآمنة الخضراء. ريشي من نجومها ومنقاري الأصفر نحت من صخورها ومخالبي تفلوذت من صلب جذوع زيتون ارض رحاها وعيوني تبلورت من عيون ابراهيمها ودروتها وجرارها وصدري الصلب تماسك من أربع جهاتها الجبارنية والاغبارينية  والمحاجنية والمحاميدية وحتى ذيلي الجميل ازدان من زواياها الشاذلية ولم تخل بعض من خلايا جلدي السميكة جزيئات من فسيفساء أناسها -  مصريين أكانوا، إقطاعيين من الحداونة ام من السعادنة كانوا. هذا أنا.
أنا الآن في تلك الحديقة الفسيحة والمرفّهة، اصيح متى ما شئت ولا أتبع أي توقيت من الاوقات. أقتات الديدان البلدية التي تتأفعى في حركتها ظانة انني لن افترسها بمنقاري الصلب وأتلمظ فيما بعد بما يغدق عليّ سميح عبد الغفور المالك وصاحب الارض، من العلف الاصطناعي الذي يقتنيه من "القبنيّات" المجاورة.
في حيّزي هذا أنا المالك، المهيمن لا يجرؤ احد ان يدخل هذا الحيّز دون إذني أو إشارة من صوتي أو رفرفة من جناحي الأيسر . فحتى كلب الحراسة المدعو "سلق" يحسب لي الف حساب حين يبغي دخول مملكتي.. وسلق هذا كلب عجيب غريب. فمن حيث الذكورة فهو ذكر الا أنه يأتي بحركات تنم عن أنوثة معينة، خاصة عندما يأتي سميح لمداعبته فيدير مؤخرته رافعا له ذنبه مؤذنا لأي "اعتداء" جنسيّ، عندها تثور شهوتي لانقض عليه، الا ان رجولتي تردعني عن فعل ذلك.
استعيد شريط الذاكرة لأحدد وجودي ووجوديتي  السارترية فأجد نفسي في نفس الزمان والمكان وكأنه "يا بدور لا رحنا ولا جينا". لم يتغير شيء . ما زلت مواكبا لنشاطات  مالكيّ على مرّ عصورهم من الباشوات والمسترزات والادونيم وحتى أولئك الذين يدعون بالعراﭭيم الميعوطيم . وكأن شيئا لم يتغير.
فسميح عبد الغفور هو خلاصة تلك العهود وجامعها . أقول ذلك لأنني واكبته منذ ولادته مع بداية الدولة العبرية، عندها كان طفلا عبثيا حرص على تربيتي وارضائي ورشوتي احيانا خاصة عندما بدأ يدخن سرا في احدى عيون القرية مدعيا انه يصطاد "الديك السمن". وهنا كانت الطامة الكبرى عندما شاهدته وهو يعدّ الفخاخ ليضع على ناصيتها ما يسمى بـ "الكرزم" وفي لهجته "التشرزم". لن أنسى هذه الكلمة ما حييت. وقد اصبحت مصطلحا في تلك الديار دون غيرها "كاعد عَ التشرزم" ، أي يتربص. لقد أخافني ذلك المشهد حين لفظ الديك أنفاسه مخرجا لسانه ليلامس ما تبقى له من هواء.
يصلبّ عود سميح عبد الغفور، ينمو، يتطور، يصبح ذا شأن ويعود  الى دياره، يعود الى العودة التي لغاية الآن لم افهم كنهها. يعود ليعيد تربيتي ورعايتي من جديد. إلا انه لم يدرك انني تغيرت وأصبحت ديكا غير عاديّ. ديك يدرك حقوقه دون واجباته. اصبحت وقحا، شرسا، نهما، وشرها. بدأت استوعب عدة لغات فالعربية والروسية والأوكرانية وحتى الايديش، اما العبريّة فلم استوعبها قط.
