إن عملية التقليد الايجابي خطوة حضارية في سبيل تكوين الشخصية الذاتية للإنسان، والتي من شأنها أن ترسم معالم بناء الإنسان وترسيخ أطباعه المستقبلية للانطلاق إلى الحياة العامة والخاصة، وتعزيز مكانة الإنسان الفعلية واكتساب الهيمنة للاستقلال الذاتي لشخص الإنسان حرا طليقا معتمدا على قدراته الذاتية في التقليد منذ الصغر، لمن هم قدوة في المجتمع في مناصبهم ومراكزهم .
أذكر في أول حياتي التعلمية وأنا في الصفوف الابتدائية وحصرا بين الصفين السابع والثامن أحببت معلميَّ حبا شديدا وأحببت فيهم تصرفاتهم الإنسانية وطرق تعاملهم الأدبي في مهنة التعليم المقدسة والرسالة الرفيعة التي يحملها المعلمون من اجل تنشئة الأجيال المستقبلية ليكونوا رجال الغد وقادة المجتمع .
لقد غرس المعلمون الذين علموني في هذه المرحلة حب العلم والتعلم وحببوا لي مهنة التعليم التي عشقتها منذ الصغر ووضعت نصب عيني أن احمل هذه الرسالة الشريفة وأكمل دراستي لأصبح معلما لخدمة الأجيال المتعاقبة على مر السنين .
كان احد المعلمين الذين أعجبت بهم وكان لي المثال الأعلى في اختيار مهنة التعليم التي سعيت من اجلها، وكانت هذه المهنة حلم حياتي ورغبتي الوحيدة التي فضلتها على كل المهن في الحياة.
انه الأستاذ الأول في حياتي والذي أعجبت به كثيرا وقلدت كل تحركاته الشبابية بشخصيته العملاقة ووقفته الشامخة في الصف وإيصال العلم والمعرفة لطلابه بعزة وكرامة وإباء أتى إلينا بعد أن أنهى الثانوية مباشرة انه الأستاذ الكبير والمربي الفاضل المرحوم شكيب جهشان تغمده الله بواسع رحمته .
أعجبت به وأحببته وقلدته وأحسنت التقليد وتابعت دراستي الثانوية في مدرسة يني في كفرياسيف ثم دار المعلمين في يافا حتى بدأت ممارسة مهنة التعليم في عام 1964 في مجد الكروم لمدة ثماني سنوات من أحسن أيام حياتي التعليمية. إن شخصية هذا المعلم الكبير رافقتني طيلة مهنة التعليم التي قضينها على امتداد 38 عاما قضيتها بحب العمل والإخلاص فيه والانتماء الكبير لها جعلني أحب طلابي وزملائي ومدرستي وجمهور القرية من حولي ولم اشعر بالملل ولا التآكل وخرجت للتقاعد وأنا أحب العمل ولم أمل أو أتقاعس ولا من باب الكبر إنما لأمور صحية أجبرتني على الخروج المبكر من مهنتي التي أحببتها وعشقتها بفضل أساتذتي الأوائل الذين زرعوا في قلبي حب مهنة التعليم .
وما اقصده من هذه الرواية في حياتي الخاصة ان للتقليد الايجابي دورًا فعالا في بناء الشخصية الذاتية الإنسانية لإنارة طريق المستقبل أمام الطلاب في اختيار مهنهم ورسم شخصيتهم المستقلة والاعتماد على أنفسهم والانطلاق إلى الحياة العملية دون أن يكونوا مقيدين في آرائهم وتفكيرهم بتبعية للأهل
ليحددوا لأبنائهم اختيار مهنتهم حسب رغبات الأهل الشخصية.
ولكن حذار من التقليد الأعمى وبالغرور مما قد يؤدي بالمرء الى ضياع نفسه وعدم النجاح في التقليد السليم وهنا يصاب الإنسان بفقدان الشخصية والضياع .
علينا أن نعوّد أولادنا وطلابنا بالاعتماد على أنفسهم باستقلالية التصرف وحرية الرأي والتفكير باختيار مهنهم وتأمين مستقبلهم حسب رغباتهم وميولهم الشخصية في الحياة.
هناك آفة الالتزام بالعائلية البدائية ولو على خطأ وسرعان ما نرى شبابنا المتعلم ينسى حاله وثقافته وعلمه ويتنازل عن شخصيته وينصهر في بوتقة التعصب الفكري العائلي المتخلف ويخضع لأوامر فرد او مجموعة يحبون فرض سيطرتهم ونفوذهم الخاطئ مدعين أنهم قادة مجتمع وزعماء عائلة
وهم بالكاد أنفسهم يعرفون.
أنا لا انفي التمسك بالأهل والقربى ومن حق كل فرد أن يعتز بأهله وذويه وعشيرته التي تحويه ولكن يجب على حملة الشهادات والمتعلمين والمثقفين أن يثبتوا وجودهم على الساحة الاجتماعية وينطلقوا بالمفاهيم الحضارية،
ويقودوا عائلاتهم وأهليهم وعشيرتهم إلى المستوى الأخلاقي اللائق حتى يكون لهم التأثير الفعلي وما يتناسب مع مفاهيم العصر والتطور والتقدم، وبذلك يكونون قدوة صالحة تجعل الأجيال الناشئة تنقاد بهم وتقلدهم بشكل ايجابي بزرع الثقة العالية بالنفس وبناء الشخصية المستقلة .
(دير الأسد)
