في ما بين اوائل واواسط عام ثمانية واربعين وتسعمئة والف عاد الى مسقط رأسه في قرية المكر قادما من حيفا ابن قرية المكر البار المرحوم عساف حنا حناني، حاملا معه بذور افكار جديدة لا بل افكار من نوع جديد حيث كان رفيقنا عساف قد انتسب الى صفوف عصبة التحرر الوطني في حيفا.
وباشر بتوزيع صحيفة "الاتحاد" في المكر بعدما عادت الى الصدور من جديد بعد قيام الدولة.
وقد تقبل شقيقه الاكبر المرحوم جريس هذا الموقف واخذ يتعاون وينشط في هذا المجال.
ومن الجدير بالذكر ان رفيقنا المرحوم حنا جريس حناني ابن شقيق الرفيق عساف اصبح فيما بعد عضوا نشيطا في الشبيبة الشيوعية في حيفا ولما عاد من حيفا اصبح من نشيطي فرع الحزب في المكر.
قبل ان يعود رفيقنا عساف مرة اخرى الى حيفا كان قد نجح في تكوين خلية صغيرة من الرفاق الشباب العمال الكادحين حيث اخذت على عاتقها توزيع جريدة "الاتحاد" في القرية.
وعلينا ان لا ننسى اننا كنا في تلك الايام نعيش فترة الحكم العسكري الذي ناء بكلكله على صدور جماهيرنا عامة وعمالنا وكادحينا خاصة متحكما بمصيرهم ومستقبلهم، خاصة من حيث منح التصاريح للذهاب الى العمل او حرمانها عن اولئك الذين يناضلون ضد تلك السياسة ويطالبون بالغاء الحكم العسكري وفي مقدمتهم وفي طليعتهم الحزب الشيوعي قيادة وكوادر.
وتحت ضغط لقمة العيش وارهاب الحكم العسكري بعد نشوء فئة من المتعاونين معه ضد ابناء جلدتهم ممن اطلق عليهم "الاذناب" والذين كان يطلب منهم اسيادهم من عناصر الحكم العسكري ان يراقبوا الناس في تحركاتهم وسكناتهم وحتى انفاسهم وان ينقلوا ذلك الى مكتب الحاكم العسكري الذي كان مقره في كفر ياسيف والذي كان يرد بقطع تصاريح العمل وقطع لقمة العيش.
ومن الجدير بالذكر ان من بين اولئك الاوائل الذين ساهموا في توزيع الاتحاد – بعد عودة الرفيق عساف الى حيفا – المرحوم محمد ابراهيم ابو عيشة – والد رفيقنا العزيز صالح ابو عيشة اطال الله في عمره – وآخرون لا مجال لذكر اسمائهم جميعا.
وبعد فترة من ذلك تولى توزيع جريدة الاتحاد في المكر فرع كفر ياسيف وخاصة المرحوم الرفيق مبدا فرحات.
الى ان انضم الى التنظيم على ما اعتقد في اواسط او اواخر الخمسينيات المرحوم الرفيق محمد قاسم نابلسي الذي تسلم منصب سكرتير الفرع وتعرض رحمه الله الى ضغوطات هائلة من الحكم العسكري وعلى رأسها حرمانه من تصاريح العمل، والتضييق على معيشته ومعيشة افراد اسرته، من زوجة واولاد وبنات. ومع ذلك فقد زاد عدد المنتسبين الى فرع الحزب حتى وصل ذروته قبيل مظاهرة ايار سنة 1958 في الناصرة والتي اشتبكت جماهير المتظاهرين فيها مع الشرطة وكان لفرع المكر على ما اظن اول مشاركة فعالة وقوية في الكفاح الجماهيري الصدامي في مظاهرة الناصرة تلك، وقد تم اعتقال العديد من الرفاق منهم على سبيل المثال لا الحصر المرحوم الرفيق حسن محمد شيمي، والحاج محمد احمد شعبان والمرحوم فهد محمد عكر وغيرهم.
وكان قد شارك فرع المكر للحزب الشيوعي في اول نشاط جماهيري سياسي في انتخابات الكنيست الاولى سنة تسع واربعين وتسعمئة والف والتي فاز فيها عن قائمة الحزب الشيوعي وغير الحزبيين رفيقنا العريق توفيق طوبي اطال الله في عمره.
وللاسف الشديد لم اجد بين ما توفر لدي من معلومات ووثائق كم كان عدد الاصوات التي منحتها جماهير قريتنها لقائمة حزبنا. ولكن على ما اعتقد بين الاحاد والعشرات.
وقد اخذت هذه الاصوات في الازدياد حتى بلغت ربع الاصوات لاول مرة في احد انتخابات سنوات الخمسين من القرن الماضي رغم بطش الحكم العسكري وحشر انفه في كل دروب الحياة.
وقد بلغت الذروة في انتخابات ما بعد العبور أي بعد حرب سنة ثلاث وسبعين وتسعمئة والف والتي عرفت بحرب اكتوبر او حرب يوم الغفران كما يطلق عليها حكام بلادنا. وقد حصل فرع الحزب على نصف الاصوات الصحيحة تقريبا.
وقد كان للفرع دوره في النشاطات الجماهيرية المدنية في القرية حيث كان لكاتب هذه السطور دور بارز في ايصال المياه للقرية بواسطة جمعية الكوثر التي قادها مجموعة من الغيورين والحريصين على تطور القرية ووضعها على طريق التقدم .
