منظمة التحرير في خطر (2)

single

ليس المكان هنا لتعداد او حصر انجازات المنظمة، فما ذكرناه في الحلقة السابقة غيض من فيض تلك المآثر التي تؤرخ لعودة شعب الى الحياة بعد غيبوبة فرضها الطامعون بمقدرات هذه المنطقة ارضا ومنافذ مائية وثروات طبيعية، نهض الفلسطينيون في الشتات من غيبوبتهم ليعودوا الى الحياة بنشاط اكثرَ عزما واقوى من السابق.
تلاقت لا بل توحدت السياسات الغربية وخاصة حكومات ورؤساء الولايات المتحدة والمملكة المتحدة وخيولهم العربية على النَّيل من المنظمة وإضعافها وقد قالت مارغريت تاتشر رئيسة وزراء بريطانيا السابقة كلاما لا يقبل الشك او الاجتهاد في هذا الخصوص. حتى الحكومات الاسكندنافية والمانيا الغربية لعبت دورا تخريبيا منظما ساندته اخطاء بعض الحكومات العربية وخاصة الحكومة السورية. في المقابل قبع داخل المنظمة من هم بمثابة افراد خلايا نائمة للمشروع الامريكي وقد كشفت هذه عن نواياها واطماعها بعد الحروب الاهلية الداخلية والخارجية التي لم تكن مفاوضات مدريد واتفاق اوسلو الا نتيجتها اللاحقة برأيي.
كثيرون لم يلحظوا ان بعضًا في قيادة المنظمة كانوا يرسلون ابناءهم للتعلم في الجامعات الامريكية والاوروبية وهم لم يكونوا الا فقراء ومعدمين قبل الثورة. هؤلاء القادة كانوا فوق الشبهات وأسمى من الرقابة، بعضهم قضى بما جنته يداه من جهل لا سببَ له الا كره الاشتراكية والعداء لها الذي كان يرعاه ويموله آل سعود. العلاقة السلبية بين الفصائل والتنظيمات المنضوية تحت لواء المنظمة لعبت دور الدهون التي تستوطن الجسد فتستقوى ان تجاهلها حاملها الى ان تهاجمه بغتة فتشله او تقتله. نظريات اليمين واليسار التي غلّبها بعض اليساريين ووضعوها فوق الاعتبارات جميعا خدمت اعداء اليسار الذين كانوا في الطبقة السابعة تحت الارض عندما كانت المنظمة واليسار في اوج عنفوانهم، في حين نظرت وتعاملت حركة فتح بطريقة واسلوب احتكاري الى المنظمة ومؤسساتها. بعض المتنفذين في حركة فتح يجزمون ان هذه المؤسسات ووظائفها هي من حقهم وحدهم دون سواهم.
الحقيقة الاكيدة التي تفيض خزائن التاريخ بمكنون أدلتها وبراهينها ووثائقها تؤكد ان الاحزاب والجماعات الدينية وخاصة تلك التي تدعي الاسلام انما نشأت وتأسست تلبية لمصالح حكومة المملكة المتحدة صاحبة التاريخ والباع الطويل في اختراق وتدمير الوحدة الجغرافية للمنطقة العربية وفلسطين على وجه التحديد.
جميع الحروب الداخلية والخارجية فشلت في اجتثاث المنظمة وتدميرها، حتى الحركات السياسية والحزبية الدينية وغير الدينية فشلت في النَّيل من المنظمة ومكانتها، لكننا نشهد الآن وللمرة الاولى في عمر المنظمة انها في خطر حقيقي داهم وهنا الدليل: في 5 شباط 2014 كتب أمين سر حركة التحرير الوطني الفلسطيني فتح الاستاذ الحاج رفعت شناعة على صفحته على الفيس بوك يقول "انشغلت المخيمات الفلسطينية خلال الاسبوع المنصرم بظاهرة مستغربة اثارت حالة من الجدل ألا وهي قيام مجموعة من الشبان غير محدّدي الهوية السياسية بالمطالبة علنا بالهجرة من لبنان، ورفع اللافتات والشعارات الإعلامية للفت انتباه الرأي العام، وقد وصل صوت هؤلاء الى سفارات الدول الأجنبية التي تلقّفت هذه الظاهرة، ولبت الدعوة للقائهم