أدرك سميح عبد الغفور حاجاتي واحتياجاتي من "الكبسات" ، والحق يقال فقد اخذني الى عدة حدائق لأكبس ما طاب لي من مثنى وثلاث ورباع وحتى خماس خلافا للشرع من الدجاجات الشابات وحتى العتقيات منهن. لا بل زاد من لطفه ليأتيني بهن زرافات زرافات الى حديقتي لأكبسهن أيما كبس. فقد عملت في هذا المجال ساعات اضافيّة لم احصل على أي مكافأة منه، سوى بعض من الديدان الحقيرة التي جلبها معه من زيارته الى الصين. لم يخطر بباله ان يكرمني حتى بهدية متواضعة من تلك البلاد الواسعة التي زارها مع اصدقائه الذين عرفتهم واعرف عنهم ادق التفاصيل. أهكذا تسير الامور ايها الصديق! انا ديكك ، حافظ اسرارك وصائن عرضك ، تصول وتجول في أصقاع العالم وتلقي الخطابات من على المنابر وتبخل على ديكك بهدية واحدة!! سوف أسلخ جلدك على هذه المعاملة!!
أو تذكر حين وضعتني في سيارتك الجديدة في المقعد الخلفي وفتحت لي الشباك وطلبت من ان أصيح ملء صوتي الديكيّ لاهتف لك ولأدعو الناس للتصويت لك؟ أو تذكر انه عندها نهرتك زوجتك بلغة اجنبية وزجرتك بكلام توبيخيّ، اذ كيف تضعني في المقعد الخلفي ومن الممكن ان أبول أو اخرج برازي على كراسي السيارة الجديدة. عندها أجبتها أنت وبالأجنبية أن دعيه فهو ديك غير عادي!!
لن أنسى لك هذه الجرأة، مع انه في الحقيقة فقد تبولت واخرجت برازي على مقاعدك الجديدة بشكل غير عادي لأنني كنت متأثرا ومتوترا جدا.
أنا ديك، ديكك يا زميلي، قرينك اينما كنت وكيفما كنت في العلم والغيب. ومن مكنونات الغيب سأبوح لك بسرّ طالما  حرصت على كتمانه. اذكر ان والدك رحمه الله قال لي بان حدودي لا تنتهي بهذه الرقعة، فهي تمتد من المحيط الى الخليج. وعلى هذا الاساس بنيت خططي لاجتاح هذا العالم من أوسع أبوابه لأنتقي أوسع دجاجاته.
الا ان أحداثا عبرت حالت دون تحقيق هذه الاحلام. فرُسمت لي الحدود. ديوكيتي أمرتني بتخطيّ هذه الحدود الوهميّة لاجتازها، وبالتالي اصبحت متسللا ووجدت نفسي في رقعة تدعى الضفة الغربيّة. دخلتها، وعاشرت دجاجاتها وتصادفت على غير عادتي مع ديوكها العربانيّة وتركت هناك بصماتي من الصيصان لأعود إلى حديقتك...
ما أجمل العودة إلى تلك الحديقة المليئة والمزدانة بكل زاد من خير بلاد اللبن والعسل والكرم المغدق عليها من حضرة جنابك ، لكنها خالية من أناسها وديوكها ودجاجاتها وصيصانها الأصليين . حبذا لو عادوا. فالدجاجة " السنيورة " استفاقت من نصوص ميخائيل نعيمها وعادت إلى أم يعقوبها . هذه هي الرواية . اما في حكاية اخرى نقلا عن " س " ، متفق عليها نصا ووجوبا فقد غازلت "السنيورة " بإمرة النصّ واستنساخا للحدث. هكذا .
عدت إلى ذلك الحيّز وفي جعبتي المستترة بين جناحيّ المتموجة بالالوان الكثير من الاحداث التي سأرويها للأجيال ، احداث استلهمتها من معركة الوجود ، صراع البقاء والتشبث بالأرض كقول محامي الأرض " خشّب ! " خشّبت وفي أحشائي طـُرف ونهفات حدثت في تلك القرية الآمنة ، أملك منها أسرارً وأسماء رمزية ، ليس من متسع أن أرويها الآن .
أنا ديكك ، قرينك ، لا بل أنا أنت ، عليك مني السلام والأمان.

قد يهمّكم أيضا..
featured

المؤتمر الـ -18 للحزب الشيوعي وإقامة الجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة

featured

التلكّؤ في المصالحة جريمة!

featured

الشعب السوري سيبقى شوكة في حلق كل المتآمرين

featured

هي تحية للفحماوية الحرة، الصلبة العصية!

featured

كي تكون معلمًا!

featured

المفاوضات المباشرة