لا شك ان المؤتمر الثامن عشر لحزبنا الشيوعي يعتبر نقطة تحول هامة في حياة الحزب وفي مجال تطوره وتعاظم وزنه السياسي في هذه البلاد. هذا المؤتمر الذي عقد في حيفا بتاريخ 15-18/12/1976 له أهمية تاريخية خاصة حيث جاءت بعد أحداث هامة أثرت بشكل إيجابي على تطور الأحداث في منطقتنا وفي داخل اسرائيل.
لقد جاء هذا المؤتمر بعد حرب أكتوبر وعبور الجيش المصري لقناة السويس وبعد يوم الأرض الخالد الذي صنعته الجماهير العربية في هذه البلاد وبعد انتصار جبهة الناصرة الديمقراطية بقيادة القائد الشيوعي طيب الذكر الرفيق توفيق زياد وتسلمه رئاسة المدينة مع أكثرية مطلقة لأعضاء البلدية الجبهويين. هذا الانتصار التاريخي الذي صنعه شعب الناصرة، القلعة الوطنية لجماهيرنا العربية في هذه البلاد. وبعد النجاح الهام في إقامة الأطر الوحدوية لقيادة كفاح جماهيرنا العربية في هذه البلاد. مثل لجنة الرؤساء ولجنة الطلاب الثانويين العرب ولجنة الطلاب الجامعيين العرب ولجنة الدفاع عن الأراضي العربية. كل هذه العوامل مجتمعة أعطت دفعة جديدة لتفكير جديد في العمل المشترك الأوسع مع مختلف الأوساط الديمقراطية بين الشعبين اليهودي والعربي. في تلك المرحلة أيضاً جرى اتساع حركة السلام والمعركة ضد الاحتلال ومن أجل الديمقراطية ومن أجل حقوق القوى المسحوقة في داخل شعبي هذه البلاد. من هنا رأى الحزب الواقع الجديد والمتغيرات السياسية والاجتماعية الحاصلة على الساحة العالمية والمنطقية وبشكل خاص على الساحة المحلية، الأمر الذي أدى من خلال الدراسة المتأنية للواقع الموضوعي الذي نعيشة الى رؤية عملية التطور هذه ودراستها بشكل أعمق من أجل تطوير الفكرة الهامة والتي كان الحزب يطرحها دائماً في أغلب المؤتمرات ولم يتمكن من تحقيقها سابقاً لأن الذين كان يتوجه اليهم يضعون العراقيل ولم يستطع إخراجها للنور.
// فكرة إقامة الجبهة
في هذا المؤتمر طرح من جديد وبشكل أعمق، فكرة إقامة جبهة واسعة ضد الحرب والعدوان ومن أجل السلام والديمقراطية ورأى الحزب ان هذه الفكرة قد نضجت في مثل هذه الظروف الجديدة التي نشأت عالمياً ومنطقياً ومحلياً.
وعلى أساس هذا الواقع كانت هذه الفكرة، فكرة إقامة الجبهة، قضية مركزية في أبحاث هذا المؤتمر التاريخي الهام وبناء على هذا البحث الموضوعي والعميق والمسؤول. كان هناك قراراً مركزياً وهاماً من قرارات المؤتمر الا وهو الدعة والعمل من أجل إقامة (جبهة سلام) جبهة واسعة تضم في صفوفها كل القوى المستعدة للتعاون والعمل المشترك من أجل تحقيق أهداف مشتركة ومحددة ووضع برنامج حد أدنى من أجل هذا الهدف. وبغض النظر عن الانتماء القومي أو الموقف الايديولوجي لكل حزب أو فئة تريد فعلاً ان تعمل من أجل السلام والديمقراطية.
ان هدف الحزب الأساسي هو مصلحة شعبي هذه البلاد والعمل من أجل أن تسير اسرائيل في طريق السلام مع الشعوب ا لعربية بشكل عام ومع الشعب العربي الفلسطيني بشكل خاص ومن أجل إقامة الدولة الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس الشريف.
وفي تلك المرحلة رأى الحزب أن العمل من أجل انتقال اسرائيل من سياسة الحرب والعدوان ضد الشعوب العربية الى سياسة عادل ودائم في المنطقة ي}دي الى امكانية تحول اسرائيل لتكون دولة ديمقراطية حقاًُ لكل مواطنيها.