والاستماع اليهم، وإعطاء الوعود لتلبية رغبتهم، كان الظن في البداية انها فشّة خلق، لكن فوجئنا بأن هذه المجموعة التي تبنت المطالبة بالهجرة نقلت نشاطها من الشمال الى صيدا، وهذا النشاط اثار البلبلة لأنه لم يحدث سابقا حتى في أحلك الظروف، وقد قامت الفصائل كافة برفض هذه الظاهرة البعيدة كل البعد عن المألوف الوطني والسياسي الفلسطيني، ورغم الحوار الذي جرى مع هؤلاء الشبان لتوضيح الصورة الا انهم واصلوا تحركهم...". 
خلال وقت قياسي خرجت في المخيمات تظاهرات شبابية يحمل اصحابها الأعلام الاوروبية والغربية مطالبين بالهجرة من لبنان لأسباب اقتصادية وامنية طبعا، وغطت بعض الفضائيات المرموقة (الجديد) اخبار وصور بعض تلك التحركات. المؤسف والمحزن في آن، ان هؤلاء الشباب او من يوجههم قد اغلقوا منافذ العقل ونسوا التاريخ القريب والحاضر المرير، فخرجوا الى الشوارع يستغيثون، بمن؟ بمن كان سبب نكبتهم ومآسيهم على مر النكبة وما قبلها. يستغيثون بسفراء فرنسا وبريطانيا والولايات المتحدة وكندا الخ... الخ. اصحاب الوصفات السريعة في المنظمة وفصائلها صبوا الزيت على النار فراح كثير يوزع ماء الخيانة المتعفن في قوارير جديدة. اتهموا دعاة الهجرة بالخيانة والتنازل عن حق العودة وهذا منافٍ للمنطق والحقيقة. فالفلسطينيون الذين هربوا من جحيم حروب الابادة والمجازر والتمييز الطائفي وبلغوا شاطئ النجاة في بلدان اوروبية وامريكية هم ليسوا اقل تمسكا بفلسطينيتهم وحق عودتهم الى وطنهم.
اصلاح المنظمة واعادتها الى مكانها الطبيعي يتطلب استعادة المنظمة لدورها ومكانتها وهيبتها الاقليمية والدولية. تحول المنظمة الى مؤسسة تستجدي العطف والمساعدات المالية من حكومات بلدان عدوة وخاصة الادارة الامريكية والبيت الابيض لن تؤدي الا لاعادة انتاج مؤامرات ودسائس قبرها اهل المخيمات. لقد مات دور الراعي الامريكي طرحا قبل تبلوره لأنه قام ولا زال على الخداع والانحياز المطلق. قبول المنظمة والسلطة الفلسطينية بالكذّاب بل الدجال توني بلير وسيطا لعملية لا تنطبق عليها الا صفات الاستسلام عار يطفح به وجه كل فلسطيني قبله ويستقبله. لا زال فلسطينيو الشتات يتمسكون بالمنظمة ممثلا شرعيا وحيدا فهل لا زالت المنظمة ورئيسها كذلك؟ ام انهم استحضروا تجربة الحاج امين الحسيني الذي مات معزولا ومقهورا.
الشباب في لبنان لم يخرجوا للبحث عن الهجرة بل خرجوا يستغيثون بأعدائهم لأن اشقاءهم افرطوا في ظلمهم، والمنظمة تتجاهلهم وتتجاهل حقوقهم في العمل والحياة. خرجوا يرفعون اعلام اعداء قضيتهم لأن من يمثلونهم نسوهم وانهم يبيعونهم في سوق نخاسة امريكي والخسارة في النهاية للجميع وعلى الجميع... (انتهى)




(باحث يعيش في المملكة المتحدة)

قد يهمّكم أيضا..
featured

الذكرى المئوية لثورة اكتوبر الاشتراكية: نقطة تحول مهمة في تاريخ العالم الحديث

featured

عودةٌ الى "لبّ الصراع" و"فرصة الحل"!

featured

ذكرى محمد الدرة

featured

الوحدة مفتاح الفرَج

featured

استفحال الفقر بين العرب يضع إسرائيل في خانة أعلى مستويات الفقر

featured

ستون عاما ونيف على بدايات نشوء فرع للحزب الشيوعي في قرية المكر

featured

أطماع غربية في الشام

featured

عن العنف في المدارس