وقد توليت سكرتارية هذه الجمعية حتى ضُمت الى المجلس المحلي في الثمانينيات من القرن الماضي.
كذلك تولى كاتب هذه السطور مهمة سكرتارية جمعية المزارع التي شكلها مجموعة من الفلاحين الذين رغبوا في اللحاق بركب تطوير الزراعة العربية والمحافظة على الارض، ورهن العديد من اعضاء هذه الجمعية بعضا من اراضيهم بشكل شخصي كي يتمكنوا من الحصول على القروض وكان ذلك سنة 1967 ومن بين اولئك كاتب هذه السطور.
كما كان لفرع الحزب دور مهم في جمع التواقيع على عرائض موجهة للدوائر المختصة لاقامة مجلس محلي في القرية يرعى شؤونها ويعمل على تطويرها وتقدمها وتم لسكان القرية ذلك يوم 13-6-1968 بفضل نضالهم الجماهيري واصرارهم على ذلك.
وجرت اول انتخابات للمجلس المحلي بعد نضال كان فرع الحزب الشيوعي في خضمه وفي قيادته سنة 1972. وتمثلت القائمة الدمقراطية التي كان يدعمها الحزب بعضو واحد هو السيد هاشم خطيب ثم استقال بعد مدة وجيزة وتولى تمثيل القائمة كاتب هذه السطور منذ سنة 1974 وحتى سنة 1989 عندما حُل المجلس المحلي في المكر والجديدة ودمجت القريتان في مجلس واحد ما زال قائما حتى اليوم. وقد انتخبتُ من قبل المجلس لاكون قائما باعمال الرئيس من سنة 1979حتى 1989 كعضو متفرغ.
وقد خاضت جماهير القريتين بقيادة فرعي الحزب الشيوعي نضالا جماهيريا بالتظاهر امام مكاتب وزارة الداخلية وبالعرائض الاحتجاجية وارسال الوفود لاقناع الدوائر بالغاء الدمج وللاسف تم الدمج رغم معارضة الجماهير الرافضة لهذا الدمج بكل الوسائل. وبعد ان اصبح دمج القريتين حقيقة مرة اليمة واقعة وتم تعيين لجنة لادارة شؤون المجلس المدمج الجديد.
بُدأ النضال من جديد من اجل انتخابات للمجلس الجديد وبعد ان نجح نضال الجماهير باعادة حقها في انتخاب ممثليها ولو لمجلس مشترك، لم تكن شريكة في اقامته لا بل قسم كبير ان لم نقل جُلّها لم توافق على اقامته وعارضته بشدة. وقد استطلع الفرع رأي مؤيديه وغيرهم بشكل عام حول مشاركة الفرع في الانتخابات او عدم المشاركة كاستمرار في رفض ما فرضته الداخلية من واقع الدمج، ولما تبين للفرع بعد استفاضة في البحث وبعد جس نبض الجماهير انها تريد ان لا يخلي الفرع ساحة النضال الانتخابية رغم الضيم والقهر الذي لحق بارادة الجماهير الرافضة لهذا الدمج.
وهكذا اجريت اول انتخابات للمجلس الذي سيدير شؤون القريتين سنة 1993، وقد ترأس قائمة الجبهة المشتركة للقريتين السيد عفيف كيال وترأس شق الجبهة في المكر الرفيق صالح ابو عيشة – وهو اليوم عضو لجنة منطقة عكا للحزب الشيوعي.
وقد استعادت الجبهة موقعها في قيادة المجلس حيث انتخب ايضا لمنصب قائم باعمال الرئيس الرفيق صالح ابو عيشة الذي استمر في هذا المنصب لاكثر من عامين ونصف العام، وقام بدوره وبذل كل الجهود الممكنة في خدمة جمهور ناخبيه قدر المستطاع حيث لم تمكنه الظروف من تحقيق كل ما اراد لان الامور لم تسر على احسن حال كما كان يرغب الرفيق صالح وكما كان يرغب الفرع. وما زال الرفيق صالح يقود شق المكر في فرع الحزب الموحد جديدة المكر حتى اليوم وله دوره البارز في الفرع الموحد، وكان ممثلا للحزب في نقابة عمال المعادن والكهرباء لاربع سنوات.
وفي اواخر الخمسينيات انضم كاتب هذه السطور الى كتلة المعلمين الدمقراطيين وكان يومها مديرا لمدرسة المكر الابتدائية الرسمية التي كانت تضم ثمانية صفوف ابتدائية علاوة على صفوف البستان.
ولقد تركبت قائمة المعلمين الدمقراطيين لخوض انتخابات المعلمين وتعرضت لضغوطات هائلة ومؤامرات دنيئة انتهت بعد كفاح ونضال مرير الى ان اصبحت خارج سلك التعليم ، وقد مثّلت الكتلة وغيري من ممثليها في مؤتمرين لانتخابات المعلمين العامة، وفي مجلسين من مجلس النقابة وكان رئيس الكتلة في المرحلة الاولى الرفيق داني بتير وفي الثانية المرحومة الرفيقة تسيبورا طوبي.
هذا بعض من فيض نضال وكفاح مرير خاضته جماهير المكر بقيادة فرع الحزب الشيوعي، وان سهوت عن ذكر بعض النضالات او عن ذكر اسم من الرفاق الذين اسهموا في هذه المسيرة الكفاحية، فأرجو المعذرة.
(المكر)