لذلك رأى الحزب أن النضال من أجل السلام العادل والدائم من الضروري أن يرافقه نضال مثابر من أجل الديمقراطية لكل مواطني دولة اسرائيل يهوداً وعرباً.
في تلك الفترة كان قد تقرر تقديم موعد الانتخابات للكنيست وعلى أساس هذا الواقع رأى الحزب أهمية إقامة جبهة سلام تخوض معركة الانتخابات التي ستجري في تاريخ 17/15/1977 ولهذا بدأت قيادة الحزب تجري الاتصالات مع أطر سياسية يهودية وعربية مختلفة من أجل إقامة مثل هذه الجبهة وبعد المؤتمر بأقل من شهر أجرت صحيفة الحزب الشيوعي باللغة العبرية (زو هديرخ مقابلة مع السكرتير العام للحزب الرفيق ماير فلنر ونشرت بجريدة الاتحاد بتاريخ 14/1/1977 حول إمكانية خوض الانتخابات للكنيست تحت إسم جبهة السلام والديمقراطية، وطرحت عدة أسئلة على الرفيق ماير فلنر وأكد من خلالها على بداية الاتصال بعناصر مختلفة التي يمكن ان تكون مستعدة للدخول بقائمة مشتركة مع الحزب الشيوعي في الانتخابات المقبلة. وطرح عليه سؤال اذا كانت توجد صعوبات في هذا المجال وأجاب: "بالتأكيد لا صعوبات من جانبنا لأننا نصدر عن مسؤولية تاريخية على مصير الشعبين شعب اسرائيل والشعب العربي الفلسطيني فنطمح لحشد كل قوى السلام على الرغم من الفروق فيما بيننا."
وعملياً هذا كان أول حديث عن امكانية اقامة الجبهة بعد المؤتمر الثامن عشر وتلاحق عمل الحزب في هذا الاتجاه من أجل تحقيق الهدف.
// حلفاء يساريون
لقد كان من الطبيعي ان يرى في المنظمات اليسارية بين الجماهير اليهودية والتي تعمل من أجل مصالح القوى المسحوقة ومن أجل السلام بأنها حركات يمكن العمل المشترك معها وخاصة أنه كان قد تلور في تلك الفترة حركة إحتجاجية بين الجماهير اليهودية من أصل شرقي عرفت بمنظمة "الفهود السود" وهذه الحركة لم تكن مبلورة فكرياً بل بدأت كحركة إحتجاج في حي "المصرارة" في مدينة القدس ضد الضائقة التي عاشها في تلك المرحلة اليهود الشرقيين في القدس. ولكنها فيما بعد تبلورت كحركة سياسية تأخذ دورها في الكفاح العام من أجل مصالح الجماهير اليهودية الشرقية المسحوقة. وعلى أساس هذا التحول رأى الحزب في هذه الحركة بأنه يمكن العمل معها بشكل مشترك وعملياً بدأ الحزب ياتصالاته مع هذه الحركة واستطاع الوصول الى اتفاق معها ومع حركات أخرى في الوسط اليهودي كحركة "اليسار الاشتراكي الاسرائيلي" وحركة "جبهة اليسار" وكان من الطبيعي ان يصل الحزب الى اتفاق مع هذه القوى العاملة في الوسط اليهودي وكان قد عقد أولاً اتفاق مع حركة "الفهود السود" بعد أن أقروا في هيئاتهم توقيع الاتفاق للعمل المشترك مع الحزب الشيوعي وخوض الانتخابات بشكل مشترك.
في تلك الأثناء أيضاً وبعد أحداث يوم الأرض الخالد كان هناك تطوراً ايجابياً كبيراً بين الجماهير العربية في اتجاه مقاومة سياسة حكام اسرائيل العنصرية والعدوانية وأصبح هناك عدد كبير من رؤساء السلطات المحلية العربية من أعضاء الحزب الشيوعي وأصدقائه وكانت لجنة الرؤساء للسلطات المحلية العربية قد تبلورت بشكل أخذت دورها الطبيعي في قيادة نضال السلطات المحلية العربية التي هي جزء هام من نضال الجماهير العربية بشكل عام وعلى أساس هذا الواقع أيد في تلك المرحلة حوالي 20 رئيس سلطة محلية عربية الإنضمام الى الجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة وكذلك جبهة الناصرة الديمقراطية والتي كان قد مر على انتصارها أكثر من سنة ولجنة المبادرة العربية الدرزية والجبهات المحلية في القرى العربية وكانت جبهة عرابة الديمقراطية من أولى الجبهات التي أيدت هذه الخطوة وكذلك شخصيات سياسية واجتماعية يهودية وعربية.
جميع هؤلاء كانوا مركبات الجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة والتي ولدت في شهر آذار من سنة 1977 أي بعد سنة واحدة من أحداث يوم الأرض الخالد وقد صدرت الاتحاد بتاريخ 4/3/1977 وكانت كلمة الاتحاد في ذلك اليوم تحت عنوان "مولود جديد حمل به وحلم به الشعبان عبر أقسى تجربة."
وجاء فيها: "في رحاب الحزب الشيوعي الاسرائيلي حزب الطبقة العاملة الثوري، تعانق الشقيقان الجماهير العربية المظلومة والمحرومة في اسرائيل وجماهير اليهود الشرقيين المظلومة والمنبوذه في اسرائيل. الجدولان الكريمان يلتقيان في النهر ذي المجرى الرحب والمندفع لا محاله نحو دلتا (مثلث) الخصب الانساني: سلام الشعوب والمساواة بين الشعوب واخوة الشعوب."
وجاء أيضاً في كلمة الاتحاد هذه: "ان الجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة التي نادى بها المؤتمر ال-18 لحزبنا الشيوعي الاسرائيلي في الوقت المناسب بعد أن حمل (وحلم) بها خيرة أبناء الشعبين عبر أقسى آلام المخاض تخرج الى النور لحماً ودماً وذراعين يعانقين المستقبل كله."
وفي نهاية هذه الكلمة جاء: "قد تنجح الرجعية الحاكمة في إحداث تراجعات هنا وهناك ولكن هذا المولود الجديد جبهة السلام والمساواة اليهودية العربية قد رأى النور وخرج الى الحياة فعلاً."
ان هذا التفاؤل الكبير كان له ما يبرره في تلك المرحلة التي كانت مليئة بالأحداث والتي كانت تجري في مصلحة السلام والتقدم في عالمنا.
// تحقق شيء من الحلم
ان جيل المؤسسين والذين عبدوا الطريق كان قد شعر بارتياح كبير بتحقيق هذا الانجاز الهام وكذلك بالنسبة لنا نحن الجيل الثاني الذي بدأ السير في طريق الحزب الشيوعي منذ أوائل الخمسينات من القرن الماضي. شعرنا بالسعادة وأنه قد تحقق شيئاً هاماًُ من حلمنا، ورأينا في إقامة مثل هذا الإطار اليهودي العربي وهذا الزخم من المؤيدين من كلا الشعبين وبشكل خاص التأييد الواسع الذي جاء من عدة شخصيات جماهيرية ورؤساء سلطات محلية وغيرهم من الشخصيات الاجتماعية مكسباً هاماً لوحدة جماهيرنا العربية في هذه البلاد. ولذلك لم يكن صدفة أن تصدر الاتحاد في تاريخ 8.3.1977 تحت عنوان "فجر جديد في بلادنا يطلع على شعبي بلادنا"، وهذا عمليا إبراز لهذا التفاؤل الكبير بعد إنجاز هذا العمل الهام.
على أساس هذا الارتياح والتفاؤل الذي برز خاضت هذه ا لجبهة، جبهة السلام والمساواة، معركة الانتخابات للكنيست التاسعة وخلال هذه المعركة برز الحماس الكبير بين أعضاء الحزب الشيوعي وأعضاء الجبهة وكل الحلفاء الجدد الذين أسهموا في إقامة الجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة. وللحقيقة والتاريخ أنه في هذه الانتخابات قد تحقق إنجاز كبير بالنسبة للجماهير العربية عامة حيث إستطاعت هذه الجماهير ولأول مرة التخلص من وصاية الأحزاب الصهيونية والقوائم العربية التي كانت مرتبطة بحزب العمل حيث بقية ممثلة بعضو واحد فقط بعد أن كانت ممثلة بخمسة أعضاء.
(يتبع)
صورة: الجبهة، إبنة شرعية ليوم الأرض الخالد – في الصورة: ملصق عن يوم الأرض
